×
×

يهود المغرب و الحمايات 1859-1912…أسباب إقبال يهود تطوان على الحمايات 3/5

تابعنا في الجزء الأول والجزء الثاني من هذا الملف، بدايات ظهور الحمايات في المغرب، وتعامل المغاربة اليهود معها، وتأثير ذلك على التركيبة المجتمعية والمخزنية. في هذا الجزء الثالث، نواصل اقتفاء …

رشيد القروي: باحث في التاريخ وأنطروبولوجي وأستاذ السوسيولوجيا في جامعة الاكسترمادورا بإسبانيا

تابعنا في الجزء الأول والجزء الثاني من هذا الملف، بدايات ظهور الحمايات في المغرب، وتعامل المغاربة اليهود معها، وتأثير ذلك على التركيبة المجتمعية والمخزنية.

في هذا الجزء الثالث، نواصل اقتفاء أثر الحكاية، من خلال تحليل أسباب وخلفيات توجه يهود تطوان أساسا، باعتبارهم مادة البحث في هذا الملف، نحو الحمايات الأجنبية.

ختمنا الجزء الثاني من هذا الملف، بالقول إن اقتصارنا على تفسير هذه المسألة بوجود إرادة التخلص من السلطة المخزنية ومن وضعية الذمة، وبالتالي الترقب المستمر لأوروبا/المهدي المنتظر، لإخراجهم من وضعية اجتماعية أصبحت غير محتملة لدى البعض على الأقل، قصد إدماجهم في مواقع متميزة داخل التراتب الاجتماعي الذي أصبح يعرفه المغرب فيما بعد، وإعطائهم امتيازات جديدة كانت مقتصرة على المسلم فيما قبل، بل أحيانا كثيرا ما كانت تتجاوز هذا الحد؛ قد يكون مجانبا للصواب.

إن هذا التفسير يبدو أحادي الجانب، ذلك أنه يغيب، عن وعي أو غير وعي، الخلفية السياسية والاقتصادية للدول الأوروبية واستراتجيتها المقصودة من الحمايات. هاته الاستراتيجية، كانت تتجلى في استغلال الدينامية التجارية والنقدية للعنصر التجاري اليهودي داخل الملاح، وعندما تكون هذه الأخيرة (الدينامية التجارية والنقدية) بعيدة داخل بعض القبائل النائية، كدمنات مثلا وغيرها، فإن مسألة تعيين محميين يهود للدول الأجنبية في الملاح، يسهل مهمة الممثلين (ممثلي الدول الأجنبية) حتى في المناطق النائية، وبالتالي، لعب دور الوسيط التجاري بين أوروبا وداخل المغرب النائي، الذي كانت تصل إليه السلع المستوردة ويصدر المواد الفلاحية. وبهذا تمت الاستفادة من هدا العنصر اليهودي أقصى ما يمكن تحت غطاءات واهية ومختلفة التلاوين. ويمكن أن نخلص مع الأستاذ كنبيب الى أن توظيف اليهود، كان لأغراض سياسية واقتصادية فقط، ودليلنا على هذا، أن الاجانب كانوا يعاملونهم أيضا بنوع من العنصرية و اللاسامية، و ذلك بحرمانهم من الوظائف العليا داخل الدولة.

استقطاب اليهود المغاربة من طرف الأوروبيين تحت غطاء الحماية، كان استقطابا ملغوما وله أهدافه المبيتة، ذلك أن المغرب كان قد عرف اكتساحا سلميا، خاصة على المستوى التجاري من طرف الدول الأوروبية، الشيء الذي صعد من تنافس هذه الدول حول السباق من أجل كسب أكبر عدد من المحميين.

إذا كنا هنا قد ركزنا على الجانب السلبي للممارسات الأوروبية على اليهود المغربة، واقتصرنا على تعرية الخلفية الكامنة وراء حمايتهم، فيبقى أن نتحدث عن التحول الاجتماعي الذي طرأ على هؤلاء اليهود تحت تأثير هذه الحمايات، وعن ردود فعل المغاربة المسلمين على هذا التحول.

إقرأ أيضا: الحريديم، الأكثر التزاما بالديانة اليهودية والأكثر تشددا على النساء. “طالبان” اليهود؟

في بداية معالجة هذا العنصر، تبدو لنا ضرورة إثبات بعض الحقائق التاريخية عملية مهمة في هدا الاطار، ويتعلق الأمر هنا بالرجوع الى علاقة اليهود بالحمايات، أي بعبارة أوضح، هل لجأ اليهود المغاربة إلى الحمايات طواعية أم تحت شكل من أشكال الضغط المباشر وغير المباشر.

هنا نرجع إلى اتباث ما قلناه أعلاه، وهو أن استقطاب اليهود المغاربة من طرف الأوروبيين تحت غطاء الحماية، كان استقطابا ملغوما وله أهدافه المبيتة، ولكن هناك ما هو أهم من هذا، ونقصد هنا، ما كان قائما على مستوى الواقع المغربي في أواخر القرن التاسع عشر، ذلك أن المغرب كان قد عرف اكتساحا سلميا، خاصة على المستوى التجاري من طرف الدول الأوروبية، الشيء الذي صعد من تنافس هذه الدول حول السباق من أجل كسب أكبر عدد من المحميين، مستعملين من أجل ذلك صيغا قانونية وإيديولوجية.

اليهود على الخصوص هم الذين كانوا مؤهلين لتلبية هذه الرغبة، بحكم تزامن هذا الاكتساح ببروز الشعور بضرورة الانفلات من وضعية الذمة، زيادة على دورهم التجاري المعروف في التاريخ المغربي، الذي أصبح يبرز أكثر مند منتصف القرن التاسع عشر، حيث إنهم كانوا الأوائل الدين استفادوا من تزايد الاوربيين في المغرب وكذلك من حجم المبادلات بعد سنة 1856.

كان لابد إذن، حسب هدا المنطق، أن يكونوا العنصر الاجتماعي المستعد ليذهب بعيدا بهذه الحمايات، بالإضافة الى عنصر آخر لا يقل أهمية، وهو منطق المصلحة الذي أصبح يسيطر على نخبة يهودية، بجانب أخرى مسلمة، وهو الاستفادة من فرص الحمايات و من امتيازاتها، ذلك ان تفضيلهم للحماية الأجنبية عن البقاء تحت رعاية السلطة المخزنية، كان بدافع هدا المنطق حيث أن الأولى تخول لهم نفس الحقوق، بل أنها أكثر من هذا، تجعلهم غير خاضعين للقوانين، وبالتالي القيام بكل التعسفات وإعاقة الإدارة المخزنية، هذا بالإضافة الى تراكم الأموال بدون تأدية أية ضريبة.

اليهود على الخصوص هم الذين كانوا مؤهلين لتلبية هذه الرغبة، بحكم تزامن هذا الاكتساح ببروز الشعور بضرورة الانفلات من وضعية الذمة، زيادة على دورهم التجاري المعروف في التاريخ المغربي، الذي أصبح يبرز أكثر مند منتصف القرن التاسع عشر

الحمايات إذن، كانت قد أحدثت تحولا واضحا على المجتمع المغربي في منتصف القرن التاسع عشر، و ساهمت بشكل عميق في إعادة تركيبه، الشيء الذي أدى الى ظهور طبقة من الوسطاء في المغرب، تتوسط بين الأوروبيين على الساحل و بين المغاربة بالداخل، وأصبحت غنية وميسورة بشكل سريع. يقول مييج إن المحميين يغتنون بسرعة، ذلك أنهم ضروريون بالنسبة الأوربيين، لأنهم لا يؤدون ضرائب، و لأنهم يساهمون في نشاط العالمين، المغربي و الأوربي، دون أن يؤدوا شيئا لا لهذا ولا لذاك، و لأنهم في الأخير، وفي بلد كالمغرب حيث القلة العددية، فإن كل مالك رأسمال محكوم عليه بالازدهار.

إقرأ أيضا: الحريديم: إسرائيل لن تلم شمل اليهود، ومستشار لعرفات من الحريديم

لكن هذه الحمايات، لم تعمل فقط على تكوين وتطور طبقة تجارية وسيطة وغنية، بل وبحكم توفير حماية قوية من أدنى قانون يصدر عن السلطة المخزنية، دفعت مجموعة من المحميين الى القيام بسلوكات اجتماعية غير معهودة بالنسبة لليهود المغاربة. فدخول القوى الأوروبية للمغرب وإعلانها حماية الرعايا المغاربة، بالإضافة إلى هشاشة العلاقة التي أصبحت تربط المخزن برعاياه بصفة خاصة، أعطى لليهود فرصة إعادة النظر في قانون الذمة، قصد التحرر منه، وهكذا أصبح هؤلاء المحميون وأصحاب الجنسيات المختلفة يأخذون المبادرات بكل حرية، وأصبح اليهودي يمتطي البغال عوض الحمير وأمكنه انتعال حداء تقليدي مثل الذي ينتعله المسلم وأمكنه أيضا، رفض المشي حافيا أمام مسجد أو قصر ملكي أو محكمة … كما كان الأمر في السابق، هذا زيادة عل دخوله جماعات المسلمين و المقاطعة النهائية لأية بيعة للسلطان خاصة اذا كان المحمي يحمل جنسية أمريكية أو بلجيكية أو برازيلية أو فرنسية.

لقراءة الجزء الأول: يهود المغرب و الحمايات 1859-1912. البدايات 1/5

لقراءة الجزء الثاني: يهود المغرب و الحمايات 1859-1912… يهود تطوان بين الهجرة والتجنيس 2/5

لقراءة الجزء الرابع: يهود المغرب و الحمايات 1859-1912… المحميون: اعتداءات ومعارضة 4/5

لقراءة الجزء الخامس: يهود المغرب و الحمايات 1859-1912… المحميون: يهود ومسلمون ضد مصلحة المخزن 5/5

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *