×
×

بوسبير: استغلال جنسي، فصل عنصري… وخلايا مقاومة وطنية 3/3

عملت في درب بوسبير حوالي 900 عاملة جنس، شكلت اليهوديات حوالي 5% منهن …
بلغ معدل سن العاملات 21 سنة، كن تشتغلن بمعدل 12 الى 14 ساعة يوميا، ولم يكن وجودهن في الحي برضاهن، إذ أن 37% من العاملات تم استقدامهن إلى الدرب إثر القبض عليهن بتهمة ممارسة الدعارة.
تلك بعض أسرار حي بوسبير، قبل أن تعمد سلطات الاستعمار إلى إغلاقه في 16 أبريل 1955 وطرد النساء اللواتي شكت في ارتباطهن بحركة المقاومة، واللواتي بلغ عددهن 675 امرأة، كما أغلقت منازل الدعارة.

يوسف المساتي:
طالب باحث في علوم الآثار والتراث

تابعنا في الجزء الأول من هذا الملف، حكاية بدايات درب بوسبير كحي للجنس، وكيف تم نقله من المدينة القديمة إلى حي الحبوس. وقفنا عند سؤال تقنين الجنس الذي طرح على السلطات الاستعمارية، وعلى أصول تسمية درب بوسبير، ومختلف مراحل بناء الحي.

في الجزء الثاني من هذا الملف، تابعنا حكاية درب بوسبير، من خلال الوقوف على طريقة تصميمه وأهم مميزات بنائه.

نتابع في هذا الجزء الثالث والأخير، النبش في حكايا بوسبير، من خلال اقتفاء أثر تجارة الجنس به، وكيفية تسييرها، ووصولا إلى لحظة ظهور خلايا مقاومة وطنية به.

بوسبير: واجهة سياحية، ميز عنصري واستغلال جنسي

كان حي بوسبير يعرف توافد أكثر من 1500 زائر يوميا، منهم طالبو المتعة ومنهم سياح عاديون. كان بإمكان السياح الدخول للدرب والتجول في الشوارع وعلى الشرفات، والاستماع للموسيقى الشرقية، وحضور حفلات الرقص الشرقي وحفلات التعري وعروض بورنوغرافية وتذوق الطبخ المغربي، وشراء المنتجات اليدوية والبطاقات البريدية.

هذا الرواج جعل حي بوسبير يستغل أيضا في الترويج السياحي، حيث ورد في خمس دلائل سياحية بين سنتي 1934 و1955 هي:

–       Casablanca et sa région: syndicat d’initiative régional ; 1934

         Guide du Maroc : Editions Maroc Presse ; 1936

         Guide Michelin : 1939 ; 1950

         Le Maroc : Havas marocaine : 1952

كما صدرت مئات الطوابع البريدية التي روجت للدرب. كان السياح يأتون في حافلات مرفوقين بمرشد سياحي، كما كان بعضهم يأتي بشكل فردي أو ثنائي.

عملت في درب بوسبير حوالي 900 عاملة جنس، شكلت اليهوديات حوالي 5% منهن، فيما كان هناك منزل أوروبي واحد. بلغ معدل سن العاملات 21 سنة، كن تشتغلن بمعدل 12 الى 14 ساعة يوميا، ولم يكن وجودهن في الحي برضاهن، إذ أن 37% من العاملات تم استقدامهن إلى الدرب إثر القبض عليهن بتهمة ممارسة الدعارة.

لهذا الغرض، فقد تضمن عددا من المحلات والمنشآت تظهر حجم الرواج الاقتصادي الذي كان فيه. بحسب إحصائيات سنة 1935، فقد تضمن بوسبير:

      مكتبا للتبغ

    2 محلات حلاقة للرجال

     4 محلات حلاقة للنساء

    4 محلات لبيع الخضر والفواكه

     1 محل لبيع الفحم الحجري

إقرأ أيضا: تزويج القاصرات: حين يشرعن القانون الرق… والاتجار بالبشر!

     16 بائعا للأكلات الجاهزة في مقدمتها “الببوش” (الحلزون بالطريقة المغربية)

     6 مطاعم

     7 محلات لبيع الألبسة

     8 مقاهي

     مخفر للشرطة

     ثكنة عسكرية

     سجن

     عيادة طبية

    صالون للتصوير الفوتوغرافي

    سينما

     حمام

     كباريهات (كانت تقدم عروضا لرقص التعري والرقص الشرقي)

     مطاعم

     عدد من المحلات التجارية المتنوعة

     قاعة لرقص العري

     ملهى لفنون الرقص

     عدد من الباعة المتجولين.

كانت السياحة مصدر دخل أساسي للحي ومعه لسلطات الإقامة؛ لكنه سيصبح مصدر إزعاج، لأنه سيكشف عن خبايا الحي، وعن وجهه البشع، وهو ما دفع الطبيبان ماثيو وموري إلى إصدار تقرير شهير سيعجل إضافة إلى عوامل أخرى… بإغلاق الحي.

استغلال جنسي … فصل عنصري… وخلايا مقاومة وطنية

عملت في درب بوسبير حوالي 900 عاملة جنس، شكلت اليهوديات حوالي 5% منهن، فيما كان هناك منزل أوروبي واحد. بلغ معدل سن العاملات 21 سنة، كن تشتغلن بمعدل 12 الى 14 ساعة يوميا، ولم يكن وجودهن في الحي برضاهن، إذ أن 37% من العاملات تم استقدامهن إلى الدرب إثر القبض عليهن بتهمة ممارسة الدعارة.

عرف الحي فصلا عرقيا، إذ كان يفرض فيه على المسلمات تقديم “خدماتهن” للمسلمين واليهود والأوروبيين، في حين كانت خدمات اليهوديات الجنسية تقدم للأوروبيين واليهود فقط. أما الأوروبيات، فكن يقدمن خدماتهن للأوروبيين فقط.

كانت قوانين السلطة الفرنسية تنص على إيداع المتهمات بممارسة الدعارة السرية في الحي، تحت إشراف الوسيطة الي تعرف أيضا بالباطرونة أو المدام، حيث تتعرضن لاستغلال جنسي حقيقي تحرمن فيه من مغادرة أسوار الدرب إلا يوما واحد في الأسبوع وفي ظروف مشددة، فيما تتقاضين مقابلا بسيطا عن خدماتهن، الذي تستفيد منه السيدات (الباطرونات) أساسا.

حسب دراسة ماثيو، فقد كانت أغلبية العاملات من خارج الدارالبيضاء، وقد أحصى سنة 1951:

–     312 من مراكش

–     84 من الرباط

–     47 من فاس

–     37 من أكادير

–     36 من مكناس

–     15 من وجدة

–     9 من الجزائر

–     6 من طنجة

–     2 من المنطقة الخليفية (منطقة النفوذ الاستعماري الإسباني)

–     8 فرنسيات (بالمنزل الأوروبي)

عرف الحي فصلا عرقيا، إذ كان يفرض فيه على المسلمات تقديم “خدماتهن” للمسلمين واليهود والأوروبيين، في حين كانت خدمات اليهوديات الجنسية تقدم للأوروبيين واليهود فقط. أما الأوروبيات، فكن يقدمن خدماتهن للأوروبيين فقط.

إقرأ أيضا: #ألف_حكاية_وحكاية: الشيخ “لـ” والحريم: دعارة حلال؟

الفصل العرقي والديني تجاوز مستوى تقديم الخدمات، إذ حتى على مستوى الأمكنة، كانت العاملات تقمن بفحص دوري كل صباح في المستوصف الموجود بالحي. لكن سلطات الحماية اعتبرت أنه من غير اللائق لعاملات الجنس الأوروبيات أن تجتمعن بالمغربيات، فتم إحداث مدخلين منفصلين مع باب مباشر للخارج واحد لعاملات الجنس المحليات والآخر للأوروبيات.

شكل ظهور خلايا للمقاومة داخل الحي هزة قوية لسلطات الحماية، فقامت في 16 أبريل 1955 بطرد النساء التي شكت في ارتباطهن بحركة المقاومة، واللواتي بلغ عددهن 675 امرأة، كما أغلقت منازل الدعارة.

كان تنظيم الحي كمدينة مستقلة، ولكن تسييره كان أقرب للسجن، ما جعل الانتقادات تتجه إليه خاصة مع دراسة الطبيبين ماثيو وموري، حيث ذهب بعض الباحثين إلى اعتباره سجنا للجنس حيث “تجتمع فيه أصناف الخطيئة”.

ابتداء من سنة 1953، بدأ التراجع في الدرب، إلى أن تم إغلاقه سنة 1955، وهو الامر الذي ساهمت فيه 3 عوامل أساسية:

o       الانتقادات الموجهة للدرب باعتباره حاطا من الكرامة الإنسانية، وباعتبار أن ظروف المشتغلات فيه كانت أقرب للنخاسة منها للعمل.

o       فشل سلطات الحماية في محاصرة الدعارة السرية التي تنامت، حيث إن عاملات الجنس بالدرب لم يشكلن سوى 15% من مجموع عاملات الجنس بالدارالبيضاء.

o       ظهور خلايا للمقاومة داخل الحي، حيث تمكن عدد من رجال الحركة الوطنية من تجنيد عدد من عاملات الجنس داخل الحي، وهو المعطى الذي لازالت تنقله الروايات الشفوية على احتشام.

شكل العامل الأخير هزة قوية لسلطات الحماية، التي قامت في 16 أبريل 1955 بطرد النساء التي شكت في ارتباطهن بحركة المقاومة، واللواتي بلغ عددهن 675 امرأة، كما أغلقت منازل الدعارة.

بعد الاستقلال، تحول بوسبير إلى ثكنة عسكرية للقوات المساعدة، كما استعمل لسكن العائدين من حرب الهند-الصينية، فيما تم تغيير أسماء الشوارع لتصبح حاملة لأسماء الزهور.

رغم كل محاولات الطمس والتناسي، يظل بوسبير شاهدا على مرحلة لم تأخذ حقها من الدراسة والتمحيص بعد.

ملحوظة: اعتمدنا في إنجاز هذا الملف على عدد من المصادر التاريخية والأكاديمية، والتي تم تقديمها بالتفصيل في الجزء الأول.

لقراءة الجزء الأول: درب بوسبير: البدايات الأولى… تقنين الجنس وأصول التسمية 1/3

لقراءة الجزء الثاني:  حكاية درب بوسبير: المعمار، التصميم … كيف صار بوسبير نموذجا متفردا لعمارة الأحياء الجنسية 2/3

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *