ثريا لحرش: الترحال السياسي… أسواق لقجع والشيوخ وأصحاب المال - Marayana
×
×

ثريا لحرش: الترحال السياسي… أسواق لقجع والشيوخ وأصحاب المال

ألم ينتهِ مسلسل الترحال السياسي، الذي أخذ من الأحزاب الجادة نقاشات طويلة، إلى أن وضع الدستور مقتضيات للحد منه؟ هل انتهى الترحال فعلا اليوم، أم أن الأشكال تغيرت فقط؟
أعضاء مكاتب سياسية وقيادات غادرت مواقعها في اتجاه أحزاب أخرى، ومنتمون لأحزاب ترشحوا مع أحزاب منافسة… ولقجع، انتقل للـ “بام” ليتبعه المريدون من كل حدب وصوب..
تخيلوا معي ماذا يمكن أن يعطينا «سوق عكاظ» هذا من نسبة عزوف في انتخابات 2026.

ثريا لحرش
ثريا لحرش

في الأيام الأخيرة، انتمى السيد فوزي لقجع إلى حزب الأصالة والمعاصرة رسمياً، وأصبح عضواً في مكتبه السياسي، بحكم القانون الداخلي للحزب.

حضر للمجلس، سلّم، ابتسم، عبس، صعد إلى المنصة، نزل منها، خرج من المجلس “زعلان”، ابتسم، لم يبتسم… وخافت منسقة لجنة القيادة!

المهم، هذا ما أشارت إليه بعض الصحف والمواقع الإلكترونية، وما تناقلته صفحات مهتمة بالشأن السياسي.

اسمحوا لي أن أوضح لكم لماذا أتحدث عن لقجع… لأن الكل نسي أنه هو الوزير المنتدب المكلف بالميزانية.

يعني، الوزير المنتدب المكلف بالميزانية يخططها، يبوبها، يدافع عنها في البرلمان، وأول من يرفع يده بإيجابية لقبولها.

المغاربة لم يكونوا يرون فيه إلا رئيساً للجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، والفريق الوطني وحكيمي وبونو وأوناحي… والمهم، اللائحة طويلة.

فلنتمم حديثنا عن السياسي الحزبي القيادي في حزب الأصالة والمعاصرة.

ذهب إلى الجنوب، عقد الاجتماعات، عادي. تكلم عن الانتخابات، عادي. اليوم الكل يتكلم عن الانتخابات والترشيحات ووكلاء اللوائح.

غير العادي في الموضوع هو الصمت الذي رافق هذا الانتماء وهذا التنصيب.

“وحنا جالسين، ما بنا ما علينا”، حتى خرج بيان رأيته في صفحات بعض المهتمين بالسياسة:

ما جرى هو أن حزب الجرار، حزب الأصالة والمعاصرة، «يسرق» المناضلين من حزب الأحرار.

“ماشي المنخرطين… كيهضر على أعضاء المكتب السياسي”.

وشباعتو آخرهم.

وللتوضيح، شباعتو ولد شباعتو أصدر بيانا للرأي العام يوضح فيه أسباب مغادرته للأحرار ليلتحق بالجرار.

هذه الحادثة ذكرتني بمرحلة كان فيها إلياس العماري يقود حزب الأصالة والمعاصرة، وبالاستقطاب الذي عرفه المشهد الحزبي آنذاك بين الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار.

وبعد ذلك جاء السيد عزيز أخنوش إلى قيادة حزب التجمع الوطني للأحرار، وشهد الحزب بدوره استقطاب عدد من الوجوه والمنتخبين والقيادات من أحزاب أخرى، من بينها الأصالة والمعاصرة.

وفي النهاية، نال حزب الأحرار الأغلبية، وشكل الحكومة.

في الحقيقة، مسلسل تركي من ألف حلقة، سهل الفهم أكثر من هذه القصة المعقدة.

كل الأحزاب تريد أن تحصل على أكبر عدد من المقاعد، وكل الأحزاب تريد أن تصل إلى الحكم من أجل تطبيق برنامجها المجتمعي. وهذا أمر طبيعي في الحياة السياسية والديمقراطية.

لكن السؤال هو: أين هو التنافس الحقيقي بين هذه البرامج؟ وأين هو الاختلاف في الرؤى والتدبير والسياسات العمومية والسياسة المالية؟

المشكل ليس في أن تتنافس الأحزاب للوصول إلى الحكم، وإنما في أن يصبح الانتقال من حزب إلى آخر مرتبطاً أساساً بمن ستكون له الأغلبية، وبما قد يترتب عن ذلك من مناصب وحقائب وصفقات.

ألم ينتهِ أيضاً مسلسل الترحال السياسي، الذي أخذ من الأحزاب الجادة نقاشات طويلة، إلى أن وضع الدستور مقتضيات للحد منه؟

فالفصل 61 من دستور 2011 ينص على تجريد عضو أحد مجلسي البرلمان من صفته إذا تخلى، أثناء مدة الانتداب، عن الانتماء السياسي الذي ترشح باسمه للانتخابات، أو عن الفريق أو المجموعة البرلمانية التي ينتمي إليها.

لكن السؤال اليوم: هل انتهى الترحال فعلاً، أم أن الأشكال تغيرت فقط؟

وقبل أن نتحدث عن المقاعد والمناصب والحقائب والصفقات، علينا أن نتذكر لماذا توجد الانتخابات أصلاً، وما هو دورها في الحياة السياسية وتدبير الشأن العام.

الانتخابات ليست مجرد سباق بين الأحزاب، وليست مجرد وسيلة للوصول إلى الحكم. إنها إحدى أهم آليات الديمقراطية، ومن خلالها يمارس المواطن حقه في المشاركة في تدبير الشأن العام واختيار من يمثله.

فالفصل 11 من الدستور المغربي واضح في اعتبار الانتخابات الحرة والنزيهة والشفافة أساس مشروعية التمثيل الديمقراطي، كما أن السلطات العمومية مطالبة بالنهوض بمشاركة المواطنات والمواطنين في الانتخابات.

وعلى المستوى الدولي، يكرس العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية حق المواطنين في المشاركة في إدارة الشؤون العامة، وفي التصويت والترشح في انتخابات دورية ونزيهة.

وفي الانتخابات، في المغرب كما في باقي الديمقراطيات، ليست العبرة بعدد المرشحين، وإنما بعدد المصوتين الذين اختاروا من يمثلهم.

فهذه الأصوات هي التي تمنح الشرعية الشعبية لممثلي الأمة لكي يتحدثوا باسم المواطنين، ويدافعوا عن مصالحهم، ويساهموا في تدبير الشأن العام.

لذلك، فالانتخابات لا تكتسب معناها الحقيقي بمجرد تنظيمها، وإنما بمشاركة المواطنين فيها، وبثقتهم في العملية الانتخابية وفيمن يطلب أصواتهم لتمثيلهم.

لكن قبل أن نغادر هذا المشهد، هناك واقعة أخرى تستحق التوقف.

السيد راشد الطالبي العلمي قال في تسجيل خرج للعموم إنه يقبل أن يحتل حزب التجمع الوطني للأحرار المرتبة الثانية في الانتخابات، لكنه أكد، بكل غضب، أنه لن يترك وزارة المالية لفوزي لقجع، في إشارة إلى الحكومة المقبلة.

وأنا هنا أهنئ للا نادية على وزارة المالية 2026-2027، داتها وهي مولاتها.

وفين هو شوكي؟

ثم نعود إلى السؤال الأهم:

هل بهذا الخطاب السياسي، وبهذا النوع من التنافس، سنقنع شبابنا بالانخراط في الأحزاب؟ وهل سنقنعهم بأن يعبروا عن أصواتهم يوم 23 شتنبر 2026؟

وفي نقاش مع عدد من المهتمين بالشأن السياسي، يطرح نفسه سؤال آخر لا يقل أهمية: ماذا عن الذين بلغوا سن التسجيل ولم يبادروا إلى التسجيل في اللوائح الانتخابية؟

إذا كان التسجيل في اللوائح هو الخطوة الأولى لممارسة الحق في التصويت، فإن عدم التسجيل، عندما يكون ناتجاً عن اللامبالاة أو ضعف الاهتمام بالشأن السياسي أو فقدان الثقة، يمثل شكلاً من أشكال العزوف عن المشاركة السياسية.

حسب المندوبية السامية للتخطيط، فإن نسبة التسجيل لدى الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و24 سنة لم تتجاوز 33.6% في انتخابات 2021، مقابل 94.4% لدى من تبلغ أعمارهم 60 سنة فأكثر.

هذه الأرقام لا ينبغي أن تمر علينا مرور الكرام.

كيف سنقنع شابة وشاباً بأن ينخرطا في حزب سياسي، وأن يشاركا في صياغة برنامجه واختيار مرشحيه، إذا كانت الصورة التي نقدمها لهما عن السياسة تختزل في التزكيات، والترحال، واستقطاب أصحاب المال، والصراع على المقاعد والمناصب والحقائب والصفقات؟

إننا لا نحتاج فقط إلى أن نطلب من الشباب التصويت، بل نحتاج إلى أن نعطيهم سبباً سياسياً وفكرياً يجعلهم يريدون المشاركة.

واليوم، ونحن مقبلون على انتخابات 2026، السؤال الحقيقي هو: كيف سنعيد الثقة في العمل الحزبي؟ وكيف سنقنع الشباب والمغاربة عموماً بأن أصواتهم تستحق أن تذهب إلى صناديق الاقتراع؟

تخيلوا معي ماذا يمكن أن يعطينا هذا «سوق عكاظ» من نسبة العزوف في انتخابات 2026.

وبهذا الخطاب، وبهذه الممارسات، هل سنحفز المغاربة على الذهاب إلى صناديق الاقتراع؟

أم أننا، من حيث لا ندري، ندفع مزيداً منهم إلى الابتعاد عن السياسة والانتخابات؟

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *