×
×

من نيويورك، هشام الرميلي يكتب: “سي محمد الريحاني”، ذاك الذي علمنا معنى الوطن… ومعنى الحرية

يكتب هشام الرميلي شهادة امتنان في حق أستاذ للغة العربية… ساهم في صنع جيل من الشباب يتفتق لديه الوعي السياسي والحقوقي… وحب اللغة العربية.

تضامنا مع كل الأساتذة المتعاقدين….

إلى كل أساتذتي الكرام الذين تعلمت على يدهم…

كان درس اللغة العربية أحب الدروس إلي… كانت تثيرني نصوص المطالعة الجميلة وقصائد الشعراء، لكني لم أكن أبدي نفس الحماسة والشغف بدروس النحو والصرف، قواعدها الجامدة والصارمة، لم تكن تناسب ذوقي المفتون باللغة و أساليبها.

ذات يوم من منتصف السنة الدراسية، سيتم تغيير أستاذة اللغة العربية لتلتحق بالإدارة، وسيعوضها أستاذ مفتون باللغة من رأسه حتى قدميه، ومتعصب شديد لقواعدها.

سيكون درس اللغة العربية مع أستاذنا الجديد، أولى دروسنا السياسية التي ستطبع مسار العديد من تلامذته.

دخل حجرة الدرس، وهو يرسم على شفتيه ابتسامة مريحة، خففت من توجسنا وقلقنا خيفة من الأستاذ الجديد… نحيل الجسد، فارع الطول، ينسدل شعره الأسود البراق على جبهته، ويحمل محفظة جلدية سوداء. ألقاها فوق مكتبه وبادرنا بتحية جميلة كسرت وطأة التوجس، لكنها لم تفرط في التوقير الواجب في حق الأستاذ.

اقرأ لنفس الكاتب: بائعة الكبريت وراعي الغنم

ما إن إسترسل الأستاذ في الحديث، حتى استرعى انتباه التلاميذ، وخيم على الفصل صمت مطبق.

أخذنا ننصت للزائر الجديد… كانت لغته العربية أصيلة، أنيقة ورائقة، تزينها لكنة جنوبية خفيفة.

ذهب بنا الأستاذ بعيدا عن مقررات الدراسة، واستغرق في حديث ودي سيدشن لمرحلة رائعة في الإستمتاع باللغة ومكنوناتها، وسبر أغوارها، وإدراك أسرارها، وسيصبح درس اللغة العربية عند سي محمد الريحاني، أولى العتبات للإنخراط في “التحليل الملموس للواقع المنحوس” كما كان يقول دائما.

لقد بدأت قصتنا معه على طاولات الفصل، وتتوجت بالإنخراط معه في محطات نضالية، في مراحل لاحقة، للدفاع عن أحلام البسطاء، الذين كان دائما إلى جانبهم، يعيش وسطهم يناصر قضاياهم ويدافع عنهم، ولا يهادن.

بصيغة أخرى، سيكون درس اللغة العربية مع أستاذنا الجديد، أولى دروسنا السياسية التي ستطبع مسار العديد من تلامذته.

كان التغيير واضحا منذ اليوم الأول. مسح المعلم تاريخ التقويم الميلادي من السبورة، وكتب مكانه بخط جميل التاريخ الموافق بالتقويم السرياني.. أغوتنا الأسماء السريانية الجميلة (كانون الثاني، شباط، أذار…) وشدنا الأستاذ بأسلوبه “اللذيذ”، وهو يحلل قصيدة معروف الرصافي “ناموا و لا تستيقظوا”. لم يدع فرصة تمر إلا وأسقط دلالات القصيدة على “الواقع المنحوس”، وفي كل مرة كان ينتقد فيها النظام البئيس، ويسب رموزه، كان الإعجاب به يزيد ويترسخ عند التلاميذ.

اقرأ أيضا: هشام روزاق يكتب: من يحكم المغرب؟ … “جهات ما”

كان هو من أقرأنا قصائد درويش وسميح القاسم وفدوى طوقان، ولا أزال أذكر انفعاله وهو يلقي قصيدة درويش، حين وصل إلى مقطع: سقطت يدك، إلتقطها.. واضرب عدوك لا مفر!

إرتفع صوته واحتد، ولوح بيده كأنه يلقي حجرا في الهواء.

أفهمنا “المعلم” أن الرجولة فضيلة ومواقف، وبدونها يصبح الذكر بؤرة للعفن، ومطرحا للقاذورات.

أغرمنا بشعر المقاومة على يديه، وأوغر في قلوبنا ضد الظلم المستشري في العالم. حكى لنا عن سنوات الجمر والرصاص، وأصبحنا أصحاب قضية، ففلسطين مغتصبة، والعالم العربي يرزح تحت نير الاستبداد، وعلى يديه تعرفنا على رموز المقاومة: بنبركة وغيفارا وكاسترو.

كان هو من عرفنا على قصائد أحمد فؤاد نجم و أغاني الشيخ إمام، وكانت قصيدة “اللحمة والفول” التي أغرمنا بمعانيها وطريقة إلقائه الساخرة لها، أول تلخيص لقصة الصراع الطبقي والتوزيع غير العادل للثروات.

إهتم الريحاني بتربية تلامذته على الفضيلة والأخلاق، ولم يترك مناسبة إلا وحث عليها، فإختار لنا قصيدة لنزار قباني يحاول فيها رجل التخلص من خطيئته، بإسقاط حمل امرأته مقابل دراهم معدودة، فتجيبه بكل إباء : هذا إذن ثمني/يابؤرة العفن/حسنا سأسقط الحمل/أنا لا أريد له أبا نذلا.

أفهمنا “المعلم” أن الرجولة فضيلة ومواقف، وبدونها يصبح الذكر بؤرة للعفن، ومطرحا للقاذورات.

اقرأ أيضا: سعد سرحان يكتب لمرايانا: المرأة مخفورة بالذكورة

لم يكن معلما في حضوره فقط، بل حتى في غيابه عن المدرسة أوصل رسالة للتلاميذ. كان ذلك يوم وفاة الوطني الكبير عبد الرحيم بوعبيد. كنت قد انتقلت الى مستوى آخر ولم يحالفني الحظ لأكون من تلامذته مرة أخرى. دخل كل التلاميذ فصولهم إلا تلامذة السي الريحاني، فقد بقوا ينتظرون في الساحة.

شاع الخبر في المؤسسة: لم يأت الأستاذ الريحاني، لقد ذهب إلى الرباط لتشييع رمز اليسار والمناضل الكبير.

حين خرجنا للإستراحة، لم يكن من حديث يدور بين التلاميذ، سوى عن الراحل الكبير وفكرته، وتاريخه، وخصامه الشهير مع الحسن الثاني… كنا نتحدث بإعجاب كبير، وكانت فكرة جميلة،حارة، تتفتق براعمها بين شغاف القلب وتتشكل في الوجدان.

لم يكن يكدر صفو هذه العلاقة الجميلة بين الأستاذ و تلامذته إلا حصة النحو… كان الريحاني يتحول إلى أستاذ صارم، لا يهادن، ولا يتسامح مع المخطئين… كانت قواعد اللغة في تقديره قوالب مقدسة لا يجوز العبث بها، كانت بالنسبة إليه أشبه بقواعد صواريخ، وليس قواعد لغة، فيتحول الفصل إلى شبه محكمة للتلاميذ “المتواطئين” على اللغة العربية ومستقبلها… كانت تهمتهم الشنيعة التي لا يغفرها “المعلم” ولا يصفح، هي عدم ضبطهم وإتقانهم لتراكيب اللغة، وظواهرها نحوا وصرفا.

رغم نفورنا من حصة النحو، إلا أنه كانت هناك فسحة للتسرية، حين يقوم الأستاذ بشكل القطعة على السبورة. كان حين ينتهي من شكل الجملة الأولى، لايعود إلى بداية الجملة الثانية ليبدأ بشكلها، بل يقوم بذلك من آخرها رجوعا إلى أولها. فكنا نسر بذلك كثيرا، ونتفكر أن هناك ما يستحق الإعجاب، ويستدعي الإتقان، وأن هناك لذة ممكنة داخل هذا العبئ والشقاء، الذي خلفه لنا الفراهيدي وسيبويه.

اقرأ أيضا: حفيدات فاطمة الفهرية أو التنوير بصيغة المؤنث: المدرسة والمستشفى قبل المساجد في عصرنا

تجذرت علاقتنا بالأستاذ، وكان لافتا منظره وهو يمشي وسط تلامذته، في اتجاه المدينة القديمة حيث يقطن. لم يكن يكفيهم الدرس وساعاته، كانوا يمشون وراء المعلم يستزيدون من كلامه ويفكهون لطرافته… كان مؤمنا برسالته التعليمية، ودوره في حياة هؤلاء التلاميذ…

لقد تركوا كل لصوص الوطن وكل الأفاقين، ووجهوا هراواتهم نحو المعلمين، ومزقوا التعليم كل ممزق، حتى لا يتكرر مشهد الأستاذ وهو يمشي يتبعه تلامذته، يتعلمون منه مبادئ التحليل الملموس للواقع المنحوس.

لم يكن يهيئ تلاميذ ناجحين فقط، ولكن كان يصنع رجالا يعرفون كيف يحللون واقعهم المنحوس، ويعرفون كيف يتخدون مواقفهم، والأكثر من ذلك يعرفون من هو طرف الصراع الآخر في معركتهم…

لقد بدأت قصتنا معه على طاولات الفصل، وتتوجت بالانخراط معه في محطات نضالية، في مراحل لاحقة، للدفاع عن أحلام البسطاء، الذين كان دائما إلى جانبهم، يعيش وسطهم يناصر قضاياهم ويدافع عنهم، ولا يهادن.

في مسرحية المهرج التي أخرجها الأستاذ الريحاني، وقدمها مع تلامذته، يخبر المهرج صقر قريش العائد من أعماق التاريخ، في رحلة عبر الزمن، بأفاعيل الشرطة وأساليبها في التنكيل بالشعب، فيستنكر ذلك ويتساءل مستغربا: الشرطة؟! أليسوا هم أولئك الناس البسطاء الذين يحملون الهراوات ويقبضون على اللصوص والأفاقين؟

يحزنني أنهم تمادوا في كل شيء، حتى لم تعد الوزرة البيضاء ووقار المعلم ورسالته، تشفع له وتضمن له التوقير اللازم والإحترام.

لقد تركوا كل لصوص الوطن وكل الأفاقين، ووجهوا هراواتهم نحو المعلمين، ومزقوا التعليم كل ممزق، حتى لا يتكرر مشهد الأستاذ وهو يمشي يتبعه تلامذته، يتعلمون منه مبادئ التحليل الملموس للواقع المنحوس.

اقرأ أيضا: فاطمة أبدار تكتب: زمن العهر…إذلال المدرس، تبرير العنف

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *