×
×

من مونتريال ـ كندا. عمر لبشيريت يكتب: أنا وأبي… و”إيڤا”

طيلة أربعة عقود، ظل يداوم على زيارتها ويتكلف بمصاريفها، التي تمده بها عائلتها. كانت ترفض أي شيء يأتي من العائلة، ترفضه بشدة وهي تلعن وتسب، إلا المصروف الشهري. لم تعد تسمح لإخوانها وأخواتها ولأي أحد بزيارتها ورؤيتها مند انعزالها أواخر الستينيات. كانت القناة الوحيدة هي “با عبد السلام”.
كان والدي مولعا ب “الراديو”، وكان يتابع أخبار الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي وكان يتعاطف مع الفلسطينيين. لكن “إيڤا” كانت مهمته الإنسانية التي لا يتأخر عن تأديتها.

كانت “إيڤا” مغرمة بالفنون والحياكة، وتتمنى أن تعمق مداركها في هذا الميدان، في مغرب يغلي سياسيا، لكن يبدع ثقافيا وفنيا. مغرب نهاية الستينيات وبداية السبعينيات. كيف لا، وهي القادمة من مدينة الصويرة الضاربة في عمق التاريخ والألوان والأمواج والأوتار.

كانت تحلم أن تصبح مصممة أزياء، وكانت الدار البيضاء تتيح هذه المغامرة، وتمارس الإغراء بشدة على هذه الشابة المغربية اليهودية الديانة. كانت الخياطة والحياكة والصياغة فنا مغربيا يهوديا… كانت تحلم بالانتساب إلى معهد الفنون الجميلة بالعاصمة الاقتصادية لمغرب ما بعد الاستقلال.

لكن العائلة كانت بالمرصاد لأحلام الشابة “إيڤا” وعارضتها بشدة، فالأمر يعد انحرافا خطيرا بالنسبة لهذه العائلة الأورتودوكسية التي تتقن فنا آخر، التجارة.

كان والدي مولعا ب “الراديو”، وعاشقا لفريق “نهضة سطات” (النهيضة، كما يحلو له أن يسميها)، وكان يتابع أخبار الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي وكان يتعاطف مع الفلسطينيين. لكن “إيڤا” كانت مهمته الإنسانية التي لا يتأخر عن تأديتها.

بين إصرار”إيڤا” الكبير وتشدد العائلة، وقعت المأساة. مأساة تلخص عنفوان وأحلام جيل مغرب الاستقلال وتصلب “العائلة”… ستصاب الشابة بانهيار، جراء انكسار أحلامها، لينتهي الأمر بصدمة نفسية قادت “إيڤا” إلى الانعزال.

انطواء “إيڤا” سيقود إلى تدهور صحتها النفسية، وسيؤدي بها إلى الانعزال عن العالم بشقة صغيرة بسطح إحدى العمارات بوسط الدار البيضاء بزنقة تحمل، يا للمفارقة، اسم: زنقة العرعار. ستعود “إيڤا” إلى أصل التربة والرائحة التي ولدت فيها…

كنت وأنا طفل تستهويني مجلات الموضة والخياطة الفرنسية، المتناثرة بمنزلنا. لم أفهم سبب وجودها ولا سبب إصرار والدي على حملها الى المنزل، لم أفهم ذلك إلا بعد مرور سنوات.

وأنا طفل، كنت أستغرب، أيضا، وجود خبز غريب بمنزلنا. كان والدي يحمله، في عدة مناسبات، وكنت لا أجد له طعما ولا لذة. كنت فقط أعرف أنه يحمل اسم “الرقاق”.

سأفهم بعد سنوات أن الأمر يتعلق بالخبز الخاص بالاحتفال بعيد “بيصاح” اليهودي (خروج بني إسرائيل من مصر الفرعونية).

إقرأ أيضا: من الولايات المتحدة الأمريكية، عمر بوم يكتب: ميمونة: بين الاعتراف بالتراث اليهودي المغربي والتسخير السياسي المحلي والتسويق الثقافي العالمي

قهرني “الرقاق”، ولم أكن أفهم سبب إصرار “باعبد السلام” على حمله إلينا.

سأدرك، بعد ذلك، أن كل هذه الأشياء مصدرها السيدة “سوزان”، أخت “إيڤا”، التي كان والدي مساعدا لها في متجرها بوسط المدينة.

لكن…

سأكتشف، كذلك، أن لوالدي مهمة أخرى إضافية. مهمة التكلف بكل ما يتعلق ب “إيڤا”. فعندما ابتعدت”إيڤا”، أصبح الاتصال بها مستحيلا من طرف العائلة.

انعزلت فعليا وقاطعت كل ماله علاقة بالعائلة، بل هجرتهم فيما يشبه العقاب. وكان والدي هو الشخص الوحيد الذي سمحت له بزيارتها.

ظل”باعبد السلام” هو الرابط الوحيد بين العائلة والشابة الصويرية، والنافذة الوحيدة التي تطل منها هاته الأخيرة، على العالم.

عدت في الغد، فكانت المفاجأة أن “إيڤا” فتحت لي الباب، لكن المفاجأة ستتحول إلى صدمة وفزع…

رأيت امرأة خارجة للتو من كهف، امرأة هرمة ترتدي”دربالة” غزا الشيب شعرها المتدلي مع لحية وشارب أبيض خفيفين…

طيلة أربعة عقود، ظل يداوم على زيارتها ويتكلف بمصاريفها، التي تمده بها عائلتها. كانت ترفض أي شيء يأتي من العائلة، ترفضه بشدة وهي تلعن وتسب، إلا المصروف الشهري. لم تعد تسمح لإخوانها وأخواتها ولأي أحد بزيارتها ورؤيتها مند انعزالها أواخر الستينيات.

كانت القناة الوحيدة هي “با عبد السلام”، حتى قائد المقاطعة الحضرية لم يكن يجد من حل، عندما يشتد غضب جيران العمارة، إما بسبب صراخ “إيڤا” أو تسرب المياه، إلا الاستنجاد ب “با عبد السلام”

كان والدي مولعا ب “الراديو”، وعاشقا لفريق “نهضة سطات” (النهيضة، كما يحلو له أن يسميها)، وكان يتابع أخبار الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي وكان يتعاطف مع الفلسطينيين. لكن “إيڤا” كانت مهمته الإنسانية التي لا يتأخر عن تأديتها.

كانت مغربية صويرية، وكان هو أمازيغيا من دمنات التي احتضنت أكبر “ملاح” لليهود المغاربة ذات زمن…

لم يسبق لي أن تعرفت على “إيڤا” لكن… “إيڤا” كانت تعرفني… كانت تشتكي لوالدي مني مرارا. كانت تطلب منه أن أكف عن إزعاجها بدراجتي وتركها تنام، مع أني لم يسبق لي أن زرتها أو شاهدتها من قبل…

لكن كنت أعرف”سوزان”… جميلة شقراء فارعة القامة، عندما كانت تزورنا في”درب ميلان”، عندما يمرض الوالد أو يغضب منها وتأتي لمصالحته…

إقرأ أيضا: يهود الريف المغربي… حكاية وجود راسخ انتهت بـ”باتوا ولم يصبحوا!” 2/1

كيف لا أعرف”سوزان” وهي التي أهدتني دراجة “ميني” (كانت موضة آنذاك) عندما زرتها بمحلها التجاري بعد تفوقي في دراستي…

لم أعد إلى زيارتها، بعد تقاعد والدي، إلا بعد وفاته سنة 2001. كنت قد عثرت وأنا أفتش في متعلقات والدي على شيك باسمه صادر عنها. قصدت شقتها، وبعد أن أخبرتها بوفاة والدي، ناولتها الشيك. فأخبرتني أن الأمر يتعلق بالمصروف الشهري ل “إيڤا”.

بعد أن قدمت لي العزاء، أخدت ورقة وقلما وكتبت تعزية بالفرنسية وطلبت مني أن أقرأها وأترجمها لوالدتي. ثم شرعت في البكاء وهي تحمل الشيك بين يديها…

فهمت الأمر، وأخبرتها بدون تردد بأنني سأواصل مهمة والدي.

صرفت الشيك وقصدت عنوان “إيڤا”، حسبت الأمر سهلا. صعدت إلى سطح العمارة، قرعت الباب، ليأتي ردها قويا:

Qui est-ce ?

. أجبتها: أنا عمر ابن عبد السلام. فردت بقوة أكثر:

Va-t’en! et appelle Abdessalame…

أجبتها: مات عبد السلام وأنا ابنه عمر افتحي الباب، أريد أن أسلمك النقود… شرعت في الصراخ أكثر بشكل مرعب وهي تردد: “لا أريد إلا عبد السلام…”

استمرت زياراتي ل”إيڤا”، إلى أن تلقيت اتصالا هاتفيا، ذات صباح، من “سوزان” لتخبرني أن “إيڤا” ماتت… وجدوها ملقاة على الأرض وهي عارية…

“إيڤا” التي عشقت الأثواب ورائحة الكتان والصقلي، انتهت عارية. وهي تفارق الحياة تخلصت من هذا “الكفن” الذي ربطت أحلامها به واعتزلت من أجله العالم… وعاقبت نفسها وعائلتها حبا فيه…

غادرت المكان فزعا، وأنا أفكر كيف لي يا رب أن أنهض بهذا الحمل. هاتفت”سوزان” وأخبرتها بما جرى وبأنني سأكرر المحاولة في اليوم الموالي. فقالت لي: كنت أعرف أنها لن تفتح لك الباب…

عدت في الغد، فكانت المفاجأة أنها فتحت لي الباب. لكن المفاجأة ستتحول إلى صدمة وفزع، حتى أنني لم أعرف، لحد اليوم، كيف تراجعت خطوتين إلى الوراء بسرعة. وكأن ريحا أو تيارا كهربائيا رماني إلى الخلف…

رأيت امرأة خارجة للتو من كهف، امرأة هرمة ترتدي”دربالة” غزا الشيب شعرها المتدلي مع لحية وشارب أبيض خفيفين…

لا أنكر، شرع قلبي في الخفقان ولم أعرف كيف تقدمت نحو الباب وقلت لها: أنا عمر، ابن عبد السلام وناولتها النقود. قالت لي: شكرا، فغادرت مسرعا حتى بدون أن أسألها إن كانت تريد طعاما…

إقرأ أيضا: أحمد الخمسي يكتب ـ حزن الظن: باب الجياف… باب اليهود!

كيف لهذه الـ “إيڤا”… الشابة الصويرية الجميلة التي كانت تحلم بتصميم وخياطة أحلى وأزهى الملابس أن تتحول إلى ما يشبه شخصيات “هاري بوتر”…؟

ما هذه اللعنة والقسوة التي تحول أحلاما برائحة الكتان والعرعار إلى شبح يرتدي”دربالة”…؟

القسوة والعنف اللذين شاهدتهما أمامي، قررت أن أحملهما إلى”سوزان” وألقنها درسا لن تنساه.

كنت غاضبا مما رأيت، لكن”سوزان” ستروي لي مأساتها مع “إيڤا” وكيف ألقت بثقل صدمتها عليها، لذنب اقترفه الوالدان.

ستحكي، وهي تبكي، كيف حاولت طيلة عقود، أن تخرج أختها من عزلتها، ولم تجد إلا الصد والشتائم… وكيف هاجر الإخوة والأخوات وتركوها وحيدة تتابع مصير “إيڤا”…

عاقبت”إيڤا” الجميع بدون استثناء وأخرجتهم من حياتها، إلا با عبد السلام. ظل نافدتها الوحيدة، لأرث بعده هذه المهمة…

بعد شهر عادت “سوزان” إلى المغرب وقالت لي: لم أتحمل أن أعيش خارج المغرب…

أنا ابنة هذا البلد ولا أتصور نفسي منفية وحيدة في شقة باردة… لا أتصور نفسي كل صباح بدون أن أعرج على البقال أو الجزار وأنا أتسوق و”مْجمعة”… خلاصْ عليّ أنا ولفتْ الجوقة والصداع والصهد. أنا موغرابية…

واظبت على زيارة”إيڤا” واستأنست بي، حتى أنها سألتني مرة عن أحوال”داڤيد”، أخوها الذي كانت تحبه… لكنها كانت، بين الفينة والأخرى تسألني عن عبد السلام…

حكت لي”سوزان” ذات يوم أن”داڤيد” أصبح ديبلوماسيا بإحدى سفارات إسرائيل… طلبت منها أن تستدعيني لبيتها عند زيارته للمغرب: كنت أريد أن أقول له جملة واحدة: عندما أنتقد إسرائيل وأقول لك إنها تجرم في حق الإنسانية وهي تقتل وتجوع أطفالا فلسطينيين عزل، هل ستتهمني بمعادة السامية!؟… لم يقع هذا اللقاء.

اكتشفت أن”إيڤا” لم تتخل عن أناقتها في الذوق، ظلت مدمنة على Le Figaro ولا تشرب إلا ماء EVIAN وتطلب دائم Les endives   ومختلف أنواع الجبن…

المغربي يحمل معه جينات خاصة تلاحقه أينما حل، كما قال لي ذات يوم الراحل “شمعون ليڤي”…

عندما وقعت أحداث 16 ماي، هاتفت”سوزان” للاطمئنان عليها. لم تكن على علم بالتفجيرات. أخبرتها بتفجير النادي اليهودي، فأجابتني أنها لا ترتاده وأنها لا تذهب حتى إلى “الكنيس”.

إقرأ لنفس الكاتب: حقيقة تكشف لأول مرة. اغتيال عمر بنجلون…هكذا “غيرت” هيئة الإنصاف والمصالحة تقريرا أعدته حول القضية

مرت أسابيع، فأخبرتني أن عائلتها ضغطت عليها وطلبت منها مغادرة المغرب خوفا على سلامتها… وطلبت مني رعاية “إيڤا”.

بعد شهر عادت إلى المغرب وقالت لي: لم أتحمل أن أعيش خارج المغرب…

أنا ابنة هذا البلد ولا أتصور نفسي منفية وحيدة في شقة باردة… لا أتصور نفسي كل صباح بدون أن أعرج على البقال أو الجزار وأنا أتسوق و”مْجمعة”… خلاصْ عليّ أنا ولفتْ الجوقة والصداع والصهد. أنا موغرابية…

استمرت زياراتي ل”إيڤا”، إلى أن تلقيت اتصالا هاتفيا، ذات صباح، من “سوزان” لتخبرني أن “إيڤا” ماتت… وجدوها ملقاة على الأرض وهي عارية…

“إيڤا” التي عشقت الأثواب ورائحة الكتان والصقلي، انتهت عارية. وهي تفارق الحياة، تخلصت من هذا “الكفن” الذي ربطت أحلامها به واعتزلت من أجله العالم… وعاقبت نفسها وعائلتها حبا فيه…

 عندما وقعت أحداث 16 ماي، هاتفت”سوزان” للاطمئنان عليها. لم تكن على علم بالتفجيرات. أخبرتها بتفجير النادي اليهودي، فأجابتني أنها لا ترتاده وأنها لا تذهب حتى إلى “الكنيس”.

آلمني مصيرها، وآلمتني نهايتها. ولم أجد تفسيرا لكل هذا العنف الذي تعرضت له… كيف للدين أو المعتقد أو العرف الاجتماعي أو “العائلة” أن يرهن ويدمر أحلام وحياة إنسان؟

ذات يوم، سنة 2008، وأنا أدخل مكتب”شمعون ليڤي” بالمتحف اليهودي بحي الوازيس، وكنت مواظبا على زيارته، أخبرني أن حافلة تقل عشرات اليهود المغاربة غادرت للتو المتحف.

قال لي إنهم جاؤوا من مختلف بلدان أمريكا اللاتينية، ليفاجئني: هل تدري أين هم ذاهبون؟

ليجيب: لزيارة ضريح أحد الأولياء اليهود بنواحي ورزازات.

سألته ساخرا: واش ماعندهم شغل من البيرو وغواتيمالا والهندوراس والأرجنتين حتى لوارزازات على قبل زيارة ضريح؟!

أجاب ضاحكا: إيوا آسيدي، هادو هما لمغاربة، بحال مسلمينهم بحال يهودهم…

فهمت أن مأساة “إيڤا” يمكن أن تقع، أيضا، وربما وقعت، لعايشة أو الزوهرة…

فعلا، إنهم “المغاربة”… الله يرزق غير الصحة والسلامة…

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *