×
×

علاء أحمد كيالي يكتب: الرحيل المفاجئ- سعد محمد رحيم

يبدو الموت حالة نهائية لا بُدّ لأيّ حيّ من مداولتها. لا أعني تجربتنا الشخصية مع موتنا نحن، بل أكتب عن تجاربنا مع موت سوانا. كان الأمر سيبدو مُدهشًا لو أني عرفت كيف أكتب عن موتي أنا، لكني لا أعرف منه سوى تفاصيل صغيرة، ميتات مُتشظِّية لا أستطيع تشكيلها كَونًا مُكتملًا.

بدأتُ من مدّة قراءةَ مقتل بائع الكتب لسعد محمد رحيم، وأنا في الصفحات الأخيرة، تبقّت لي الخمسون صفحة الأخيرة. الرواية جميلة (تدرك في بعض الكتب معاني درويش في سرديّته “لا أريد لهذه القصيدة أن تنتهي”). أنا القارئ، لا الكاتب، لا أريد لهذه السرديّة أن تنتهي. قراءاتي قليلة، وقلّة هي الكتب التي رأيت فيها أبدية درويش الدلالية.

انتهيت الآن من قراءة الخمسين صفحة الأخيرة، يبقى رحيل محمود المرزوق فعلًا ماضيًا. ويستمرّ رحيل الكاتب سعد محمد رحيم باسمًا. هو الآن في الرحيل المستمرّ ويكفيه الرحيل المُستمرّ تولُّدًا وجمالًا.

مع كلّ فصل جديد أو حركة سردية كان يُحْدثها رحيم، كنت أفكّر بضرورة قراءة باقي أعماله حالًا بعد قراءة هذا الكتاب. خطر لي أنني ربّما أفهم الآن سؤال أحد الإعلاميين لأدونيس. بدأ الإعلامي (ولا أذكره تمامًا) سؤاله بالقول: “ثمّة جمهور كبير ينتظر كتبك الجديدة دائمًا، يذهب إلى المكتبة يوم إصدار الكتاب، يحضره ولا يؤجّله لليلة أخرى، يقرأه على الحال”، (الصياغة لي، لا أذكر حرفية الكلام). لم أفهم العبارة إلى درجة أني لم أفكر بها. أحسب أني فهمت العبارة وفكرت فيها منذ الصفحات الخمسين الأولى من مقتل بائع الكتب.

اقرأ أيضا: من مونتريال ـ كندا. عمر لبشيريت يكتب: أنا وأبي… و”إيڤا”

كانت البارحة، وكنت أضع بوستًا على الفيس بوك وأرفقته بهاشتاغ #سعدـمحمدـرحيم. خطر لي، بعد كتابة البوست، أن أطّلع على محتوى الهاشتاغ. كان معظمها عن الكتاب ذاته، أتنقّل بالصفحة نحو الأسفل، لأقرأ في القاع: “حالة حزن كبيرة تلفّ المشهد الأدبي العراقي والعربي، مع الرحيل المفاجئ للروائي #سعدـمحمدـرحيم”. قفزت عيناني دهشة بموت الكاتب. كان البوست بتاريخ 9 إبريل 2018. فتحت الكتاب لأطلع على تاريخ النشر، هي الطبعة الثالثة عشر عن دار سطور 2019.

متى كانت الطبعة الأولى؟ الأسئلة كثيرة، الخبر يحكي عن رحيل مفاجئ، السؤال الأول، كيف مات-رحل؟ والثاني متى كتب مقتل بائع الكتب وهل كتب كتابًا بعده؟ السؤال الثالث، والذي بدا لي أقلّ أهمية، ما هي كتابات سعد محمد رحيم الأخرى، لم يكن سؤالًا، كان حيرة.

ربّما أحاول أسلوب سعد محمد رحيم في مقتل بائع الكتب. لكنّ الخبر الفيسبوكي كان قلقًا ومقلقًا وكان متأخِّرًا عنّي تأخُّر السارد عن موت المروزق. “الرحيل المفاجئ”! لن أبحث في الكتاب، ولكني أذكر أني قرأت كلمة المفاجئ في توصيف السارد لمقتل محمود المرزوق. دلّت الكلمة (إن صحّ ظنّي أنه وصَّف موت المرزوق بها فعلًا) على توصيف هزليّ للمسألة، كان توصيفًا دالًّا على الحيرة أيضًا.

بدأتُ من مدّة قراءةَ مقتل بائع الكتب لسعد محمد رحيم، وأنا في الصفحات الأخيرة، تبقّت لي الخمسون صفحة الأخيرة. الرواية جميلة (تدرك في بعض الكتب معاني درويش في سرديّته “لا أريد لهذه القصيدة أن تنتهي”). أنا القارئ، لا الكاتب، لا أريد لهذه السرديّة أن تنتهي. قراءاتي قليلة، وقلّة هي الكتب التي رأيت فيها أبدية درويش الدلالية.

آلمني جهلي بالمسألة، جهلي بالكاتب حيًّا وجهلي به كاتبًا وجهلي به راحلًا مفاجئًا. وآلمني جهلي بشخوصه الروائية والكُتبية سوى شخص المرزوق الذي لم يكتمل في مخيَّلتي بعد.

نرحل آلافًا مؤلَّفة يوميًّا، ولا أتحدَّث عن رحيلنا مصادفة كما ولدنا بعبثية درويشية لا تنتهي. بل أتحدث عن كلمة “مفاجئ” من نعوة الكاتب. عمن عرفوه أو كانوا سيعرفونه بعد الرحيل. يبدو أن سِمة “المفاجئ” في الرحيل هي السِّمة اللازمة، هي السِّمة التي لا تنتهي. هنا لا يخرج الموصوف عن صفته، لا تتحوّل الفجاءة إلى التعوُّد أو التأقلم أو النسيان. مهما كان الراحلُ مستعبَدًا أو مستعبِدًا، مهما كان معزولا أو اجتماعيّا، مهما كان حقيرًا أو مليكًا، لا بدّ من عصفور أو نملة أو شجرة ستبقى تعيش في تلك الفجاءة. ولعلّ عصفورًا فيه من تلك الفجاءة ما لا يكون في جبلٍ بأكمله. ويبقى سرب عصافير كانت تألفه ويألفها متفاجئًا من فراغ الشرفة من قهوة وتين وقمح.

اقرأ أيضا: 1984 لجورج أورويل: رواية لكل زمان ومكان؟

انتهيت الآن من قراءة الخمسين صفحة الأخيرة، يبقى رحيل محمود المرزوق فعلًا ماضيًا. ويستمرّ رحيل الكاتب سعد محمد رحيم باسمًا. هو الآن في الرحيل المستمرّ ويكفيه الرحيل المُستمرّ تولُّدًا وجمالًا.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *