×
×

اليومي موضوعا للتفكير الفلسفي… 1/2قراءة في كتاب: Une journée de philosophie

بالنسبة لمؤلفي هذا الكتاب، ليس لإنسان العصر الراهن غير هذا اليومي الذي يسعى إلى تجاوز إكراهاته كلّ وقت وحين. لذلك، اعتبر هؤلاء، أنّ بعض الآراء المتفائلة بخصوص عيش هذه الحياة بكيفية اعتيادية، إنّما يتم عبر تلك القدرة الفائقة على تحمّل صعاب الحياة الراهنة.
لهذا الاعتبار، رأى هؤلاء أن اليومي ليس إلاّ وعدا بِحياة أخرى؛ أي بحياة حقيقية أكثر جدارة بالعيش: عطل، حفلات، أفراح غير منتظرة، الخ.

الحسين أخدوش: باحث في الفلسفة والفكر الإسلامي

في كتابهم المعنون «يوم من الفلسفة: موضوعات كبرى منظورا اليها خلال اليومي»*، يقدّم الكتاب: بيير ديلو ومارتن ستيفان وتيري فورمي محاولات تأمّلية نقدية حول مجموعة من القضايا الملتصقة بحياتنا المعاصرة (الاستيقاظ، الفطور، الغذاء، السفر، الشغل، الاستراحة، الشاشة، التراسل، النوم، الخ).

كان منطلق هؤلاء محاولة تحقيق رهان فلسفي نقدي، مضمونه أنّه ليس لحياتنا اليومية غير تحقيق وعد شاق ورهان صعب: التحرّر من الروتين اليومي. لكن، كيف يمكن تحقيق ذلك، والحال أنّ التواجد في خضم هذه الحياة ليس سوى مكابدة هذا الروتين اليومي؟

بالنسبة لهؤلاء الكتّاب، ليس لإنسان العصر الراهن غير هذا اليومي الذي يسعى إلى تجاوز إكراهاته كلّ وقت وحين. لذلك، اعتبر هؤلاء، أنّ بعض الآراء المتفائلة بخصوص عيش هذه الحياة بكيفية اعتيادية، إنّما يتم عبر تلك القدرة الفائقة على تحمّل صعاب الحياة الراهنة.

لهذا الاعتبار، رأى هؤلاء أن اليومي ليس إلاّ وعدا بِحياة أخرى؛ أي بحياة حقيقية أكثر جدارة بالعيش: عطل، حفلات، أفراح غير منتظرة، الخ.

إنّنا نتطلّع عبر هذا اليومي إلى حياة كلّ الأيام، أي حياة لا تتوقّف على يوم واحد مكرّر وروتيني، وإنّما الحياة اليومية التي تم صقلها بفضل تفكيرنا المستمر.

إننا نسعى، بحسب هذه الرؤية، كي نكون رّحّلا متحرّرين، لكن في ذات الوقت، يريدنا هذا اليومي أن نجمد ونثبت على نفس الوضعية المعتادة. فلا يوجد وطن آخر نبحث اللجوء فيه بجموح، خاصّة إذا ما سررنا بعدم التواجد في غير ما وطن، غير هذا اليومي الذي تصبح عبره أيام عمرنا وطننا الفعلي. إنّنا نتطلّع عبر هذا اليومي إلى حياة كلّ الأيام، أي حياة لا تتوقّف على يوم واحد مكرّر وروتيني، وإنّما الحياة اليومية التي تم صقلها بفضل تفكيرنا المستمر.

اقرأ أيضا: حسين الوادعي يكتب: ابن رشد مفكرا تنويريا علمانيا في الديانات الثلاث

يكمن مشروع هذا المنظور، في أن يعيد لتلك التصرفات الصغيرة للحياة، حمولتها الفلسفية والوجودية والميتافيزيقية؛ بمعنى أن تكون إنسانية قبل كلّ شيء. غير أنّه مع ذلك ليس لنا اختيار، وذلك لأنّ بداية الحياة هي هذا اليومي؛ فنحن محكومون بإنجاز هذا الرهان:

يجب ألاّ ننغمس في هذا اليومي بما يحول بيننا وبين عيش الحياة فيه بكيفية جيّدة. إنّ الزمن الذي ينفلت من قبضتنا ونتذمر لأجله، هو كذلك لأننا نحن من يتخلّى عنه في واقع الأمر. لهذا الاعتبار، يريد أصحاب هذا الكتاب التحدّث عبر صفحاته عن العنصر غير المرئي، واللامحسوس والخالي من المعنى، الذي يمرّ علينا سريعا دونما الانتباه اليه خلال اليومي؛ فكما يقول فلوبير: “كلّ شيء مهمّ، طالما ننظر إليه ملّيا”. لذلك، سيكون تمرين الاندهاش والإعجاب والتساؤل والشك، الخ؛ التمرين الذي يودّ هذا الكتاب العودة إليه وبالتالي التفكير به وعبره.

يهمّنا انقاد ذلك الجانب من الحقيقة  الذي عادة ما يختبئ وراء تلك الأحكام القبلية؛ فاليومي مليء بالحكمة المغمورة التي يتوجّب على الفلسفة كشفها وإظهارها. لكن، وفقا لأية قاعدة يمكن ذلك؟

إنّ ما يهم ليس هو النظر إلى الأشياء الجديدة، بل النظر من جديد إلى الأشياء الاعتيادية؛ بالتالي، إنقاد الحقيقة من تهديدات الحكم القبلي. أيضا، يهمّنا انقاد ذلك الجانب من الحقيقة  الذي عادة ما يختبئ وراء تلك الأحكام القبلية؛ فاليومي مليء بالحكمة المغمورة التي يتوجّب على الفلسفة كشفها وإظهارها. لكن، وفقا لأية قاعدة يمكن ذلك؟ هل نمط اليومي الذي نقترحه في هذه الصفحات مطروح لكل واحد منا؟ ما الجانب الكوني فيه؟ بالمقابل، ما جوانب الاتفاق والاختلاف فيه؟ هل يستيقظ جميعنا في الصباح الباكر؟ وهل كل واحد منا يأخذ فطوره؟ وهل يتم النوم في المساء الموالي بشكل تلقائي؟.

اقرأ أيضا: عمر بن أعمارة يكتب: الله بين حدود العقل ورحابة القلب

إنّ امتلاك أيّ واحد منّا ليومه بشكل مثالي، هو أمر لا يصبح متاحا إلاّ إذا ما تمّ تحديد تفاصيل هذا اليوم بشكل تام ونهائي. فإذا ما تحدّثنا مثلا عن سيارة لم يسبق لنا رؤيتها من قبل، فيقينا عندها ستكون مثالية بالنسبة إلينا، أي بعجلات أربع ومحرّك وواقيات تؤدّي وظيفتها كاملة وبشكل جيّد ورائع. بينما سيكون من الغريب للوصف أن يبدأ بالحديث عن سيارة معطوبة ومصدومة، أو مبتورة العجلات مثلا. لذا، فمن المغري التحدّث في هذه السطور عن الأشياء اليومية البسيطة: الاستيقاظ وتنظيف الجسم، السفر والعمل والاستراحة، عن جودة هذه الأشياء وكمالها الذي يخصّها.

* Martin Steffens, Thierry Formet, Pierre Dulau ; Une journée de philosophie: les grandes notions vues à travers le quotidien; édition Ellipses, Paris, 2010.

 

لقراءة الجزء الثاني: الحسين أخدوش يكتب: اليومي موضوعا للتفكير الفلسفي 2/2

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *