×
×

العرب من وجهة نظر يابانية: مرآة جديدة… (الجزء الثاني)قراءة في كتاب نوبوأكي نوتوهارا: "العرب وجهة نظر يابانية"

بعد الجزء الأول الذي قدمنا فيه بعض ملاحظات نوتوهارا عما عايشه في البلدان العربية، أبرزها ملاحظته غياب العدالة الاجتماعية وأن القمع هو السائد، لعل بعض الأسئلة قد راودت ذهن القارئ …

بعد الجزء الأول الذي قدمنا فيه بعض ملاحظات نوتوهارا عما عايشه في البلدان العربية، أبرزها ملاحظته غياب العدالة الاجتماعية وأن القمع هو السائد، لعل بعض الأسئلة قد راودت ذهن القارئ للملف، من بينها، لماذا كتب نوتوهارا باللغة العربية وللقارئ العربي مباشرة؟

يرى نوتوهارا أن كتابه “العرب.. وجهة نظر يابانية” مساهمة في الإجابة عن الأسئلة العربية الكبرى، وأن المواضيع التي عالجها في كتابه، مواضع تخصه شخصيا كإنسان وككاتب وكياباني أيضا.

نوبوأكي نوتوهارا
نوبوأكي نوتوهارا

باختصار، كان يود أن يقول للقارئ العربي رأيه مباشرة في بعض القضايا التي يعيشها، كما يراها، كأي أجنبي عاش في البلدان العربية وقرأ الأدب العربي واهتم بالحياة اليومية في المدينة والريف والبادية العربية.

في الجزء الأول، أوردنا ما مفاده أن العرب دائما ما كانوا منبهرين باليابان، إحدى قصص هذا الانبهار، تلك التي حدثت لنوتوهارا مع الكاتب المصري يوسف إدريس.

زار يوسف إدريس اليابان، عدة مرات. وكان يبحث حسب ما قاله لنوتوهارا، عن سر نهضة اليابان التي أدهشت العالم. كان إدريس يود معرفة الأسباب العميقة التي جعلت من بلد صغير ومعزول كاليابان، يصبح قوة صناعية واقتصادية كبرى.

في زيارته الثالثة، سأل نوتوهارا يوسف إدريس إن كان قد وجد الإجابة أم ليس بعد. فقال له: نعم. عرفت السبب.

يروي يوسف إدريس أنه كان مرة عائدا إلى فندق وسط طوكيو، عاصمة اليابان، حوالي  منتصف الليل، ورأى عاملا يعمل وحيدا. وقف يراقبه ولم يكن معه أحد. لم يكن أحد يراقب العامل، ومع ذلك، كان يعمل بجد ومثابرة كما لو أن العمل ملكه هو نفسه.

اقرأ أيضا: “حوار الحضارات من خلال أدب الرحلات 1\2”

عندئذ، يقول يوسف إدريس لنوتوهارا، عرف سبب نهوض اليابان. السبب كان شعور ذلك العامل بالمسؤولية النابعة من داخله بلا رقابة ولا قسر، وعندما يتصرف شعب بكامله مثل ذلك العامل، فإن ذلك جدير بأن يحقق ما حققته اليابان، وفق إدريس.

بعض من قصص نوتوهارا في البلدان العربية:

  • الظاهرة الغريبة

يقصد نوتوهارا بالظاهرة الغريبة مناداة الحاكم العربي لشعبه بأبنائي بناتي. هذه المناداة وفق الكاتب تعتبر في اليابان، إهانة بالغة إذا استعملها مسؤول مهما كان كبيرا. في اليابان، لا يقبلون بهذه الصيغة، فرئيس الوزراء حر في بيته، لكن خارج البيت هم لا يسمحون بذلك.

المجتمعات العربية، عامة، ليس له استعداد لتربي المواهب وتقويها… الأمر في اليابان مختلف، وفق نوتوهارا لأنهم يعتبرون الموهبة الفردية قدرة تحقق نجاحا في حياتهم.

نوتوهارا يعرف أن مكانة الأب شبه مقدسة في البلدان العربية داخل الأسرة، استنادا إلى الدين والأعراف والأوضاع الاجتماعية التقليدية، ولذلك فالأب خارج البيت، رجل آخر!

اقرأ أيضا: هشام روزاق: “دولة تجدد نــ(ــحــ)ــبها!”

الكاتب يقدر أن الحاكم يفعل الشيء نفسه مع الشعب إذ يضع نفسه فوقه في مكانة مقدسة. وهو بذلك فوق النظام وفوق المجتمع، وهكذا يستفيد عاطفيا من لهجة الأبوة ليسيطر على الشعب.

  • مسؤولية العمل والنظر

العربي، وفق نوتوهارا، يخاف الله بصورة عامة. خلال إقامته الطويلة في مصر، يقول الكاتب إنه كان بحاجة أحيانا إلى عامل لتصليح أنابيب الماء، أو أي شيء آخر في البيت. فكان العمال يأخذون منه أضعاف أتعابهم؛ لأنه أجنبي حسب تقديره.

لكنه اهتدى إلى طريقة تخفف من جشعهم أحيانا، فكان يقول للعامل: ألا تخاف الله؟ أنا سأطالبك بالنقود الزائدة التي أخذتها مني يوم القيامة. وهكذا كان الجميع يخافون فعلا ويأخذون أجرهم في حدود ما يسمى بالحلال.

لفهم سلوك الرجل العادي في البلدان العربية إذن، علينا أن ننتبه دائما لمفهومي الحلال والحرام وفق نوتوهارا.

  • استغلال الوظيفة لمصالح خاصة!

قبل سنوات، كان نوتوهارا في زيارة إلى المغرب… حطت الطائرة بمطار الرباط، وقبل أن يدخل من بوابة القادمين، طلب منه أحد الموظفين 100 درهم، فأعطاه إياها على الفور، إذ ظن أن المبلغ رسم من رسوم الدخول إلى المملكة.

بعد لحظات، شاهد موظفا آخرا يتجه نحو الموظف الأول يوبخه ويقول له كلاما يدل على أنه قد سرقه. استمر الجدال، لكن لا أحد أعاد له الورقة النقدية.

اقرأ أيضا: “حزن الظن: ألم المفاصل المزمن في جسم الدولة… من أعراضه موت نساء”

يقول نوتوهارا إنه قد يفهم وجود موظف يستغل وظيفته لصالحه الخاص، ولكنه بالمقابل لا يفهم لماذا لا يحاسب مثل هذا الموظف عندما يكتشف الآخرون فساده، ويضيف متسائلا: “هل يعني ذلك أن الجميع يستغلون وظائفهم؟ وأن الجميع اتفقوا بالصمت على قبول هذا الواقع؟ هذه الحوادث كثيرة بحيث تبدو كأنها ظاهرة عامة”.

  • الفن والحرام

كانت الفنانة التشكيلية المصرية، شلبية ابراهيم، صديقة عزيزة لنوتوهارا. مرة قال لها الأخير إن لوحاتها تصور دائما الجنس المقموع. فانفجرت في وجهه وقالت له بحدة: أنا لا أرسم موضوع قذرا مثل الجنس.

“العرب يمارسون العنصرية داخل مجتمعاتهم وضد بعضهم البعض على أكثر من شكل”.

استعجب نوتوهارا ويقول: “حتى هذه الفنانة الممتازة تعتبر الجنس قذرا لا يصح أن يدخل موضوعا في لوحاتها. مع أن عين الناقد المتدربة ستكتشف أن لوحاتها–في أحد مستوياتها- انفجارات لمخزون جنسي مقموع. ولكنها في وعيها الاجتماعي تقول إن الجنس قذر مع أنها تحرر قمع الجنس في فنها”.

  • مواهب الأطفال

في البادية السورية، تعرف نوتوهارا على ابن صديقه عبد الله، واسمه جاسم. كل شيء يوحي بأن الطفل سيصبح كاتبا أو شاعرا لو كان في اليابان، يقول نوتوهارا.

لكن بعد عشر سنوات، أصبح جاسم راعيا نموذجيا كما يتوقع منه المجتمع. قابل نوتوهارا فتيات وفتيانا صغارا موهوبين ولكنهم انتهوا إلى أفراد عاديين؛ لأنهم لم يجدوا أي نوع من الرعاية لأن المجتمع يحتاج إلى قدرة واحدة تناسبه.

لاحظ نوتوهارا أن الضيف في البلدان العربية يأتي في أي وقت والمضيف لا يستطيع أن يرفض استقبال الضيف، وهو في هذا يشبه المعبد الياباني، الذي يتحتم عليه، دينيا، استقبال اليابانيين في أي وقت.

يقول نوتوهارا: “في مجتمع البدو مستقبل الأطفال واضح؛ الولد يصبح راعيا والبنت عروسا. أما في مجتمع الفلاحين فالأمر متروك للمصادفة. ربما كان الوضع أفضل قليلا في المدن العربية، ولكن الصورة العامة دون المستوى المطلوب من الشعور بالمسؤولية عن مستقبل الطفل”.

اقرأ أيضا: “سناء العاجي تكتب: أن تكوني أُمّا… أو أن لا تكوني!”

وهكذا، المجتمعات العربية عامة، ليس له استعداد لتربي المواهب وتقويها. “الأمر مختلف عندنا في اليابان لأننا نعتبر الموهبة الفردية قدرة تحقق نجاحا في حياتنا. ولذلك يراقب الوالدان الطفل ويدققان في قدراته في الموسيقى والعلم والرياضة. هذه ظاهرة اجتماعية عامة في اليابان” يبرز كاتب “العرب.. وجهة نظر يابانية”.

  • العنصرية

يقر نوتوهارا بأن اليابانيين إسوة بجميع الشعوب عانوا من تجربة مريرة مع العنصرية، فقد مارس العسكريون عنصرية ضد الشعوب المجاورة وضد الشعب الياباني نفسه. والعنصرية في تقدير الكاتب، هي كل سلوك يميز به صاحبه نفسه عن الآخرين من فوق، ومن ثم فهي تتخذ أشكالا مختلفة، وللتخلص منها، هناك دائما حاجة إلى ثقافة عالية ووقت طويل.

وفق نوتوهارا، فالعرب يمارسون العنصرية داخل مجتمعاتهم وضد بعضهم البعض على أكثر من شكل، ويضرب مثالا لذلك بأصحاب السيارات الخالصة، فيقول: “يتفاخر مالك السيارة بسيارته وكأنها مجد فريد أحرزه دون غيره من بني البشر، وهذا التفاخر الصريح يتحول إلى تعال على الآخر، واضطهاد لهم، مع أن ملكية السيارة في البلدان المتقدمة صناعيا ليس امتيازا، ولا يختلف كثيرا عن ملكية دراجة عادية”.

اقرأ أيضا: “التسامح: مفهوم ينخره النفاق؟ 2\3”

  • الضيافة

لربما كل الأشياء التي صادفها نوتوهارا في زياراته للبلدان العربية، حظيت باستغرابه لأنها كانت ذات بعد سلبي، نفس الاستغراب سيعتريه لكن هذه المرة في المنحى المعاكس، وذلك بخصوص ضيافة العرب.

لاحظ نوتوهارا أن الضيف في البلدان العربية يأتي في أي وقت والمضيف لا يستطيع أن يرفض استقبال الضيف. وهو يتذكر صديقا له كان فنانا تشكيليا، زاره في بيته، فطلب منه أن يختار لوحة من لوحاته يأخذها هدية للذكرى. هذا التصرف، لا يمكن توقعه في اليابان، وفق الكاتب، ودائما ما شعر بالإعجاب والدهشة تجاه هذا الكرم.

بيت العربي (الكريم) دائما مفتوح للناس وفي كل وقت، يقول نوتوهارا: “إن هذا الشكل من العلاقة بين الزائر والمكان المزار لا يحدث في اليابان إلا في المعبد. باب المعبد الحقيقي عندنا مفتوح لكل شخص يرغب في زيارته أو الدخول إليه. دينيا هذا مطلوب وواجب على المعبد، وأنا أشبه البيت العربي بالمعبد الياباني”.

لقراءة الجزء الأول: “إذا طالع العرب أنفسهم في مرايا يابانية، فهذا ما سيرونه…”

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *