×
×

محمد علي لعموري يكتب: المثلية الجنسية… بين الدبرية والقضيبية!

المثلية، رغم كل هذا التطرف الحاصل بشأنها، على صعيدي التمثل والممارسة، تبقى لوحة عصية على الفهم والقراءة.
لوحة غامضة… حين نمعن النظر فيها مليا، تكشف لنا عن تناقضات مجتمعنا وعن عيوب ثقافتنا وعنف الجماعة تجاه الفرد، وعن غياب التسامح وإنكار الاختلاف… وتجلي كل أشكال العنف والوصم والتمييز ضد الإنسان المثلي.

محمد علي لعموري

يخطر ببالي أحيانا أن أتفلسف دون أن أهرطق…

ويحدث أن أختار عنوانا لمقال لي يجلب الأنظار، ثم يكون أول استمتاع لي قبل أن أكتب المقال، هو العنوان الذي تربع على عرش الاختيار، ليكون دالا على ما أريد البث فيه من خلال الموضوع المطروق.

سبق وكتبت في موضوع المثلية من وجوه عدة، وأدليت برأيي فيها، متوخيا كسر جليد الصمت، مخترقا حجب التعمية والتعتيم اللذين يكتنفان موضوعها عند القراء… ولدى شريحة واسعة من المغاربة الذين يستفزهم أن يكون المثليون متواجدين بين ظهرانيهم يعيشون ويمرحون، ويمارسون الجنس مع نفس الجنس، ويبحثون عن موطئ قدم لهم ضمن معادلة الصراع من أجل البقاء.

المثلية تثير فضول الكثير من الناس، ومنهم باحثون وفضوليون، ومثليون متخفون… يعيشونها برغبة مقموعة Homo-placard ، ولكنهم يخجلون من إثارتها بين الأقارب والأصدقاء، ويتحاشون البحث فيها مخافة الاتهام بالانتماء إلى عالمها، أو التواطؤ مع أهلها في نشر ما يعتبرونه حسب فهمهم… “رذيلة”.

تحتل المثلية الجنسية عند المثليين أنفسهم، وخاصة في مجتمعاتنا العربية الإسلامية، منزلة الدونية التي تستحضر دونية المرأة عند من يرون في المثلي السالب، مجرد نسخة باهتة من أنوثة رخيصة، لا يتم تقدير دورها وحيويتها عند معشر الذكوريين المشبعين بتقاليد ممارسة طقوس الوصاية على المرأة…

… كما سبق وكتبت عن النفاق الاجتماعي، الذي يجعل من المثلية، رجسا من عمل الشيطان عند أعداء المثليين قولا وتصريحا أمام الملأ، بينما هي مستباحة في فراش الاعتزال، أي بعيدا عن أعين المتلصصين، وقريبا من… جسد ذكوري مرغوب فيه.

لماذا اخترت هذه المرة العودة إلى نفس الموضوع، لكن من منظور أقرب إلى التحليل النفسي لما يعتمل داخل الحياة الحميمية للمثليين من شبقيات واستيهامات وتمثلات وتطلعات؟

… لقد سبق وقلت إن المثلية الجنسية أكبر من أن نختزلها عند لذة جنسية عابرة، بل هي رحلة قوم يبحثون عن حب ضائع، عن صديق حميم، عن كيان حاضن، عن وجود حقيقي، عن حق ضائع، عن صوت مكتوم، عن عنوان لقصة مشوقة، عن كتاب خالد تدون فيه بصمات كل من عشق الحياة بهذا الاختلاف المخيف… فلم تنصفه لا القوانين ولا الشرائع ولا القواعد التي تكالبت على حقه في العيش بسلام وسكينة وحب…

اقرأ أيضا: سناء العاجي: 88٪… ولنفترض!

المثلية من منظور مختلف عما درجت التعريفات على تصنيفها وتعريفها، هي نمط عيش وأسوب حياة ” Mode de vie”، كما كتب عنها كبار الفلاسفة، ومنهم ميشيل فوكو. هي رفض لكل فرض لازم… لا يحقق للفرد شرط الوجود وشرط السعادة وشرط الانتماء.

المثلية بهذا التصور الثوري الحالم المحطم لجدار الصمت وسياجات التحريم والتجريم، هي كل ما يدل على الاختلاف قبل تأسيس النظام الذكوري، وتطويع التنوع لقولبة المجتمع ذي السلطة على سلطان الفرد وسلطان الحب وسلطان الحرية…

المثلية قريبا من التحليل النفسي… هي ما انحدر من طفولة جد متألمة من ظلم ذوي القربى، في ظل غياب حب كبير كانت الذات المثلية تبحث عنه عند أب متسلط أو أم سلطوية فلم تجده، بحثت عنه داخل الكيان الأسري فلم تلمس حضنه الدافئ، فبدأت رحلتها في البحث عنه خارجا، وحين لم تجد سوى العنف سبيلا لقمع تلك الذات المتعطشة إلى الحب وإلى الاعتراف، راحت تمارس طقوس الانتقام لذاتها من ذاتها، فمشت في طريق محفوف بالأخطار، يجمع بين العمل الجنسي ومعاقرة كل أسباب المجون التي تنسيها نفسها بعد أن ضاعت منها عند أول ارتطام بصخرة العقاب.

… المثلية في تجلياتها الجنسية الإيروسية، تستحضر القضيب كرمز لصولجان السلطة الذكورية التي تخترق الأدبار، فالقضيب هنا، مثلما يعبر عن العضو التناسلي الذكوري، الذي يحرث هنا مع الجنس الآخر أو هناك مع نفس الجنس أو مع كليهما، هو رمز لكل ثقافة مخترقة (بكسر الراء)، تريد إشباع رغبتها في السيطرة وفي القمع وفي إحداث الألم. وعندما يتحمل المثلي السالب Homo-passif، ألم القضيبية في الجماع مع مثلي موجب Homo-actif، فإن لذة الجماع… يقع فيها نفس الاختراق بلذة السادية عند الموجب، ولذة المازوشية عند السالب، لكن… ضمن اتصال جنسي ذي وتيرة عادية، وكأن طرفي الممارسة الجنسية المثلية، يمارسان طقوس الهيمنة الذكورية السارية مفاعيلها وتجلياتها داخل مجتمع يعج بأشكال شتى من العنف والعنف المضاد، مع تعايش بين المهيمنين والمهيمن عليهم.

… المثلية في تجلياتها الجنسية الإيروسية، تستحضر القضيب كرمز لصولجان السلطة الذكورية التي تخترق الأدبار، فالقضيب هنا مثلما يعبر عن العضو التناسلي الذكوري، الذي يحرث هنا مع الجنس الآخر أو هناك مع نفس الجنس أو مع كليهما، هو رمز لكل ثقافة مخترقة (بكسر الراء)، تريد إشباع رغبتها في السيطرة وفي القمع وفي إحداث الألم.

… القضيبية هنا، إشباع سادي-مازوشي Sado-maso، مع شريك تتمثله الذات، كما لو كان ذاك الشخص الذي تبحث عنه في تمثلاتها، فتستهيم سلطته في أسلوب الجماع حبا أو احتواء أو… اعترافا.

بينما الدبرية، بالنسبة للذكوريين والمثليين الموجبين، هي وعاء للاختراق وهتك الحجب وخرق الممنوع وتفريغ المكبوت وتحقيق سلطة الذكورة، في إطار ممارسة جنسية تحمل نفس الأبعاد الذكورية المتحدث عنها قبلا.

… ما بين القضيبية والدبرية، تحتل المثلية الجنسية عند المثليين أنفسهم، وخاصة في مجتمعاتنا العربية الإسلامية، منزلة الدونية التي تستحضر دونية المرأة عند من يرون في المثلي السالب، مجرد نسخة باهتة من أنوثة رخيصة، لا يتم تقدير دورها وحيويتها عند معشر الذكوريين المشبعين بتقاليد ممارسة طقوس الوصاية على المرأة…

اقرأ أيضا: ليون الإفريقي… فاس مدينة الحانات ودور البغاء (الجزء الخامس والأخير) 

بينما يرون في المثلي الموجب، نسخة باهتة من ذكورة معيبة، قد يتم التسامح بشأنها، لأنها تبقى مجرد تقليد لما هو مباح ومشاع… وهذا ما كنت قد عبرت عنه في إحدى المقالات، بتسامح السلطة العسكرية مع الجندي المثلي الموجب، بينما يتم إبعاد المثلي السالب من دائرة الجندية.

يبقى أن نشير إلى أن المثلية، رغم كل هذا التطرف الحاصل بشأنها، على صعيدي التمثل والممارسة، تبقى لوحة عصية على الفهم والقراءة، كلوحة غامضة حين نمعن النظر فيها مليا، تكشف لنا عن تناقضات مجتمعنا وعن عيوب ثقافتنا وعنف الجماعة تجاه الفرد، وعن غياب التسامح وإنكار الاختلاف… وتجلي كل أشكال العنف والوصم والتمييز ضد الإنسان المثلي.

تعليقات

  1. خليل حسن

    شكرا مرايانا وشكرا للأستاذ محمد على العموري على إثارة موضوع مسكوت عنه رغم حضوره القوي في جغرافيا الميولات الجنسية ببلدنا العزيز. المثلية الجنسية كما أشرتم في المقال ليست بالمسألة البسيطة ولا بالقضية التي يمسك بطرفي خيوطها فتختزل وتختصر وتطوى بحكم جاهز ينز تسلطا وقمعا واقصاءا. القضية متعددة الأبعاد وتحتاج زوايا عديدة للنظر لتكتمل الصورة ونقترب من حقيقتها وتفاصيلها. كل التقدير لكم وتحية خاصة للأستاذ الفاضل.
    متابع وفي لمرايانا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *