×
×

من فرنسا، مريم أبوري تكتب: أهي حارتنا؟ عن سوريا والحرب والألم

اختلست  النظر إلى هاتف أمها الذي كانت عيناها مسمرات على شاشته ودموعها بصمت تنهمر كشلال. رأت جثث أطفال في سنها ملقاة على الأرض. أخرجت صرخاتُها الهستيرية أمَّها من نحيبها  المخنوق:

– لقد قتلوا أطفالا آخرين، كما قتلوا أختي وأبناء خالتي.

أغلقت الأم الهاتف بسرعة والتفتت إلى صغيرتها التي يبدو أنها  شاهدت الشريط كله… حضنتها وحاولت أن تهدأ من روع الصغيرة التي يهتز جسدها الصغير خوفا وذعرا قائلة :

– لا عزيزتي… هذه ليس حارتنا.

تشبتت الصغيرة بيديها الهزيلتين بحضن أمها وبصوت مستغرب قالت :

– وهل يقتل الناس كذلك في حارات غير حارتنا؟! ..

حضنتها أمها بقوة دافئة :

– نعم حبيبتي، للأسف…

دفنت رأسها الصغير في صدر أمها الحنون:

-و أين توجد هذه الحارة؟

شهقت الأم :

– بعيدا بعيدا عن حارتنا…

رفعت الطفلة رأسها وجلست جاحضة العينين وهي تقول :

– أين ؟ أهي حارة عمو ابراهيم؟..

أعادتها أمها إلى حضنها :

– لا.. لا حبيبتي… هي حارة بعيدة إسمها أفغانستان.

لا تعرف الصغيرة هذه  الحارة :

– الحمد لله. هذا يعني أن عمو بخير… لكن، أنا حزينة أن أطفال هذه الحارة كذلك قتلهم الأشرار…

ضمتها  أمها بحنان:

– لقد ذهبوا عند الله، وهناك سيكونون سعداء.

قالت الطفلة :

– ألم يكونوا سعداء في حارتهم؟

اقرأ أيضا: #ألف_حكاية_وحكاية: Amazing Morocco!

كتمت  الأم آهة…

لكي تنهي هذا الحوار المؤلم، حاولت إغراء الصغيرة بأن تشاهد قناة الرسوم المتحركة، وتعد لها كوب حليب ساخن وحلواها التي تحبها.

أما شريط صور الأطفال القتلى السوريين بدوما، مدينتها التي هُجّرت منها، فما إن مر أمام عينيها حتى انهارت وسقطت أرضا تبكي أطفالا صغارا… أطفال قد يكون ضمنهم أبناء أخيها وجيرانها… قد يكون منهم أحد تلامذتها

فرحت الصغيرة وفتحت التلفاز على قناتها المفضلة. منذ أن وصلت إلى فرنسا هاربة مع أسرتها الصغيرة من جحيم حارتها السورية، وهي تحب هذه القناة.

ذهبت الأم إلى المطبخ. أجهشت بالبكاء وهي تحاول أن تخفض من صوت آهاتها. لم تتصور يوما أنها ستلجأ إلى فرنسا طالبة الأمن والأمان لها ولأسرتها الصغيرة، هاربة من جحيم حرب حمقاء أحرقت بلدها، مدينتها وحارتها. حرب خطفت منها ابنتها البكر. حرب لعينة اغتالت حياتهم وأحلامهم وأحبابهم.

مر أمامها شريط  ذكريات تشبه الجحيم. جحيم عاشوه منذ بدأت الحرب، مرورا بمعاناة الخروج من سوريا وتركيا لكي يصلوا أخيرا إلى فرنسا. أغمضت عينيها مذعورة عندما تذكرت كل هذا الهول. أما شريط صور الأطفال القتلى السوريين بدوما، مدينتها التي هُجّرت منها، فما إن مر أمام عينيها حتى انهارت وسقطت أرضا تبكي أطفالا صغارا… أطفال قد يكون ضمنهم أبناء أخيها وجيرانها… قد يكون منهم أحد تلامذتها.

قطع صوت صغيرتها غرقها في الألم. تستعجل الطفلة الحليب الساخن والحلوى الفرنسية التي تحب. مسحت دموعها ورسمت ابتسامة على شفتيها المشققتين من جراء كثرة العض عليهما كلما أرادت كتم صرخات ألمها وآلام وطنها وآلام كل الأبرياء؛ حتى  لا تصل لصغيرتها التي تعيش ذعرا رهيبا و دائما… رعب تحاول جلساتها مع  الأخصائية  النفسية أن تخفف منه.

اقرأ أيضا: من نيويورك، هشام الرميلي يكتب: “سي محمد الريحاني”، ذاك الذي علمنا معنى الوطن… ومعنى الحرية

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *