×
×

حسين الوادعي يكتب: ابن رشد مفكرا تنويريا علمانيا في الديانات الثلاث

هل يمكن تأسيس العلمانية في المجتمعات الإسلامية اعتمادا على أفكار الفيلسوف الأندلسي الأبرز أبو الوليد ابن رشد؟ سؤال قد يبدو غريبا للكثيرين، فما علاقة ابن رشد بالعلمانية؟ يرى بعض مؤرخي …

حسين الوادعي

هل يمكن تأسيس العلمانية في المجتمعات الإسلامية اعتمادا على أفكار الفيلسوف الأندلسي الأبرز أبو الوليد ابن رشد؟

سؤال قد يبدو غريبا للكثيرين، فما علاقة ابن رشد بالعلمانية؟

يرى بعض مؤرخي الفكر الأوربي أن فكرة العلمانية نشأت وتطورت لدى مفكري التنوير الأوربيين ابتداء من القرن الثاني عشر، بناء على أفكار ابن رشد حول الاتصال بين الحكمة (الفلسفة) والشريعه (الدين) التي بثها في مؤلفه “الفقهي الفلسفي. فصل المقال في تقرير ما بين الحكمة الشريعة من الاتصال”.

كان الفقهاء قد أصدروا فتوى قاسية ضد الفلسفة، كفروا فيها من يشتغل بها واعتبروها مخالفة لأصول الدين ولإجماع المسلمين. فألف ابن رشد كتابه ليبين أهمية التفلسف و”الأٌخوة” بين الدين والفلسفة.

اقرأ أيضا: عن الغزالي وابن رشد: مشاهد من جريمة اغتيال

حسب ابن رشد، فإن هدف الدين وهدف الفلسفة واحد: الحياة الفاضلة. لكن طرقهما مختلفة.

الفقهاء يصلون الى الحقيقة عن طريق الجدل والخطاب، والفلاسفة يصلون إلى الحقيقة عن طريق البرهان والمنطق. فما يجيء به الدين حق وما تجيء به الفلسفة حق؛ والحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له.

لكن هذه ليست الفكرة الأهم والأخطر في فكر ابن رشد. فعندما ناقش الأخير ما الذي يجب أن نفعله عندما يكون هناك تعارض بين العقل والنقل، كان واضحا وصارما، حيث اعتبر أن العقل هو الحكم لأن التعارض ناتج عن اختلاف تأويل النص، وليس ناتجا عن ضلال العقل؛ والخلاف الذي قد يحدث بين الدين والعلم خلاف غير حقيقي، فلا يوجد إلا حقيقة واحدة، والتعارض غالبا ما يكون بين “حقيقة العلم” وبين “ظاهر النص” وليس جوهر النص نفسه.

الفقهاء يصلون الى الحقيقة عن طريق الجدل والخطاب، والفلاسفة يصلون إلى الحقيقة عن طريق البرهان والمنطق. فما يجيء به الدين حق وما تجيء به الفلسفة حق؛ والحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له

كيف تحولت نظرية ابن رشد حول الحقيقة الواحدة إلى نظرية الحقيقتين، وبالتالي الفصل بين الحقيقة الدينية والحقيقة العلمية، أو بمعنى أوسع الفصل بين الدين والدولة، أو باختصار “العلمانية”؟

طور الفلاسفة الأوربيون من تلاميذ بن رشد الذي أصبح اسمه عندهم “أفيروس” نظرية الحقيقتين؛ فقالوا بوجود “حقيقة دينية” و”حقيقة علمية”، وإن لكل حقيقة وجودها المستقل، وبالتالي لا ضرور للتوفيق بينهما واإنما الاعتراف باستقلالهما وشرعيتهما.

هذا الفصل بين الحقيقتين مهد الطريق للأفكار الفلسفية الجريئة التي تختلف مع ما جاء في الكتب المقدسة وحرر العلم من سيطرة الكنيسة واستبدادها.

اقرأ أيضا: وكان دم “جارية”… أغلى من كل الوطن

من المفارقات أن ترجمة أعمال بن رشد إلى اللغات الأخرى ونقلها الى أوروبا بدأت في السنوات الأخيرة من حياته، وهي السنوات التي شهدت تحريم كتبه وحرقها. كان العالم الإسلامي يرفض أفكار بن رشد ويكفرها بينما كان العالم الأوربي يستقبلها بحفاوة ويبني عليها أسس نهضته.

لقد ظل بن رشد أستاذ التيارات التنويرية في أوربا لعدة قرون، يرى البعض أنها امتدت إلى القرن الثامن عشر الميلادي. والغريب جدا أن الثقافة الفلسفية الراقية لابن رشد اختفت تماما دون أن تترك أثرا في الفكر الإسلامي بعد بن رشد. لم يعد لابن رشد تلاميذ أو خلفاء من العرب المسلمين، لكن أصبح له مئات التلاميذ من اليهود والمسيحيين.

كان العالم الإسلامي يرفض أفكار بن رشد ويكفرها بينما كان العالم الأوربي يستقبلها بحفاوة ويبني عليها أسس نهضته

الجدل الذي أثاره ابن رشد في الإسلام والمسيحية واليهودية غير مسبوق. لهذا، كانت أفكار ابن رشد السلاح الأبرز ضد التعصب الديني الذي استخدمة المثقفون المستنيرون في الديانات السماوية الثلاث. (وقد يكون أيضا الفيلسوف الوحيد الذي تم تكفيره في الديانات التوحيدية الثلاث!)

لقد ترجم العشرات من المترجمين ورجال الدين والفلاسفة اليهود مؤلفات ابن رشد واعتمدوا عليها لتقديم تفسير عقلاني للتوراة، يتجاوز التفسيرات الخرافية التي عرقلت تطور العلم وتطور البهودية نفسها، كما اعتمد عليه الكثير من رجال الدين والفلاسفة والمسيحيون لمواجهة التفسيرات المتعصبة وتسلط الكنيسة على الأفكار والعقول.

كان ابن رشد يؤسس للاتصال بين الدين والفلسفة، ولكن مع الاحتفاظ باستقلالية كل منهما. لكنه كان يؤسس على المدى البعيد للانفصال بينهما. فقد رفض توظيف الدين لأجل الفلسفة أو توظيف الفلسفة من أجل الدين (الفصل بين الدين والعلم) وقرر أن لكل منهما طريقه للوصول الى الحقيقة.

ابن رشد بين أن العقل أكثر يقينا من النص، وأن الفلاسفة أقرب الى الله من الفقهاء، وأنه بإمكاننا  الوصول إلى الحق وإلى الفضيلة حتى ولو لم يكن هناك نص (علمنة وعقلنة المعرفة)

ولعل هذا هو السبب الذي جعل أسلوب الكتاب “متوترا” كما يرى الجابري، لأن ابن رشد وظف منهجين مختلفين: منهج ظاهر نفعي ووقتي (الفقه والفتوى)، ومنهج خفي هو الهدف البعيد من وراء تاليف الكتاب.

اقرأ لنفس الكاتب: الأزهري الشجاع … والثلاثية العلمانية

المنهج الظاهر هو توظيف الفقه من أجل الفلسفة؛ فالكتاب عبارة عن فتوى فقهية من فقيه محترف يؤسس بناء على الشريعة ليس فقط شرعية الفلسفية ولكن “وجوبها” أيضا، لكن الهدف الخفي هو تجاوز الفقه بعد تأسيس الفلسفية وشرعنتها.

أصبح ابن رشد قمة التطور في العلوم الفلسفية الإسلامية قبل أن تغادر إلى أوروبا، والممثل العربي الأخير للفلسفة قبل أن تنقرض بعد مرسوم الإمام المنصور بالتحريم الرسمي للفلسفة والتفلسف.

إن الأفكار المضمرة التي تشكل ثورية ابن رشد أهم من الأفكار الظاهرة. فابن رشد بين أن العقل أكثر يقينا من النص، وأن الفلاسفة أقرب الى الله من الفقهاء، وأنه بإمكاننا  الوصول إلى الحق وإلى الفضيلة حتى ولو لم يكن هناك نص (علمنة وعقلنة المعرفة).

هكذا، بدأ ابن رشد كتابه بالفقه والفتوى، ليختتم كتابه الصغير بنفي الفقه ودفع النص إلى المرتبة الثانية وتأسيس العقل مرجعا أعلى للحقيقة، و”النظر في الموجودات” كوسيلة وحيدة لليقين، وهذا هو أساس العلمانية والعقلانية والعلم الحديث.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *