×
×

من مصر، سارة أحمد فؤاد تكتب: المرأة الناشطة… جسد مستباح 2\2

سارة أحمد فؤاد

مُتابعةً للجزء الأول من الملف، حيث تطرقنا لبعض أشكال المعاناة التي تتعرض لها الناشطات السعوديات في السجون وتناقضها مع خطاب التحديث الذي تقدمه المملكة السعودية، رسميا؛ نتابع، في هذا الجزء الثاني، قراءة وتحليل ما تتعرض له الناشطات السعوديات في سجون المملكة، وما يترجمه هذا الواقع من تصور للمرأة… وللمواطن\الرعية عموما.

تذكر الكثير من تقارير المنظمات الدولية عن دول الشرق الأوسط تعرض النشطاء السياسيين للتعذيب أثناء عمليات الإستجواب.

ويعد استخدام التحرش الجنسي أو التهديد بالإغتصاب، من الوسائل المنهجية التي تُمارس بحق الناشطات على وجه الخصوص. يتم استخدام العنف القائم على أساس النوع الاجتماعي بشكل واسع في الحروب والنزاعات، كما ظهر بشكل واسع في سياقات الدول في مرحلة الانتقال الديموقراطي وفي دول ما سمي بالربيع العربي.

هل هي عضو فاعل في المجتمع فلا يجوز الانتقاص من حقوقه، أم هي مورد اقتصادي مثل البترول والغاز الطبيعي، يجب أن توضع تحت إمرة الطبقة الحاكمة تتحكم فيها كما تشاء، تتعامل معها أو تهبها لمن تشاء؟

ففي مصر على سبيل المثال، تم استخدام التحرش الجنسي بالناشطات السياسيات كأداة للترهيب أثناء فعالية لرفض التعديلات الدستورية في مايو\أيار 2005، أمام نقابة الصحافيين في مصر، حيث تم استهداف المتظاهرات والصحفيات بمجموعة من مؤيدي الرئيس المصري السابق (حسني مبارك)، وذلك بتمزيق ملابسهن والاعتداء عليهن جنسياً فيما عرف بواقعة “الأربعاء الأسود”.

تكرر استخدام العنف الجنسي تجاه الناشطات والمتظاهرات في مصر خلال الفعاليات الثورية في الفترة من 2011 حتى 2014 كوسيلة لترهيب الناشطات للإحجام عن المشاركة السياسية وترك المجال العام الذي شهد تواجداً مكثفاً للمرأة منذ يناير\كانون الثاني 2011.

اقرأ أيضا: على غرار رهف… سعوديتان تفران من عائلتهما بسبب نظام الولاية وتطالبان باللجوء!

تميل أجهزة الدول القمعية ودعايتها لتشويه سمعة الناشطات السياسيات، أو وصفن بأوصاف مشينة لتبرير ما سيتم استخدامه معهن لاحقاً من عنف بوجه عام، وعنف جنسي بشكل خاص، ولإرهاب كل من تفكر في الإنضمام لقافلة التغيير أو تسول لها نفسها التعبير عن رأيها. مازلت أذكر الكلمة التي سمعتها من أحد المدربين خلال دورة تدريب عن المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان في 2006، حينما ذكر أن رجال الأمن يتعاملون مع كل من تقرر النزول للشارع والتعبير عن رأيها بأنها (امرأة ساقطة) !!!!

وبما أن النظم القمعية تتشابه، وتتبادل الخواطر بشكل مثير للإعجاب، فربما قرر المحقق رفيع المستوي التعامل مع المعتقلات السعوديات على أنهن (نساء ساقطات) ومستباحات، وبالتالي فبعض الإسراف في ممارسة السُلطة لن يضر ولن يحاسب عليه. فهل يجوز، مثلا، الإدعاء بتعرض ساقطة للتحرش أو للإغتصاب؟

عندما ندعم الناشطات السعوديات سواء في المطالبة بالحرية لهن أو وجود ضمانات للمحاكمة العادلة، وعندما نفضح الممارسات التي يتعرضن لها، ونضع ممارسيها على خشبة المسرح لتسليط الضوء عليهم ولتجريمهم، فنحن أولاً وأخيراً نحاول تقليل عدد الجثث الممزقة المحتملة!

بيد أن المسؤول البارز والمحققين غاب عن ذهنهم أنه حتى عاملة الجنس (التي يطلقون عليها لقب “ساقطة”) لها الحق في سلامة الجسد، وأن كون سيدة اختارت ممارسة الجنس مقابل المال، لا يبرر لأي إنسان الحق في إجبارها على ممارسة دون رضاها أو التعرض لها بأي شكل من أشكال العنف القائم علي الجنس.

لكن، يبدو أن هذه الفرضية معقدة بعض الشئ وستعصى على فهم شخص يحقق مع سيدة لأنها قادت سيارتها أو تحدثت مع مراسل لصحيفة أجنبية!

أجساد النساء كأحد موارد الدولة:

القواعد التي تفرضها الدول “المحافظة” على النساء تضرب بمبدأ المواطنة عرض الحائط. التعامل مع المرأة بقواعد منفصلة عن القواعد التي تتعامل بها نفس الدولة مع الرجل، يجعلنا نطرح أسئلة كثيرة حول رؤية الدولة للمرأة: هل هي عضو فاعل في المجتمع فلا يجوز الانتقاص من حقوقه، أم هي مورد اقتصادي مثل البترول والغاز الطبيعي، يجب أن توضع تحت إمرة الطبقة الحاكمة تتحكم فيها كما تشاء، تتعامل معها أو تهبها لمن تشاء؟

اقرأ أيضا: بسبب مقالاته وروايته “جمهورية كأن”… نظام “السيسي” يلاحق الكاتب المصري علاء الأسواني قضائيا

الدولة في أحد تعريفاتها هي الجهة التي تحتكر التحكم في الموارد الإقتصادية، وفي حالة المملكة السعودية، الدولة / الأسرة الحاكمة هي الجهة التي تحتكر التحكم في موارد الدولة، سواء من خلال أفراد الأسرة الذين يتقاسمون الموارد حفاظاً على توازن القوي داخل العائلة، أو الأفراد المعاونين للأسرة الحاكمة الذين يعيشون على هبات ونفوذ الأسرة.

مازلت أذكر الكلمة التي سمعتها من أحد المدربين خلال دورة تدريب عن المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان في 2006، حينما ذكر أن رجال الأمن يتعاملون مع كل من تقرر النزول للشارع والتعبير عن رأيها بأنها (امرأة ساقطة) !!!!

لعل المسؤول السعودي رفيع المستوي سابقاً، والمقرب من ولي العهد، تعامل مع لجين وعزيزة وإيمان ونوف وغيرهن كما تتعامل الدولة مع مواردها، تهبها لمن تشاء، تستخدمها أو تبيعها لآخرين، ولعل الثقة التي تحدث بها المسؤول البارز حينما هدد لجين بالاغتصاب والقتل وتقطيع الجسد، ماهي إلا أسلوب تفكير وطريقة حياة ورؤية متكاملة للتعامل مع المواطنين أو الرعايا، أو موارد الدولة… فأنت لست مواطنا تتمتع بالأهلية القانونية أو الحقوق المكفولة في دستور ما أو معاهدات دولية واجبة الإحترام، بل أنت مورد للدولة يحق لها استغلاله كما تشاء وتطويعه بالطريقة التي تترائى للمسؤول، غير الخاضع لأي شكل من أشكال المحاسبة.

جثث ممزقة.. محتملة!

عندما ندعم الناشطات السعوديات سواء في المطالبة بالحرية لهن أو وجود ضمانات للمحاكمة العادلة، وعندما نفضح الممارسات التي يتعرضن لها، ونضع ممارسيها على خشبة المسرح لتسليط الضوء عليهم ولتجريمهم، فنحن أولاً وأخيراً نحاول تقليل عدد الجثث الممزقة المحتملة!

اقرأ أيضا: من مصر، محمد حميدة يكتب: إنهم يأكلون النساء يا رسول الله

أعرف شخصاً وقف بكل ثقة ليهدد سيدة بالاغتصاب والقتل والإخفاء، فقط كي يعرف العالم اسمه ويطالب بمحاكمته محاكمة علنية بتهمة المشاركة في قتل وتمزيق صحافي يدعى جمال خاشقجي. قد يبدو للبعض أن تكلفة القتل وإخفاء الجثث أرخص من إعطاء الوقت الكافي لبضعة أشخاص كي يعرضوا وجهات نظرهم عن الأعمال التي ضايقت المملكة، والتي يراها المحققون والقضاة والمسؤولون فعل خيانة أو تخابر أو كسرا للقواعد.

لعل المسؤول السعودي رفيع المستوي سابقاً، والمقرب من ولي العهد، تعامل مع لجين وعزيزة وإيمان ونوف وغيرهن كما تتعامل الدولة مع مواردها، تهبها لمن تشاء، تستخدمها أو تبيعها لآخرين

الاستمرار في تطبيق مبدأ “الجثث الممزقة”، يعني أن عدداً أكبر من الأفراد سيشعرون بالخوف على أنفسهم كونهم جثثا ممزقة محتملة، وسيعني أن كرة الثلج ستكبر حتى تستوعب آخرين تحت شعار: معاً ضد مصير مظلم محتمل.

لم يكن أحد يسمع عن المستشار السابق في الديوان الملكي سعود القحطاني قبل واقعة مقتل الصحافي جمال خاشقجي، وقبل واقعة سجن السيدة لجين الهذلول. أسماء مرتكبي الجرائم والانتهاكات أصبحت غير قابلة للإخفاء، خاصة لمن يرغب في التوجه للعالم وتحسين صورته وتقديم نفسه كملاك للحداثة يرتدي الزي التقليدي السعودي.

المعادلة بسيطة… أطلقوا سراح السيدات والسادة المعتقلين، أو وفروا لهم ضمانات المحاكمة العادلة واقنعوا العالم بأنهم يستحقون الاتهام. عند ذلك، سنصمت، وسنبحث عن موضوعات أخرى لنتحدث عنها.

البديل الآخر هو البحث عن مكان لا تصل إليه أصداء صرخات المعتقلين والممزقين ومقالات أشخاص يشعرون بالخوف على جثثهم الخاصة.

اقرأ أيضا: من مصر، علي حسام الدين يكتب: هل غضب علينا الله ؟

قراءة الجزء الأول: ناشطات، ولسن سبايا ولا فاسدات

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *