×
×

الأخلاقيات الدينية، أم الأخلاقيات الإنسانية العقلانية؟ 2/2قراءة في كتاب بول كيرتز: "الفاكهة المحرمة.. أخلاقيات الإنسانية"

الحقيقة أن الأنظمة السلوكية والأخلاقية هي بشرية الأصل، إنْ في المضمون أو العمل؛ فرجل الدين يخدع نفسه إذ يعتقد أن سلوكه الأخلاقي منزل من الإله، يقول بول كيرتز.

“إن الحياة والعالم ليس لهما من معنى من دون رب”… هكذا تكلم الروائي الروسي فيودور دوستويفسكي، وعارضه الفيلسوف الأمريكي، بول كيرتز، محاولا عبر ما تعرضنا إليه في الجزء الأول من هذا الملف، أن يؤكد أن الإيمان بالإله لا يكون ضمانة لأخلاق الإنسان.

في هذا الجزء، الثاني والأخير، نتابع الملف بعرض رأي كيرتز، الذي يقدمه في كتابه “الفاكهة المحرمة… الأخلاقيات الإنسانية”، حول الأخلاقيات الدينية والأخلاقيات الإنسانية… فأيهما يجدر بالإنسان، وِفْقَه، أن يعتنق في عصرنا هذا؟

عطفا على ما تقدم في الجزء الأول، ثمة سبيلان متعارضان للأخلاق والسلوك إذن، وهما في حالة نزاع ثابت في الثقافة الإنسانية.

الأول يتمثل في الأنبياء موسى والمسيح ومحمد، الذين أعلنوا أن مبادئ الأخلاق مستوحاة سماويا، لكنهم أفصحوا عنها دون جهد في التبرير أو التفسير العقلاني، وفق كيرتز.

والثاني، يتمثل في سقراط الذي بحث في استعمال العقل لتعريف وتبرير مُثله الأخلاقية وإخضاعها باستمرار إلى التمحيص النقدي.

اقرأ أيضا: الإبادة الثقافية: الفظاعة الناعمة للبشرية! 2/1

نحن أمام نوعين من السلوك الأخلاقي: أولا، سلوك طاعة الأوامر بزعم أنها مأخوذة من مصدر سماوي؛ وثانيا، أخلاقيات مؤسسة على تطور رؤيا وبحث عقلاني.

صحيح أن الأنظمة الدينية تقدم وظائف سيكولوجية وسوسيولوجية من خلال زرع الفضائل الأخلاقية في أذهان الأفراد والتأكيد على نظام اجتماعي، لكن هذه الأخلاقية التي تتوقف عند هذه المرحلة فحسب، وفق كيرتز، بدائية وغير متطورة.

الأخلاق الدينية المتسامية، تعني الإيمان بأن الأخلاقية يجب أن تكون متأصلة عن مصدر إلهي. ونجد في الحضارة الغربية أساسا يهوديا مسيحيا لهذه الفكرة، بينما يعتمد فيها العالم الإسلامي على القرآن، وتتأسس في حضارات أخرى على نصوص مستوحاة من الماضي السحيق.

أما علم الأخلاق الإنساني؛ فهو المؤسس أوليا على إدراك الإنسان للخير والشر، بالرغم من أنه قديم قدم الأخلاق الدينية نفسها. ونجد له سندا في النصوص الإغريقية الرومانية، تحديدا في فلسفة أفلاطون وأرسطو وأبيقور وآخرين، كسعي نحو إيجاد قاعدة عقلية للسلوك الأخلاقي.

اقرأ أيضا: إذا طالع العرب أنفسهم في مرايا يابانية، فهذا ما سيرونه… 2/1

بين هذين السبيلين نحو السلوك، هناك اختلاف مميز؛ فالأول يعرض مجموعة من المطلقات التي لا تقبل الجدل نحو السلوك، بينما الثاني يأخذ هذه الأشياء على أنها معلومات للتأمل فيها وتحليلها وتعديلها.

الحقيقة أن الأنظمة السلوكية والأخلاقية هي بشرية الأصل، إنْ في المضمون أو العمل؛ فرجل الدين يخدع نفسه إذ يعتقد أن سلوكه الأخلاقي منزل من الإله، بتعبير كيرتز.

المسألة وفق الفيلسوف الأمريكي، أن الناس عبر الإيمان بإله واحد لن يستخلصوا التعاليم الأخلاقية نفسها، ولن يستطيعوا الاتفاق حول ما هو صواب أو خطأ، خير أو شر؛ فالطلاق مثلا هنا مسموح به وهناك محرم، والتعدد في دين مسموح به وفي آخر محظور، وقس على ذلك.

ثمة بالطبع ما هو بديل لكل من الأخلاقيات الدينية والإنسانية وفق كيرتز: الحياة غير السوية… حياة الإنسان الفرد الخالية من المبادئ، التي تؤدي إلى أكبر فوضى.

فهل يحتاج المسيحي إلى أبوة الرب ليكون الأساس للسلوك الأخلاقي؟ حسنا، وكيف نفسر الأنظمة الأخلاقية الأخرى التي يتجذر فيها كلها الإيمان بإله واحد هو الله، كالإسلام مثلا؟ يتساءل كيرتز.

اقرأ أيضا: التسامح: مفهوم ينخره النفاق؟ 2\3

صحيح أن الأنظمة الدينية تقدم وظائف سيكولوجية وسوسيولوجية من خلال زرع الفضائل الأخلاقية في أذهان الأفراد والتأكيد على نظام اجتماعي، لكن هذه الأخلاقية التي تتوقف عند هذه المرحلة فحسب، وفق كيرتز، بدائية وغير متطورة؛ ومن ثم، نحن بحاجة إلى مرحلة أخرى من التطور الأخلاقي.

ثمة بالطبع ما هو بديل لكل من الأخلاقيات الدينية والإنسانية وفق ذات الكاتب؛ أي الحياة غير السوية، التي يكون فيها الإنسان عديم الإحساس بحاجات الآخرين، أناني في قضية اللذة، أو مولع بالسلطة لنفسه.

إنها حياة الإنسان الفرد الخالية من المبادئ، التي تؤدي إلى أكبر فوضى، إن سمح لها بالحكم المطلق، وستقود إلى الاستبداد والبؤس والكوارث، على حد تعبير كيرتز.

هكذا، في الختام، يتساءل كيرتز إذا كان الوقت قد حان تاريخيا للفصل بين الدين والأخلاق… إلى أن تنتقل حياتنا السلوكية لتخضع لأخلاقيات إنسانية يمكن مناقشتها، نقدها وتمحيصها.

لقراءة الجزء الأول: هل ستنهار الأخلاق من دون الإيمان والدين؟ 2/1

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *