×
×

هكذا نشأت فكرة “الشيطان” لدى الإنسان الأول وتطورت حضارة بعد حضارة ودينا بعد دين 1\4من فجر التاريخ إلى ظهور الأديان السماوية (الجزء الأول)

لكل حكاية، أكثر من رواية… مفردات كثيرة ذات صبغة دينية، نتداولها في اليومي من حياتنا، فيظن كثيرون منا أنها وليدة أمس، أو وليدة ظهور دين معين. لكنها ليست كذلك، إنما هي موغلة بجذورها في أقصى أعماق التاريخ.

في هذا الملف، سنستقصي على مدى 4 أجزاء، إحدى أكثر المفردات الموسومة بالشر… إنها تحيل على كائن ما، لسنا نعرف بدقة شكله، لكن البشرية تنعته بأسوأ الصفات واجتهدت في رسم ملامحه بكل البشاعة الممكنة.

إنها مفردة/فكرة “الشيطان”… وهاتين المعقوفتين حول المفردة، ليستا بقرنيه حتما، لكن قد يتهيأ لك ذلك، ففي كل مرة يحضر إلى ذهننا، تحضر معه ذاكرة كاملة من الأفكار والصور التي اكتسبناها من الأديان، وربما من حكايا الجدات الخرافية أيضا.

أحد أندر الكتب العربية التي اهتمت بالنبش في تاريخ فكرة “الشيطان”، كتاب الأديب والمفكر المصري، محمود عباس العقاد: “إبليس.. بحث في تاريخ الخير والشر وتمييز الإنسان بينهما من مطلع التاريخ إلى اليوم”، وهذا الكتاب، سنعتمده مصدرا رئيسا في هذا الملف، إضافة إلى مصادر أخرى متفرقة.

لا بد أن نميز بين الشر والضرر، فبينهما بون شاسع، فالشر لا يصدر منه خير بإرادته، أما الضرر، فقد يصيب أناسا ولا يصيب آخرين، وقد ينتج عن عمل فيما قد لا يتأتى من غيره… الضار بهذا المعنى لأحدهم، قد يكون نافعا لغيره.

إبليس، الإنسان، الخير والشر، كلمات مفتاحية إذن، ومن عنوان كتاب العقاد نقرأ: مطلع التاريخ، فنفهم منذ أول مستوى من القراءة أن الإنسان منذ البدء، حاول أن يميز بين الخير والشر، حتى انتهى إلى فكرة “الشيطان”، وهي الفكرة التي ستتطور عصرا بعد عصر، حتى وصلت إلى ما هي عليه اليوم.

اقرأ أيضا: “الإسرائيليات… إسلام بنكهة أهل الكتاب. آدم وحواء وجنة الخلد 1\3”

على أننا سنخصص هذا الجزء لسرد ملامح عامة عن محاولات التمييز هذه ما قبل ظهور الأديان السماوية، ثم سنخص كل دين منها على حدة بجزء، للخوض في الأفكار التي أتى بها حول “الشيطان”، أو ربما علقت به مما سبقه.

ما قبل الشيطان

بالتأكيد، لم تكن بديهة الإنسان الأول لتأخذه إلى القول بأن هناك ما يسمى بالشيطان. بالمقابل، صورت له بديهته هذه عالما مليئا بأعداد لا تحصى من الأرواح والأطياف.

من هذه الأرواح ما لا يظهر لأحد أبدا، ومنها ما يخفى ويظهر لآخرين بالعزائم والرقي، ومنها ما يتلبس بالأجسام… هكذا كانوا يظنون. أما أنها أرواح شريرة أو خيرة، فهذا ما لم يميزوا بينه إلا بعد معرفتهم بصورة الشيطان.

للتدليل على الشر الخبيث الذي يضمر السوء، لم يجد الإنسان الأول في حسه وخياله، شيئا أقرب إلى هذا المعنى أكثر من الحية، التي تزحف على التراب وتندس في الجحور للمكيدة والخداع، وقد علقت هذه الزاحفة بالشر حتى عصور أحدث، بخاصة في اليهودية.

لم يكن هذا التمييز ذا معنى في مقياس الأخلاق، إنما كان بهذا المعنى فقط: هذا حيوان أنيس وذاك ضاري، وهذه حشرة مأمونة وتلك سامة، وهذا الجماد يفيد إذا ارتجى الإنسان نفعه وذاك يضر في ظنه فيتقي أذاه.

لا بد أن نميز هنا بين الشر والضرر، فبينهما بون شاسع، فالشر لا يصدر منه خير بإرادته، أما الضرر، فقد يصيب أناسا ولا يصيب آخرين، وقد ينتج عن عمل فيما قد لا يتأتى من غيره… الضار بهذا المعنى لأحدهم، قد يكون نافعا لغيره.

اقرأ أيضا: “من أين جئنا؟ وما هو مصيرنا؟ نظرية التطور، الانفجار الكبير، الخلق…؟”

الإنسان في الهمجية الأولى، باختصار، لم يكن يعرف الإله حتى. معرفة الشيطان ستكون فاتحة التمييز بين الخير والشر، وهذه الفاتحة، وفق العقاد، فاتحة خير، بلا مجاز وبلا تسامح في التعبير.

فلما عرف الإنسان القدرة، وعرف كيف يذمها ويعيبها، عرف حينذاك القدرة التي يمكن أن تنسب إلى إله، والتي لا تنسب إلا لضده ونقيضه. من الظلام عرف النور إذن، فانتهى إلى معرفة الخير.

من الهمجية الأولى إلى الحضارة الأولى

ثم احتاج الإنسان إلى الكاهن ليروض له الأرواح الخبيثة. من هنا، انفصل دور الكاهن إلى دورين، دور الدعاء ودور السحر… يشبه ذلك انفصال دوري الراعي والصياد، وإن كان كلاهما يرعى الحيوان النافع ويصيد الحيوان الذي يفتك بالبشر والماشية.

مع ذلك، لا زال الإنسان حينئذ في خطواته الأولى على طريق التمييز بين الخير والشر. الخطوة التالية، كانت التمييز بين المنفعة والمضرة، من حيث إن المنفعة هي التي تصدر عن طيبة وحسن نية، والمضرة تصدر عن طبع خبيث وسوء نية.

وللتدليل على الشر الخبيث الذي يضمر السوء، لم يجد في حسه وخياله، شيئا أقرب إلى هذا المعنى أكثر من الحية التي تزحف على التراب وتندس في الجحور للمكيدة والخداع. لم يكن في وسع إنسان هذه المرحلة من التاريخ، أن يتوهم صورة للشر سوى الحية إذن، وقد علقت هذه الزاحفة بالشر حتى عصور أحدث، بخاصة في اليهودية كما سيرد في الجزء الثاني.

يقول العقاد إن هناك حدا يفصل بين الحضارات الأولى والأديان الكتابية، وهذا الحد هو الفارق الذي يكمن في تقديم أو تأخير صفتين من صفات الإله، صفة السيادة والسلطان وصفة الخلق والتكوين.

لم يزل الإنسان يقوم بعمل أو يتركه لأنه نافع أو محذور، أو لأنه واجب أو محظور، فكان بذلك يمضي في نطاق ضيق على طريق التمييز بين الواجب والمحرم، حتى بدأت القبائل تجتمع في أمة ذات مجتمع واحد وشريعة واحدة.

من هنا، بدأت تعم نظرته نحو الشر والخير، واتسعت أكثر حين برزت في ذهنه فكرة النوع الإنساني، ثم ارتقى إلى فكرة أكثر منها مغزى وهي فكرته عن الضمير الإنساني… ولم يكن بوسعه أن يصل إلى هذه المرحلة أيضا لولا اجتماع العشائر والقبائل والأقوام والشعوب.

الحضارات الإنسانية الأولى خطت خطوة واسعة إذن في هذا الطريق، وإن كانت متفرقة، تتقابل أحيانا ولا تتقابل بالمجمل في معنى ما هو خير وما هو شر.

اقرأ أيضا: “ملف: “الرقية الشرعية” في مرمى الجدل مرة أخرى..”

في عرف الحضارة المصرية الأولى، مثلا، كانت مسألة العالم مسألة دولة وشريعة ونظام، فالخير شريعة تستتب عليها الأمور، أما الشر، فهو كل مارق ومخل بهذا النظام الذي استتب عليه.

بينما مسألة العالم في حضارة بين النهرين “فارس وبابل”، فلكية. كل ما عدا النور، فهو ظلام، وكل ما في الوجود يوجد بين النور والظلام، والخير والشر مقسومان بين السعود والنحوس، حسب ما دارت عليه أفلاك السماوات.

أما في الحضارة اليونانية الأولى، فالخير مسألة حظ، والشر مسألة اعتراض لذلك الحظ، وفق العقاد.

في طريق الأديان الكتابية

يقول العقاد إن هناك حدا يفصل بين الحضارات الأولى والأديان الكتابية، وهذا الحد هو الفارق الذي يكمن في تقديم أو تأخير صفتين من صفات الإله، صفة السيادة والسلطان وصفة الخلق والتكوين.

الأوائل آمنوا بخلق الإله للأكوان، لكنهم قدموا عنها صفة السيادة، ولعلهم قد انساقوا في ذلك مع ما آمن به الإنسان في الهمجية الأولى، إذ لم ينسبوا إلى الأرواح خلق أي شيء من الأشياء، حتى تطورت الفكرة رويدا رويدا، فتدرج الناس من عبادة الروح المتسلط إلى عبادة الإله المتسلط، فأصبحت صفة الخلق تابعة لصفة السيادة والسلطان.

أما الديانات الكتابية، التي سنخوض فيها بدءا من الجزء الثاني، فقد أبرزت صفة الخلق وجعلتها شاملة لكل ما عداها من الصفات الإلهية، ومنها صفات السيادة وتصريف المقادير.

من هذا الفارق، يتأتى شيء كثير وفق العقاد، فالشر في الحالة الأولى يحسب من قبيل الحماقة، قبل أن يحسب من قبيل الفساد، وبين هذا وبين وصف الشر بالسوء والكفران بون واسع، سنتطرق إليه ابتداءً من الجزء الثاني.

اقرأ أيضا: “صالون التجميل عند الشعوب الأولى.. هكذا بدأ الإنسان يهتم بجماله!”

في الجزء الثاني من هذا الملف، نخطو خطوة أخرى على طريق معرفة تبلور مفهوم “الشيطان” في التاريخ الإنساني، هذه المرة مع الديانة الكتابية الأولى؛ أي اليهودية، أو العبرية كما يسميها العقاد.

لقراءة الجزء الثاني: “فكرة “الشيطان” في اليهودية 2\4”

لقراءة الجزء الثالث: “فكرة “الشيطان” في المسيحية 3\4″

لقراءة الجزء الرابع: “فكرة “الشيطان” في الإسلام 4\4″

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *