×
×

درب بوسبير: البدايات الأولى… تقنين الجنس وأصول التسمية 1/3

بعد 95 سنة من تشييده، و15 سنة من اعتباره تراثا وطنيا، تعيد مرايانا، من خلال ملف في 3 أجزاء، النبش في تاريخ حي “بوسبير”.
سنة 1921 سيتم بناء “درب” يجمع عاملات الجنس…
درب بوسبير الأصلي الذي كان يقع في المدينة القديمة بجنوبها الشرقي في اتجاه منارة العنق خلف باب مراكش، وكان يعرف أيضا بالحي الأحمر… سيتقرر سنة 1921 تحويله قرب حي الحبوس، لتنتهي أشغال بنائه سنة 1923… وليتم تحويل بوبسير القديم صوبه، وبداية نشاطه مع حلول سنة 1924.

يوسف المساتي:
طالب باحث في علوم الآثار والتراث

“بوسبير”، اسم لازال حيا في ذاكرة البيضاويين ومعه المغاربة بأكملهم.

رغم كل محاولات طمسه من الذاكرة، يظل “بوسبير” شاهدا على جزء من تاريخ المغرب المسكوت عنه. كلما اعتقدت الذاكرة الجمعية أنها تجاوزته، وأن الأجيال الحالية قد نسيته، إلا وعاد الحديث عنه.

هكذا، ومع مطلع الألفية الجديدة، عاد صدى هذا الاسم يتردد بقوة، إثر انتشار كتاب كريستيان تارود عن الدعارة الاستعمارية في شمال افريقيا سنة 2003، وهي نفس السنة التي صدرت فيها دراسة الطبيبين ماثيو وموري عن حي بوسبير، مع مقدمة لعبد المجيد عارف.

الصورة 01

بعد 80 سنة من تشييده، (الصورة 01) وبموجب قرار لوزير الثقافة رقم 540.04 الصادر في 17 مارس والمنشور بالجريدة الرسمية عدد 5209 بتاريخ 03 ماي 2004، جرى اعتبار حي بوسبير تراثا وطنيا. إلا أنه، ورغم ذلك، ورغم إجماع المهتمين أنه يشكل تفردا لا من حيث التاريخ فقط ولكن من حيث العمارة، ورغم القوانين الزجرية التي يفترض فيها حماية التراث الوطني، إلا أن هذا الحي اليوم يحتضر في صمت (الصور من 02 إلى 05)، فيصبح بين مطرقة تاريخ موصوم وسندان تهميش متعمد.

الصورة 02

اليوم، بعد 95 سنة من تشييده، و15 سنة من اعتباره تراثا وطنيا، تعيد مرايانا النبش في تاريخ هذا الحي، وهو نبش لم يكن سهلا، في ظل الطمس الموجود، إذ تكاد تنعدم الكتابات -خاصة العربية- بينما الموجودة منها، تشكل اجترارا لبعضها.

 

الصورة 03

يظل المصدران الرئيسيان عن بوسبير، هما تقرير كتبه إداري فرنسي، اسمه “بونس بنارد” سنة 1931، وتقرير لطبيبين فرنسيين، ماثيو وموري سنة 1951، والذي أحدث ضجة في إبانه. إضافة لهذين المصدرين، فقد كان علينا مراجعة عدد من الدراسات من بينها:

–         BOSC Jean; le quartier réserve Bousbir à Casablanca.

–         STAZAK, J-F; Tourisme et prostitution coloniale : la visite de Bousbir à Casablanca (1924-1955).

–         TARAUD Christelle; La prostituée indigène à l’époque coloniale.

–         J.–‐F. Staszak, 2014, Planning Prostitution In Colonial Morocco: Bousbir, The Quartier Réservé Of Casablanca.

–         LABOUDI Fouad, MEHSSANI Jamal, RAGOUG Allal; SYPHILIS, in COLONIAL MOROCCO. THE CASE OF BOUSBIR.

الصورة 04
الصورة 05

إضافة لعشرات المقالات المتناثرة، ومقابلات شفوية مع سكان الحي، ومع باحثين في التاريخ، في سعينا لتركيب الصورة من جديد، وتقديمها في سياقها، في سيرورتها، وفي صيرورتها، بعيدا عن أحكام القيمة وعن الصورة النمطية، قريبا من الحقيقة التاريخية، على نسبيتها.

 

 

البدايات الأولى: تقنين الجنس والأسباب الصحية

الصورة 06

بعد معاهدة الحماية، سيزيد التوافد الأوروبي والفرنسي بالخصوص على المدن المغربية، وفي مقدمتها الدارالبيضاء؛ وهو توافد لم يكن ليحدث دون أن يترك آثارا عدة على مختلف البنى والأنساق، خاصة على المستوى الاجتماعي. في تلك الفترة تنامى الطلب على عاملات الجنس، حيث كان الطلب الأوروبي على الخدمات الجنسية متزايدا، وهو ما نظرت إليه الإقامة العامة بغير عين الرضا، إذ كان يعتبر شرا لابد منه… الجنس إجابة على حاجياتهم البيولوجية، لكنه أيضا سبب انتقال الأمراض التناسلية والاضطرابات الاجتماعية!

الصورة 07

في هذا السياق، قامت سلطات الاستعمار الفرنسي، مدفوعة بالهاجس الصحي، بالشروع في تقنين مهنة الجنس (الصور من 06 إلى-08)، انطلاقا من سنة 1914. بمراجعة مشاريع القوانين، فإن الهاجس الصحي كان يبدو حاضرا بقوة في هذه القوانين.

هكذا، تأسست عدة أحياء بعدد من المدن المغربية كدرب مولاي عبد الله بفاس، وأحياء أخرى بعدد من المدن الأخرى على شاكلة les quartiers reserves التي عرفت بأوروبا وبالمستعمرات الأوروبية في العالم، وكانت المنازل في هذه الأحياء مصممة على الطراز الأوروبي.

الصورة 08

في نفس الآن، تنامت الدعارة السرية، والتي كانت تمارسها مغربيات مع زبائن مغاربة وأجانب، مما جعل السلطات الفرنسية تتشدد في محاربتها. هذه الحملات بلغت اوجهها في مدينة الدارالبيضاء بسبب النمو المطرد الذي عرفته، إذ وصل عدد السكان سنة 1920 إلى 100000 نسمة منهم 40000 أوروبي.

شكل هذا التنامي المتزايد تهديدا لسلطات الحماية. لذا، سيقرر المجلس الأعلى للصحة سنة 1921 اتخاذ تدابير لمواجهة انتشار الامراض الجنسية، ببناء “درب” يجمع عاملات الجنس.

 

البناء وأصول الاسم

كان حي بوسبير الأصلي يقع في المدينة القديمة بجنوبها الشرقي في اتجاه منارة العنق خلف باب مراكش، وكان يعرف الحي أيضا في ذلك الوقت بالحي الأحمر، فيما ترجع تسمية

الصورة 09

بوسبير إلى اسم مالك الأرض «prosper ferrieu ». الأخير ولد في الدارالبيضاء سنة 1866، قبل أن يشتغل كمسؤول بالقنصلية الفرنسية بالدارالبيضاء، ثم أصبح نائب قنصل اليونان، وأخيراً مستشارا للتجارة الخارجية الفرنسية، وامتلك الأرض التي أقيم عليها بوسبير الأصلي منذ سنة 1908.

لم يكن بوسبير مخصصا بالكامل لمهن الجنس، لذا، كان الأهالي يلجؤون إلى وضع طلاء معين على باب الدور المخصصة للدعارة، فجرى التفكير في نقل الحي إلى مكان آخر.

 

الصورة 10

أسندت سلطات الحماية بالدارالبيضاء وضع تصميم الحي للمهندسين المعماريين إدموند بريون (الصورة 09) وأوجست كادي (الصورة 10)، وهما اللذان سبق لهما الإشراف على عدة تصاميم حضرية لعدد من المدن المغربية.

أنشئ درب بوسبير على شاكلة مستطيل كبير مساحته 24000 متر مربع (160 مرة 150 متر مربع) قرب حي الحبوس، يحده كل من درب البلدية ودرب اليهودي ودرب الكرلوطي (الصورة 11)، واختير موقعه ليضمن تحكما وفعالية في المراقبة والتحكم.

الصورة 11

تم توقيع اتفاقية بنائه في 22 غشت 1921، وأسندت مسؤولية الإشراف على الحي إلى شركة la cressonière، وهي شركة خاصة أنشئت لإدارة الحي كان مكتبها يوجد وسطه، ولكنها لم تكن مكلفة بإدارة منازل الدعارة.

هذه الشركة ستحظى بامتياز ملكية جزء من الأرض لمدة 75 سنة، والجزء الآخر لمدة 90 سنة، وكانت تتقاضى 30 سنتا لكل متر مربع من الأراضي المبنية، مقابل التزامها ببناء الشوارع والمجاري.

وقد انتهت الأشغال منه سنة 1923 ليتم تحويل بوبسير القديم صوبه، وبداية نشاطه مع حلول سنة 1924.

 

لقراءة الجزء الثاني: حكاية درب بوسبير: المعمار، التصميم … كيف صار بوسبير نموذجا متفردا لعمارة الأحياء الجنسية 2/3

لقراءة الجزء الثالث: بوسبير: استغلال جنسي، فصل عنصري… وخلايا مقاومة وطنية 3/3

تعليقات

  1. Typrp

    Merci

  2. Med r

    موضوع شيق جزء من تاريخ الاجتماعي الواقعي الا ان ملاحظتي تهم دفتر المنشور من طرفكم كون هذا الاخير يخص مدينة العراءش و التي كانت تحت وطءة الحماية الاسبانية اي المنطقة الخليفية بيد ان مضوعكم ينصب حول الدعارة بمدينة كانت خاضعة للحماية الفرنسية و للامانة العلمية المرجو التمحص قبل النشر و الادلاء بالمراجع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *