×
×

#ألف_حكاية_وحكاية: مختطفة تنجداد 2\2

قراءة الجزء الأول من الحكاية على هدا الرابط. — سرى الخبر في تنجداد كلها عن اختفاء فطيمة الفجائي، وتردد أنها ركبت سيارة إلى وجهة غير معلومة. فكرت أن فطيمة حققت …

قراءة الجزء الأول من الحكاية على هدا الرابط.

سرى الخبر في تنجداد كلها عن اختفاء فطيمة الفجائي، وتردد أنها ركبت سيارة إلى وجهة غير معلومة.

فكرت أن فطيمة حققت حلمنا السري في ركوب سيارة وأنها بدون شك قد ساهمت في عملية خطفها. كنت بدوري أفكر أيامها أن الوسيلة الوحيدة للهروب من الكدر اليومي، هو أن يخطفني أحدهم وأن يذهب بي إلى أي مكان آخر في العالم فيه متسع لقلب طفلة حزينة. كان اللعب أمام المنازل الجديدة خطيرا جدا، إذ أنها محاذية لطريق الوحدة وهي طريق تمتد من طنجة الى الكويرة ويعبر منها غرباء كثيرون. لا أحد يعرف ما يمكن أن يحدث لطفلات يلعبن على قارعة الطريق. الأمهات لم تكن حذرات يما يكفي. ثم إنه لم يكن هناك وسيلة للتسلية خارج مراقبة السيارات التي تمرق بسرعة.

كنا نتخيل وجهاتها فنحكي لبعضنا البعض حكايات السيارات التي تعبر من الواحة. كنا نحلم أن نذهب بسيارة إلى أي مكان، فقط لنرى هل هناك عالم آخر وأناس آخرون خلف جبل تنجداد. كنا نريد أن نهرب من واقع الحال في تنجداد، فالأنهار بدأت تجف وواد أساكم في غردميت نضب ولم يبق منه غير خيط رفيع تتعب النساء لملئ القلل من مائه؛ ناهيك عن الأسماك التي لم تعد تعيش فيه نهائيا.

اقرأ أيضا: #ألف_حكاية_وحكاية: الكيس والأنكيس

رحيل الأسماك عن أساكم كان نذير شؤم، فهذا كان يعني أن الصحراء تزحف نحونا بأقصى سرعة وأننا يجب أن نرحل جميعنا عن هذا المكان. كان واضحا أن ذلك قادم لا محالة، فمعظم الرجال غائبون عن الواحة من أجل العمل في المدن، ولن نتأخر في أن نصبح جميعا مختفين من تنجداد أو مختفين تحت أكوام الرمل الذي يملأ عيوننا كلما هبت الريح. بل إن الرمل استقر في أراضي البور كأشتام وغيرها.

صارت تاشويت أكثر حزنا منذ أن غابت ابنتها. كانت في الغالب تلبس أعبان تيكشبيلة الأسود وتضع خرقة سوداء على شعرها، بالرغم من أنها، في الزمن الماضي، كانت تضع ألوانا فاقعة هي ألوان قبيلتها  البعيدة.

كنت أنتظر أن يتم أبي دراسته من أجل أن نختفي نحن أيضا من الواحة، ولكي أكتشف الأشياء العجيبة التي في المدن كالماء الذي يسيل من شيء إسمه “الروبيني” (صنبور الماء). كنت أتعب في تخيل هذا “الروبيني”.

خلال رحلته الأخيرة، سخر مني أبي لأنني لم أستطع تخيل ذلك الشيء الآخر العجيب الذي قال إنه عبارة عن قصعة معلقة إلى جدار، يمكن غسل الوجه واليدين فيها. قال إن إسمها “لافابو”.

فيما بعد، حين رحلنا إلى ميدلت، اكتشفت اللافابو: المغسل.

انتبهت الأمهات أخيرا أن لعبنا بمحاذاة الطريق أمر خطير، خاصة خلال فترة الصباح التي كنا فيها وحيدات أمام طريق تعج بالعابرين.

كانت طريق الوحدة إمتدادا لتاريخ العبور بتنجداد، إذ أن تنجداد تسمى كذلك، لأنها كانت تعرف بتين انجدا، أي مدينة الرجال العابرين إلى التوات والسودان منذ غابر العصور.

اقرأ أيضا: #ألف_حكاية_وحكاية: يوتوبيا في القرن الواحد والعشرين

لم نكن معنيات بتاريخ العبور في تنجداد، لكن اختفاء فطيمة جعل الأهالي يلتفتون إلى خطورة لعب البنات قرب الطريق. هكذا، صرنا نلعب داخل بيوتنا أو نذهب إلى قصر آيت عاصم ونلعب بمحاذاة أعفير، وهي الأخاديد المحفورة خارج القصبة لحمايتها في الزمن الماضي. سيطرت على القرية حالة من الرعب بعد اختفاء فطيمة ولم يعد هناك من حديث غير تلك الحادثة.

صارت تاشويت أكثر حزنا منذ أن غابت ابنتها. كانت في الغالب تلبس أعبان تيكشبيلة الأسود وتضع خرقة سوداء على شعرها، بالرغم من أنها، في الزمن الماضي، كانت تضع ألوانا فاقعة هي ألوان قبيلتها  البعيدة.

كنا نبكي ونحن نسمع تلك الحكاية العجيبة. كنا أيضا متحمسات لمعرفة اللاحق من الأحداث. هل ستعود فطيمة إلى حضن أمها؟ هل ستفضل أن تبقى مع الناس الذين ربوها؟ هل ستعود إلى تنجداد أم أنها ستفضل الإستمرار في العيش في آزرو؟

كانت تبدو في حداد دائم على ابنتها. كانت تتحدث عنها طيلة الوقت وتذكر محاسنها وتتغزل بجمالها وتتساءل إلى أين حملتها السيارة الغادرة.

كنا نذهب عندها من حين لآخر وأراها وهي تمخض الحليب ليصير لبنا. كانت تغني أغنية حزينة ليست أغنية المخض العادية. كانت أغنية حداد تقول كلماتها بالأمازيغية: “استرحلد يا الراحلة ياكمديغيت ربي دا النبي ايغان اعراب” (هل رحلت يا راحلة؟ ليغثك الله والنبي العربي).

الغوث في المناطق الأمازيغية لا يمكن أن يأتي إلا من العربي ومن النبي، أجمل العرب؛ فعليه يعول في الغوث.

رأيتها في عزاء أخ زوجها وهي تبكي هذا الأخير وتبكي فطيمة في نفس الآن. كانت تشعر، بحدسها، أن ابنتها ماتت مقتولة. ما كان يخيفها ويقطع أوصالها هو أن تكون ابنتها قد اغتصبت قبل ذلك.

اقرأ أيضا: #ألف_حكاية_وحكاية: داروين، القرد، آدم والمقرر المدرسي

مرت الأيام وعدنا إلى اللعب بمحاذاة الطريق كما في السابق. عدنا إلى لعبتنا الأثيرة: تخيل الراكبين في السيارات وتخيل حيواتهم البعيدة عنا. كنا بدون سيارات، وكان أي شخص راكبا سيارة يبدو لنا شخصا خارقا للعادة. كنا نلعب ونحن نعرف أن في الأمر خطورة، لكننا كنا نفعل ذلك بإحساس بالتحدي. تحدي تهميشنا نحن أبناء تنجداد الفقراء والمفتقدين لأية وسيلة ترفيه وتسلية خارج الرمل وأكوام الحجارة التي كنا نخترع منها ألعابا.

مرت السنون، وسكننا مدينة آزرو وعادت ذكرى فطيمة ملحة علي. لا أعرف لماذا سيطرت علي فطيمة واختطافها منذ اللحظة الأولى التي سكنا فيها آزرو. كنت أتخيلها وقد كبرت، وأتساءل هل ذهبت إلى المدرسة أم أن اللذين خطفوها استخدموها في بيتهم وجعلوها تشتغل كعبد لا يعرفه ولا يرحمه أحد. كنت أتساءل لو التقيتها، هل أتعرف عليها؟ كنت أنا نفسي خائفة أن أخطف في مدينة آزرو التي بدت لي كبيرة وموحشة وتغص بأحاديث النساء عن الخطف والإغتصاب وحوادث الحمل.

كنا نلعب ونحن نعرف أن في الأمر خطورة، لكننا كنا نفعل ذلك بإحساس بالتحدي. تحدي تهميشنا نحن أبناء تنجداد الفقراء والمفتقدين لأية وسيلة ترفيه وتسلية خارج الرمل وأكوام الحجارة التي كنا نخترع منها ألعابا.

أتى يوم جاءت إلى زيارتنا سيدة، خلت أنني أعرفها. سألت أمي فقالت: “ألا تذكرينها؟ إنها تاشويت، جارتنا في آيت عاصم. لقد وجدت إبنتها فطيمة في آزرو”.

بعد الغذاء، أحطنا بتاشويت وحكت لنا عن ظهور ابنتها: “كانت زوجة أخي في زيارة لإحدى قريباتها في آزرو وذهبت معهن إلى الحمام. وبينما كانت تخلع ملابسها، رأت شابة تنظر إليها بإمعان. حين بدأت في فك شعرها من ربطة إخربان، تقدمت إليها الشابة وسألتها من أية منطقة هي، فقالت لها من تنجداد.

استطردت الشابة وقالت لها إنها تتذكر امرأة كانت تصفف شعرها بنفس الشكل، لكنها لا تتذكر من تكون تلك المرأة.

استمرتا في الحديث، فقالت لها الشابة إنها تتذكر قرية صغيرة كانت تلتف حول طريق طولية وكانت هي تلعب بمحاذاة الطريق. تذكر أنها كانت تحمل طفلا صغيرا على ظهرها يبزق على شعرها طوال الوقت. تتذكر دراجة نارية توقفت وحملتها إلى مدينة كلميمة ومنها إلى الراشيدية وآزرو. كبرت ولم تنس طريقة تصفيف الشعر تلك، التي تشبه تصفيفة السيدة التي التقتها في الحمام.

اقرأ أيضا: #ألف_حكاية_وحكاية: الوريثة

تابعت تاشويت: “فاضمة، زوجة أخي، تعرفت مباشرة على فطيمة. أخبرتها بالحقيقة وأنها بنت تاشويت وقد اختطفت قبل خمسة عشر سنة. عانقتها وفرحت بها. أخذت عنوانها وها أنا قد جئت لأتعرف على ابنتي ولآخذها معي” .

كنا نبكي ونحن نسمع تلك الحكاية العجيبة. كنا أيضا متحمسات لمعرفة اللاحق من الأحداث. هل ستعود فطيمة إلى حضن أمها؟ هل ستفضل أن تبقى مع الناس الذين ربوها؟ هل ستعود إلى تنجداد أم أنها ستفضل الإستمرار في العيش في آزرو؟

خلال رحلته الأخيرة، سخر مني أبي لأنني لم أستطع تخيل ذلك الشيء الآخر العجيب الذي قال إنه عبارة عن قصعة معلقة إلى جدار، يمكن غسل الوجه واليدين فيها. قال إن إسمها “لافابو”.

كانت تاشويت متأكدة أنها ستحمل ابنتها معها وتمضي بها إلى تنجداد. هناك، ستعيش معها وتعوضان الزمن الضائع. لاشك أن لها أحاديث لا تنتهي تحكيها لابنتها. لاشك أنها تريد أن تأخذها في حضنها ولا تتركها تغيب عنها لحظة واحدة. كانت التساؤلات تملؤني وأنا أفكر أي موقف سيكون لفطيمة الآن وقد كبرت في آزرو وربما تعلمت.

مر اليوم وأنا انتظر عودة تاشويت من عند ابنتها. عادت في المساء وحيدة. “أين فطيمة؟”، سألتها؛ فردت بصوت أقرب إلى النواح: “فطيمة سرقتها مني المدينة الغدارة. إبنتي لا تريد أن تعود معي إلى تنجداد. إنها ممرضة الآن، وحياتها في آزرو كما قالت. قالت إنني أمها التي ولدتها ولكنها لن تستغني عن الأم التي ربتها وعلمتها. قالت أيضا إنها لو بقيت معي، لما تعلمت ولما صارت ممرضة كبيرة. بالفعل، لم أكن أريدها أن تشتغل. كنت أريدها ربة بيت مثلي… أن تتزوج ابن عمها وتكون سيدة بيت ناجحة وتحافظ على سير حياتنا. نحن لا نعلم البنات”.

اقرأ أيضا: #ألف_حكاية_وحكاية: سنطرد المومسات…

فطيمة اختارت قدر الشغل وعيش المدن. ماذا كان لها أن تختار؟ أن تعود إلى وقفتها أمام طريق الوحدة الخطيرة، أم إلى ريح الشموم أم إلى قدر الجفاف الذي سيجعل كل أناس تنجداد يتمنون أن تخطفهم سيارة عابرة لتعبر بهم إلى الهضاب والسهول؟

كانت تاشويت تبكي وهي تقول: “نحن فقراء ولا شيء لدينا نعطيه لفطيمة… ربما يكون بإمكانها مثلا أن تطلب تعيينها بمستوصف تنجداد؟ هكذا تداوي أناس واحتها”.

لم يكن ممكنا أن تعود فطيمة إلى ما كان… اختارت أرضا سهلة. أرضا من ماء ومن مطر. هل تحاسب لأنها خانت تنجداد؟ ألم نخن جميعنا تنجداد؟

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *