×
×

#ألف_حكاية_وحكاية: الكيس والأنكيس

كنت أزورها بالعمامرة قرب مدينة القصر الكبير، شمال المغرب. كانت تسكن في “نوالة” أو “عشة” بالقرب من مزرعة البرتقال التي يحرسها أحد أقربائي. كنت أمر بالقرية وأنا عائدة من جولاتي …

كنت أزورها بالعمامرة قرب مدينة القصر الكبير، شمال المغرب. كانت تسكن في “نوالة” أو “عشة” بالقرب من مزرعة البرتقال التي يحرسها أحد أقربائي. كنت أمر بالقرية وأنا عائدة من جولاتي في الشمال. أتوقف عند قريبي، أمده بزجاجة ويسكي مهربة ويمدني بكاجو الليمون. يحادثني عن عوالم المزارع، وهي وحدها مغرب قائم بذاته: مغرب الإقطاع والريع. يحدثني عن مزارع الجنرالات والبرلمانيين والوزراء الذين اغتنوا على ظهر الذين يمثلونهم.

كان الاغتناء من المسؤولية الإدارية أو السياسية أمرا طبيعيا. لقد أطلق النظام أيدي المسؤولين على أموال الشعب ليضمن استقراره. مأسس الرشوة والإغتناء غير المشروع.

الشعب أيضا يريد الإغتناء… لهذا، فكل فرد يستغل منصبه من أجل الربح السريع.

كنت أحدث قريبي عن أشياء من هذا القبيل. نختلف ويرد علي معتبرا أننا بدون القبة الشريفة نضيع.

اقرأ أيضا: #ألف_حكاية_وحكاية: سنطرد المومسات…

رغم الفقر، يبقى المغاربة ملكيين حتى النخاع. الملكية نوع من الأسطورة  التي يحتمون بها من الإقتتال. لم أكن أطيل كثيرا في النقاش، لمعرفتي أن لا سبيل لإقناع الشعب بأن يهب ويثور على الأوضاع المقلوبة.

كان يختفي تحت شجرة قرب الدركيين الواقفين أمام القرية وكلما قبضوا رشوة خبؤوها عنده. يعطونه ثلاثين درهما في اليوم. إنه موظف.

كنت أكتفي بملاحظات على المزرعة وعلى حداثة تجهيزاتها وأتمنى كثرة الخير لأصحابها؛ أما نحن فلنا الصبر. كنا، ونحن خارجون من المزرعة، نتوقف عند فنيدة، فابراهيم قريبي يعزها كثيرا. لعل الأمر أكثر من المعزة الأخوية؛ ففنيدة التطوانية امرأة في الأربعين حافظت على كل جمالها بالرغم من العدم الذي تعيش فيه.

كانت آثار جمال بائد ظاهرة عليها رغم محنة الترمل وتربية أبنائها وحيدة في قرية لا ترحم. كنت ألاحظ أن قريبي يسترق النظر إليها، وفي بعض الأحيان أباغته وهو مركز على جيدها الأبيض الناصع. كان لها ابنان فشلا في الدراسة وكان ذلك جل ألمها.

كم تمنت أن يفلح الطفلان في الدراسة، لكنهما غادراها في المستوى الإعدادي دون أي ديبلوم. حتى التعليم المهني، لم يفلحا فيه.

لم تكن تكف عن الشكوى من هذا الموضوع، وكان ذلك بؤرة حزنها وهمها في تلك الحياة الكئيبة التي تعيشها في نوالة على أطراف قرية مهمش مركزها ومحيطها.

اقرأ أيضا: #ألف_حكاية_وحكاية: يوتوبيا في القرن الواحد والعشرين

كان كل همها هو أن تجد عملا لابنيها، لكنهما يهابان الأشغال اليدوية. كانت تقول باستمرار:

–      ابناي لا يستحقان البهدلة ولن يحتملانها.

كانت كلماتها غير واقعية بالمرة؛ فأين سيجد ولداها عملا في المكاتب وهما لم يتعلما؟ كنت أكاد أقول لها أنه عليها أن ترضخ للأمر الواقع وتبعث بهما إلى ورشة للبناء أو ما شابه.

كنت ألاحظ أن قريبي يسترق النظر إليها، وفي بعض الأحيان أباغته وهو مركز على جيدها الأبيض الناصع.

لم أقل لها ذلك، وكنت أكتفي بالقول: “الله يسهل”. لأنني من الرباط ولي عمل، كانت توصيني كل مرة أن أبحث عن عمل لابنيها في الرباط. وهنا أيضا، كنت أرد: “الله يسهل ويدير اللي فيها الخير”. أين سأجد عملا لشابين ليس لهما إلا الإعدادية، وإخوتي مجازون عاطلون؟

كانت فنيدة تهيئ لنا الشاي وتضع قطع حلوى المهيبيلة على المائدة. نشرب ونأكل الحلوى وتحدثنا عن آخر زياراتها إلى الفقهاء والعرافين من أجل حل النحس الموضوع لإبنيها. الفقيه قال أنه الأنكيس، وهو أشد أنواع النحس. لفكه، يلزم زيارة ضريح آل خليفة بثلاثاء زعير وذبح ديك بلدي هناك.

اقرأ أيضا: #ألف_حكاية_وحكاية: داروين، القرد، آدم والمقرر المدرسي

لم تكن فنيدة تملك ثمن الزيارة. ولإيماني أن الأضرحة هي حج المسكين،  أعطيتها مائتي درهم علها تزور أولاد خليفة وتطمئن قليلا.

زرتها آخر مرة عام .2000 كنت عائدة من جهجوكة، القرية الأسطورية. جلست إلى شايها وحدثتني عن انفكاك عقدة أحد أبنائها. ذهبت إلى أولاد خليفة وجبروا خاطرها وأوصلوا شكواها إلى من في السماء. لقد وجد ابنها عملا. ليس عملا يدويا يشقى فيه، بل عملا فريدا من نوعه. قالت وهي مبتهجة:

–      إنه يحرس الكيس

–      أي كيس؟

–      كيس رجال الدرك. يختفي تحت شجرة قرب الدركيين الواقفين أمام القرية وكلما قبضوا رشوة خبؤوها عنده. يعطونه ثلاثين درهما في اليوم. إنه موظف.

هكذا فك الأنكيس بالكيس… هكذا وجد ابن فنيدة عملا لا يتبهدل فيه، بل ينظر إلى أناس آخرين يتبهدلون ويدفعون لأناس استلهموا سير بعض الجنرالات الذين جعلوا من البلد غنيمة…

تعليقات

  1. جواد

    حاولت لمس شئ من الواقع لكن الأسلوب ركيك شيئا ما….على العموم إستمري والله الموفق….

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *