×
×

أحمد الخمسي يكتب: يا ظالمة!… أحاديث في الدولة والولاء

سواء شاروخان أو عبد الفتاح كريني، فعبارة عنوان الأغنية عبارة قاسية بشجن جميل. أقل الناس حنقا على الدولة وأكثر الفئات إحساسا بالقرف، وأقلهم ضررا ماديا لا يملك إلا أن يتخيل …

سواء شاروخان أو عبد الفتاح كريني، فعبارة عنوان الأغنية عبارة قاسية بشجن جميل. أقل الناس حنقا على الدولة وأكثر الفئات إحساسا بالقرف، وأقلهم ضررا ماديا لا يملك إلا أن يتخيل الدولة في ذهنه وهو يعاتبها، والشعب في جميع الأحوال لن يخذل دولته برموزها. وهي تتخوف من ذلك مغنية: “لا تتخلى عليّ، لا تتركني وحدي…” كما يقول الصوت الأنثوي في الأغنية.

الغناء هو الذي يجسد الحاضر الأبدي. لا يعترف تلاميذ انشتاين المحدثون بشيء سوى الحاضر الأبدي، وهذا ما كان يؤمن به المتصوفة القدامى (كتاب “تنبؤات نوستراداموس”، ص 17) بما يمكن من خلاله استحضار الماضي والمستقبل كجزئين من الحاضر. من يقرأ التاريخ جيدا، يستطيع الاقتراب من أحداث المستقبل، إذا كان طبعا يقدّر الحاضر حق قدره، فلا تشاؤم زائد ولا تفاؤل زائد.

يكفي أن ننظر قليلا إلى آسيا لنتأمل مملكة كامبوديا التي لم تسقط فيها الملكية والمملكة الماليزية الصاعدة المتطورة. كلتا المملكتين عانت من مصالح الأجانب فيها، لكن الملوك فيها لم يتركوا مفاتيح بلدانهم للدول الاستعمارية السابقة.

صِيَغُ الحكمة عند كبار الحكماء في الأمم كلها، صيغ تقترب من المعادلات البلاغية المركبة التي تعيش أبد الدهر دون أن يهزمها الزمن. لأن أصحابها تمكنوا من عبور اختبارات الوصف والتشريح والاستخلاص والحذر من المبالغة في الأحكام المطلقة. بحيث يوازنون ما بين “مفهوم حرية الإرادة وبين الاحتمال الرياضي للصدفة” (كتاب “تنبؤات نوستراداموس”، ص 18)

إقرأ أيضا: هشام روزاق يكتب: من يحكم المغرب؟ … “جهات ما”

على العكس من ذلك، عندما يصيب الدولة الخوف بسبب قضية من القضايا (الخوف من انهيار النظام مثلا: 1971 و1972)، تتوجه نحو قضية منسية، حيث الرغبة عنيدة وليست فقط أكيدة للإفلات من بؤرة الخوف، فيَتِمُّ التركيز على القضية المنسية كما لم تنسها الدولة قط: الصحراء. طبعا لاستدراك التوازن المختل. فتصبح القضية المنسية قميص عثمان ودم يوسف وكل الأقنعة التي استند إليها بناة التاريخ الراهن (كما يقول المختصون). وبسبب الخوف الأصلي من الانهيار، ترتكب الحماقات باسم سيادة الدولة وهيبتها. لنا في مسيرة الدولة الفرنسية نموذجا يستحق أن يرشدنا لتلافي الأخطاء القاتلة. فقد ارتكب القضاء الفرنسي حماقة الضابط دريفوس (1894) بسبب القضية الترابية في فرنسا بسبب مرارة الهزيمة أمام ألمانيا قبل ربع قرن من المحاكمة الظالمة (1871).

لا ينفتح الطريق أمام الحماقات بسبب الخوف من انهيار النظام فقط، بل بسبب الهلوسة التي تضاف إليه جذورها في الحرص على المكاسب المادية الريعية للمستفيدين من النظام، وسندها في العمى اليميني الذي يلتقي مع مصالح اليمين الخارجي. فهل يعقل بعد قرن من الثورة الفرنسية أن ينصبَّ الظلم على ضابط فرنسي بتهمة الخيانة العظمى سوى كونه يختلف في الانتماء الديني عن الأغلبية الكاثوليكية في المجتمع؟ والسؤال الأصلي: هل منحت الثورة الفرنسية الدولة الفرنسية كامل المناعة ضد ارتكاب الظلم بحجم قضية دريفوس لو تخلصت الطبقة السياسية من قيم “النظام القديم”l’Ancien Régime، أي لو تخلص القضاة الفرنسيون من الجذر العنصري بسبب الدين؟ كان التناقض الأساسي الذي أسقط الجمهورية الفرنسية الثالثة (1872- 1945) في حمأة ظلم القضاء هو عمى النظام الفرنسي بصدد النزوع الاستعماري مقابل المهانة الوطنية أمام الصعود الألماني في عهد بيسمارك (حرب 1871). فاختار النظام الضابط دريفوس (اليهودي الديانة)، كبش فداء، ولفق له تهمة الخيانة الوطنية (محاكمة 1894)، ولم يحل التناقض الأساسي أمام الجمهورية الثالثة سوى بتآلف مصالح انجلترا وروسيا وفرنسا، مجموعة في سلة واحدة ضد أطماع ألمانيا وأمبراطورية النمسا-المجر. لتتمكن فرنسا من استعادة إقليمي الألزاس واللورين بعد هزم ألمانيا في الحرب العالمية الأولى (1914-1918).

كانت فترة 1956 – 1960 تكاد تنقل المغرب إلى ملكيات أوربا… كان ملك المغرب أكثر احتراما في نظر العالم من ملك بلجيكا مستعمرة الكونغو ساعتها… وكان مغرب 1959 أفضل بكثير مما وقع من شروخ سياسية خطيرة أوصلته لسنة 1969 وهو منهك منقسم على أبواب انقلابات 1971 و1972.

النظام القديم l’Ancien Régime عنوان سحري فارق في الفكر السياسي الفرنسي، استنادا إلى التجربة التاريخية الفرنسية. والابتعاد بل القطع مع النظام القديم الفرنسي لم تحسمه الثورة الفرنسية دفعة واحدة. فقد سبقتها الثورة الثقافية تحت عنوان “قرن الأنوار” (ق 18)، وتلتها “حروب نابليون” لتوسيع دائرة هدم الأنظمة المستبدة المطلقة في أوربا، وتلتها تجربة “كمونة باريس” الخاطفة لترسيخ مبدأ السيادة الشعبية وجاءت بعدها “قوانين العلمانية” لرفع اللبس حول مفهوم المواطنة الفردي وإلغاء التفرقة بين أفراد الشعب على أساس الدين.

 من يستطيع أن يجزم بعدم تأثير قضية دريفوس في صدور قوانين العلمانية (1905) بعد صدور العفو الرئاسي على الضابط المظلوم مرتين (1894 و1999)؟ ومن يستطيع أن ينفيَ كون بقايا النظام القديم، من خلال الظاهرة الاستعمارية، أراد أن يختفي وراء محاكمة ظالمة لكي يعلي شأن “الوطنية” ويُقْبِرَ “المواطنة”/ الخلية الأولى التي يتكون منها الجسم السياسي الحديث؟…

إقرأ لنفس الكاتب: حزن الظن: باب الجياف… باب اليهود!

النظام القديم في الثقافة السياسية الفرنسية يعني تحالف الكنيسة وإقطاع النبلاء والمؤسسة الملكية التي طابقت مصالحها منذ لويس الرابع عشر مع المذهب الكاثوليكي الكنسي مع إقطاع المناطق. ولقد استغل اليمين الفرنسي شهرة لويس الرابع عشر وقوّله ما لم يقل. تتردد في الكتب المدرسية الفرنسية أنه صرّح: “الدولة، أنا” l’Etat, c’est Moi بينما يصحح مؤرخو مرحلته أن تصريحه الحقيقي: “أذهب أنا وتستمر الدولة”. وفي كل بلد يستغل الانتهازيون قربهم من الملوك ليُظهِرُوا لأسيادهم الملوك أنهم ملكيون أكثر من الملوك أنفسهم.

اختبار عمل محمد الخامس برأي وزير الاقتصاد والمالية في حكومة عبدالله إبراهيم (عبد الرحيم بوعبيد) بعدم كفاية ميزانية الحكومة لترميم القصر الملكي، أظهر أن محمد بن يوسف لم ينس تضحية الشهيد علال بن عبد الله من أجل شرعيته، وأن تضحية الشعب من أجله كانت أكبر من ترميم قصر من القصور الملكية.

تسجل التجربة الأوربية أن النظام الملكي في فرنسا نفسها لم يفرز فقط ملوكا ظالمين. بل يحتفظ الهوكنوت (الأقلية البروتستانتية الفرنسية) للملك هنري الرابع بمحبة استثنائية في التاريخ الفرنسي مثلما يحتفظ يهود أوربا ويهود المغرب لملوك المغرب بمودة ومحبة استثنائية: فقد أنقذ المغرب السعدي يهود أوربا من الإبادة الجماعية التي وعد بها سباستيان الأول البرتغالي كل الكاثوليك في حالة ما إذا انتصر في معركة وادي المخازن. كما أنقد المغرب العلوي يهود المغرب من مرسوم الإبادة الذي سنته حكومة بيتان أثناء الحرب العالمية الثانية والذي رفض محمد الخامس التوقيع على تنفيذه ضد مواطنيه المغاربة اليهود.

ألم يكن محمد الخامس مشتغلا فعليا بمضمون الملكية البرلمانية عندما ترك حكومة عبد الله ابراهيم تشتغل؛ منشغلا هو بمناصرة الشعوب المستعمرة؟ برحلاته الدبلوماسية التي كانت – لا تتوقف– تنقله من كوناكري إلى القاهرة إلى براغ إلى دلهي إلى بغداد عبد الكريم قاسم. لم يره المغاربة في القمر تصديقا للشعوذة، بل رأوه هناك كما يرى كل عاشق معشوقه الصادق. واختبار عمل محمد الخامس برأي وزير الاقتصاد والمالية في حكومة عبدالله إبراهيم (عبد الرحيم بوعبيد) بعدم كفاية ميزانية الحكومة لترميم القصر الملكي، أظهر أن محمد بن يوسف لم ينس تضحية الشهيد علال بن عبد الله من أجل شرعيته، وأن تضحية الشعب من أجله كانت أكبر من ترميم قصر من القصور الملكية. تلك كانت بذور تجديد المحبة بين محمد بن يوسف والشعب الفقير. فليس الفقر وحده هو ما يدفع الشعوب للثورة على الأنظمة، بل اقتسام العسر والعوز ساعة العسر…يقود إلى تجديد الولاء للدولة إذا وجدت الدولة رموزا تاريخيين ينظرون أبعد من وضعهم الطبقي… لو صرح محمد الخامس يوما أن المغرب مزرعة تركها أجداده في ذمته لما وجد مغربيا يعاتبه عما يقول مهما قال. فالعبرة بالتلاحم العميق، وعندما تتفكك عناصر التلاحم بين رموز الدولة ومكونات الشعب…

اقتسام العسر والعوز ساعة العسر…يقود إلى تجديد الولاء للدولة إذا وجدت الدولة رموزا تاريخيين ينظرون أبعد من وضعهم الطبقي…

كانت فترة 1956 – 1960 تكاد تنقل المغرب إلى ملكيات أوربا… كان ملك المغرب أكثر احتراما في نظر العالم من ملك بلجيكا مستعمرة الكونغو ساعتها… وكان مغرب 1959 أفضل بكثير مما وقع من شروخ سياسية خطيرة أوصلته لسنة 1969 وهو منهك منقسم على أبواب انقلابات 1971 و1972.

إقرأ أيضا: موقع الدين في نظام الحكم بالمغرب: إمارة المؤمنين، حكاية البدايات..

نعم، نحن اليوم في مرحلة تاريخية مختلفة تماما ونحن نقترب من 2019. انتهت أنظمة وتغيرت الخريطة السياسية العالمية لكن المصالح الكبرى للشركات العابرة للقارات لن ترحم الحياة السياسية في المغرب إذا ارتأت أن يحدث “الزلزال السياسي” الشبيه بما حدث في اثيوبيا سنة 1974 أو إيران سنة 1979…

نحن اليوم، ونحن نَتَشَبَّهُ بفرنسا الماضي ما بين الإشعاع الخارجي الإيجابي وما بين مشاكلنا الداخلية. يكفي أن ننظر قليلا إلى آسيا لنتأمل مملكة كامبوديا التي لم تسقط فيها الملكية لأن رصيد الملك نورودوم سيهانوك توأم لرصيد محمد الخامس، ونمعن النظر إلى المملكة الماليزية الصاعدة المتطورة. كلتا المملكتين عانت من مصالح الأجانب فيها، لكن الملوك فيها لم يتركوا مفاتيح بلدانهم للدول الاستعمارية السابقة. عانت الكامبودج من الحروب الأهلية وبقي الملك فوق الجميع. وعانت ماليزيا من مؤامرات الانفصال. ثم نرجع إلى افريقيا التي تشهد مثالي اثيوبيا ورواندا في التنمية البشرية والديمقراطية السياسية. وإلا “سنرجع يوما إلى حينا”. لو كنا سنغرق في دافئات المُنَى، كما غنت فيروز، لا ضرر. وأما إن أدركنا مستنقع الاستبداد القديم فتلك ورطة. فاليد الحديدية مهما تحكمت، لا تضمن اشتعال النيران التي تذيب الحديد نفسه وتقطع اليد الظالمة.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *