×
×

زينب النفزاوية: زوجة ابن تاشفين ومهندسة توسع دولة المرابطين! 2/1

زينب لم تدخر عن ابن تاشفين جهودا في مساعدته، برأيها ومالها. هكذا، يسجل التاريخ أن رجاحة عقلها كانت سببا في إتمام ما تبقى من “فتوحات”، وتثبيت دعائم الدولة المرابطية. وقد بلغ يوسف بن تاشفين بسند من زوجته مبلغا غير مسبوق في الملك، بل وكان أكثر ملوك عصره مكانة، ذلك أنه تميز بعلو الهمة والشأن، كما استطاع أن يسيطر على البلاد.

يزخر تاريخ المغرب الضارب في القدم، بكثير من النساء اللائي كان لهن أدوار سياسية مهمة، وإن في الخفاء.

زينب النفزاوية إحداهن. هذه الفتاة التي ولدت لتاجر من عامة القوم، سيقودها حسنها وحلمها إلى أن تصبح زوجة ملوك عدة، أبرزهم يوسف بن تاشفين. وقد كان لرجاحة رأيها، حسب المعطيات التاريخية المتوفرة، دور كبير في توسع المرابطين على نحو غير مسبوق في إفريقيا.

يقول عنها المؤرخ المغربي أحمد بن خالد الناصري في كتابه “الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى”: “كانت بارعة الجمال والحسن، وكانت مع ذلك حازمة لبيبة ذات عقل رصين ورأي متين ومعرفة بإدارة الأمور، حتى أنه كان يقال لها الساحرة”.

اقرأ أيضا: خيرونة الفاسية… “زعيمة” المذهب الأشعري بالمغرب

في هذا البورتريه، نتعرف وإياكم على “زينب النفزاوية”، هذه المرأة التي خلد اسمها جزء من تاريخ المغرب العتيق.

“المغرورة” بجمالها، وحلم الزواج بأمير البلاد

زينب بنت إسحاق النفزاوية، أو زينب تنفزاوة (بالأمازيغية)، وكما يدل اسمها على ذلك، هي ابنة إسحاق الهواري، أحد أكبر تجار قيروان آنذاك، وابنة “نفزة”، المدينة الأمازيغية التي تقع اليوم بالشمال الغربي لتونس. مصادر أخرى تقول إنها ابنة أحد صيادلة المدينة، لكن هذا الرأي يبقى، حسب عدد من الباحثين، ضعيفا.

اقرأ أيضا: خُنَاثة بنت بكار.. من هدية للسلطان إلى أم للسلاطين!

تاريخ ميلاد النفزاوية يبقى مجهولا، ذلك أن المصادر التاريخية لا تذكر عنها شيئا قبل أن تظهر في حياة أمير من أمراء المرابطين، وهو تحديدا، أبو بكر بن عمر اللمتوني. لكن المرجح أن ميلادها كان في يوم ما من بدايات القرن الحادي عشر للميلاد.

كانت زينب امرأة حسناء، فذاع صيت جمالها بين القبائل في أغمات، وتنافس الرجال على الزواج منها، غير أنها رفضت ذلك، إذ اعتقدت أن حُسنها ينبغي أن يوصلها إلى مكانة مرموقة، فأصرت ألا تتزوج إلا بمن يحكم البلاد بأسرها.

في عمر مبكر ستفر زينب النفزاوية رفقة والدها إلى أغمات (ضاحية مراكش)، بعد أن ثار قوم نفزة، التي كانت تحت إمرة بني زيري، على الخلفاء الفاطميين، ففر هؤلاء إلى القاهرة في مصر. هناك، طردوا بني هلال واستعانوا بهم لـ”همجيتهم”، حسب بعض الروايات التاريخية، كدروع بشرية في مواجهة الثائرين في نفزة.

كانت زينب امرأة حسناء، فذاع صيت جمالها بين القبائل في أغمات، وتنافس الرجال على الزواج منها، غير أنها رفضت ذلك، إذ اعتقدت أن حُسنها ينبغي أن يوصلها إلى مكانة مرموقة، فأصرت ألا تتزوج إلا بمن يحكم البلاد بأسرها.

اقرأ أيضا: زليخة نصري: في ذكرى وفاتها… مرايانا تستحضر سيرة أول امرأة مستشارة لملك المغرب 2/1

هكذا، ستنعت من قبل نساء عصرها بالكاهنة والساحرة؛ حتى أن البعض قال لاحقا إن لها صلة بالشعوذة، بما أن طموحها تحقق فعلا.

يشير المؤرخ ابن خلدون إلى أن زينب النفزاوية تزوجت في البدء بيوسف بن علي، وكان شيخا على قبيلة وريكة، ثم تزوجها من بعده الأمير لقوط بن يوسف المغراوي، أمير أغمات.

الكتابات التاريخية المتوفرة تعرف هؤلاء باقتضاب مخل، لكن الأمير لقوط زوج زينب، سيكون آخر ملوك أغمات. حين استولى المرابطون على هذه المنطقة عام 1017 للميلاد، ظل متخفيا إلى أن فر هاربا، تاركا زينب النفزاوية لوحدها دون أن يأخذها معه.

زوجة أمير المرابطين

بعد دخول الأمير المرابطي أبو بكر بن عمر اللمتوني إلى أغمات، لم يسلم هو أيضا من حسن وجمال زينب النفزاوية، فتزوجها. تجدر الإشارة إلى أن اللمتوني يعده البعض فاتح إفريقيا، إذ عمل طوال حياته على محاربة البدع والوثنية المنتشرة في القبائل الإفريقية، مقابل نشر تعاليم الدين الإسلامي، وقد “فتح” في عهده أكثر من 15 دولة إفريقية.

اقرأ أيضا: ثريا الشاوي: أصغر وأول قائدة طائرة في المغرب، إفريقيا والعالم العربي! 1\3

ذات يوم، جاءه رسول يخبره بأن صراعا قد شب في الصحراء بين القبائل المسلمة. خشية ارتدادهم عن الإسلام وتشتتهم ومن ثم انقسام دولته، رأى أن يهاجر إلى الصحراء، ليقيم أمرهم وليكفهم عما هم فيه.

حسب كتاب “الاستقصا” للناصري، فإن اللمتوني سيفارق زوجته وسيطلقها، معللا ذلك بالقول: “يا زينب، إني ذاهب إلى الصحراء، وأنت امرأة جميلة لا طاقة لك على حرارتها، وإني مطلقك، فإذا انقضت عدتك، انكحي ابن عمي يوسف بن تاشفين؛ فهو خليفتي على بلاد المغرب”.

هكذا، طلقها واستخلف يوسف بن تاشفين على المغرب ثم سار إلى الصحراء، وستصبح بذلك زينب النفزاوية زوجة لأمير المرابطين الجديد. بعض الروايات التاريخية تروي أن يوسف بن تاشفين كان متخوفا من فكرة زواجه بزينب بداية الأمر، لكنها طمأنته بأنها “ستجعله سلطانا كبيرا يحكم المغرب بكامله”.

اقرأ أيضا: عبد الله كنون… هذه سيرة العلامة الذي أعاد الاعتبار للفكر والأدب المغربي

زينب لم تدخر عن ابن تاشفين جهودا في مساعدته، برأيها ومالها. هكذا، يسجل التاريخ أن رجاحة عقلها كانت سببا في إتمام ما تبقى من “فتوحات”، وتثبيت دعائم الدولة المرابطية. وقد بلغ يوسف بن تاشفين بسند من زوجته مبلغا غير مسبوق في الملك، بل وكان أكثر ملوك عصره مكانة، ذلك أنه تميز بعلو الهمة والشأن، كما استطاع أن يسيطر على البلاد.

لكن، ما أن بلغ أبا بكر بن عمر اللمتوني ما أصبح عليه ابن عمه يوسف، حتى ارتأى أن يعود إلى المغرب، ويروى أنه “كان مضمرا لعزله وتولية غيره”.

فما كان دور زينب النفزاوية بعد ذلك في انقلاب ابن تاشفين، السلمي، على اللمتوني؟ وكيف أسهمت في توسع دولة المرابطين؟ ذاك ما سنعرفه في الجزء الثاني من هذا البورتريه.

لقراءة الجزء الثاني: هكذا شاركت زينب النفزاوية في انقلاب ابن تاشفين على ابن عمه وكذا توسع دولة المرابطين… 2/2

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *