من الإثارة إلى الوعي: كيف تصنع لغة الإعلام فارقا في قضايا العنف القائم على النوع الاجتماعي؟
يضع العنف القائم على النوع الاجتماعي وسائل الإعلام أمام مسؤولية حقوقية وأخلاقية تتجاوز حدود نقل الخبر إلى تفكيك البنية اللغوية والثقافة الحاضنة للظاهرة.
بين واقع مجتمعي يستدعي الحماية والإنصاف، وسلطة منابر صحفية تملك القدرة على صياغة الوعي العام، تبرز الحاجة الملحة إلى أدوات تحريرية تلتزم بالمقاربات القانونية والأخلاقية السليمة، تتجاوز الإثارة وتكريس الصور النمطية إلى فضاء للتوعية والدفاع عن الحقوق.
لا يزال القطاع السينمائي بالمغرب يواجه تحديا صامتا يتعلق بالعنف القائم على النوع الاجتماعي، وهو واقع بات يسائل اليوم المنظومة الفنية والحقوقية بالمملكة. وبالرغم من الإشعاع المتزايد للسينما المغربية وقدرتها على ملامسة مختلف الطابوهات، لا تزال كواليس الفن السابع تشهد ممارسات تكرس التمييز في الفرص، وغياب آليات الحماية القانونية والمهنية للنساء العاملات في هذا المجال.
من جانب آخر، تضعُ الأشكال المرتبطة بالعنف الاجتماعي وسائل الإعلام أمام مسؤولية كبيرة في خطاباتها التحريرية وأساليبها الصياغية، والتي لا تزال بعضها، بقصد أو دونه، تساهم في تكريس هذا العنف بدلا من مناهضته، من خلال استعمال أساليب تعيد إنتاج الصور النمطية وتمنح العنف أو التمييز شرعية ضمنية.
خلف الكاميرا…
دارسة كانت جمعية “اللقاءات المتوسطية للسينما وحقوق الإنسان” قد أجرتها سنة 2025، كشفت أن 80% من العاملات في القطاع السينمائي المغربي، والمشاركات في الدراسة، تعرضن شخصيا أو كن شاهدات على حالة على الأقل من العنف القائم على النوع الاجتماعي خلال حياتهن المهنية.
تحليل المقابلات الميدانية التي شملتها الدراسة، أظهر خارطة قاتمة لتوزيع أشكال الانتهاكات داخل القطاع السينمائي؛ حيث تصدر العنف النفسي قائمة الممارسات السائدة، يليه العنف الاقتصادي، ثم العنف الجنسي، في حين غابت الإشارات التي تصنف العنف الجسدي كشكل رئيسي من أشكال المعاناة داخل هذا الوسط.
من جانب آخر، كشفت الدراسة أن العنف القائم على النوع الاجتماعي، يقع في غالب الأحيان بسبب ضعف الإطار المهني الذي يخلق بيئة مواتية لوقوع كافة أشكال العنف ضد المرأة، ومن بينها ضعف مستوى تسيير ديناميات الفريق، في ظل وجود فرق غير متجانسة في أغلب الأحيان.
الوثيقة أشارت إلى أن غياب “مدونة سلوك” تحدد القيم والمبادئ الأساسية للعمل داخل الهياكل السينمائية يُربك آليات الانصاف الداخلي؛ حيث تواجه الشكاوى استخفافا من الرؤساء، في ظل ثقافة مجتمعية ومهنية تتسامح مع العنف وتبرر ممارساته، لا سيما العنف القائم على النوع الاجتماعي.
كما رصد التقرير جملة من العقبات الإضافية، أبرزها ضعف الوعي القانوني والتحسيسي لدى المهنيات بآليات الانصاف المتاحة، وغياب التضامن العمالي، فضلا عن الخوف من الانتقام، وهو ضعف تزكيه الهيمنة الذكورية على القطاع، وما يرافقها من تواطؤ ولا مبالاة تجاه هذه التجاوزات.
الإعلام وإعادة إنتاج النمطية
في كثير من الأحيان، يتحول الإعلام من منصة لرفع الوعي وحماية الحقوق، إلى شريك غير مباشر في إعادة إنتاج وتكريس الصور النمطية حول العنف القائم على النوع الاجتماعي.
الإشكال يقع أحيانا في اللغة؛ فهذه الأخيرة لا تقف عند حدود نقل الخبر، بل تعيد تشكيله؛ فالصياغة والكلمات المختارة في قضايا العنف القائم على النوع الاجتماعي ليست مجرد تفاصيل تقنية، بل أدوات إما تكرس النمطية أو تساهم في التغيير.
استخدام لغة تفتقر إلى الحساسية الحقوقية والقانونية، أو اللجوء إلى عبارات التبرير والعاطفة، يساهم في تبرئة الجاني ضمنيا وتحميل الضحية قسطا من المسؤولية.
ضمن هذا الإطار قالت سعيدة الإدريسي، خبيرة في قضايا النوع الاجتماعي، “إن الإعلام لا يعكس الواقع في قضايا العنف القائم على النوع الاجتماعي فحسب، بل يملك السلطة لصياغته وتوجيهه”.
وأضافت المتدخلة، خلال ورشة تحسيسية لفائدة وسائل الإعلام حول العنف المبني على النوع الاجتماعي في قطاع السينما، والذي احتضنته “جمعية اللقاءات المتوسطية للسينما وحقوق الإنسان”: “عندما تختار التغطيات الصحفية التركيز على الجوانب العاطفية المثيرة، فإنها تشارك – بوعي أو بدون وعي – في تبرير الجريمة وصناعة بيئة تضمن إفلات الجاني من الإدانة المجتمعية”.
المعركة، حسب الخبيرة، ليست فقط في نقل الخبر، بل في تفكيك البنية اللغوية والنفسية التي تكتب بها هذه الأخبار.
وفي إطار قراءتها النقدية لواقع التعاطي الإعلامي، توقفت سعيدة الإدريسي عند نماذج من مواد صحفية منشورة، لتفكك عبرها الآليات التعبيرية التي تساهم، وعن غير قصد أحيانا، في إعادة إنتاج الصور النمطية والتطبيع مع العنف القائم على النوع الاجتماعي. مشددة على أن الإشكال الحقيقي يكمن في “الهندسة اللغوية” عبر إقحام تفاصيل هامشية لا علاقة بها بالوقائع.
المطلوب، وفق الخبيرة، ضرورة تبني لغة حقوقية وجندرية في اختيار الألفاظ، مع تجنب الإثارة لضمان تقديم منتج إعلامي يحمي كرامة الضحايا ويخاطب وعي الجمهور لا غرائزه.
مسؤولية الإعلام
من جانب آخر، تضع قضايا العنف القائم على النوع الاجتماعي أخلاقيات العمل الصحفي أمام اختبار حقيقي، يتجاوز مجرد السبق الصحفي ليلامس حدود المسؤولية الاجتماعية والإنسانية للمهنة.
في هذا السياق، يُفرض على غرف التحرير ضرورة تبني مقاربة صارمة تحترم كرامة الضحايا وضمان سرية هوياتهن، والامتناع التام عن توظيف الإثارة البصرية أو اللغوية التي قد تؤدي إلى إعادة تكريس نفس الصور النمطية أو تعريض الضحايا لوصم مجتمعي إضافي.
حول هذه النقطة، أشار مصطفى ناوي، محام وخبير في حقوق الإنسان، إلى أن معالجة قضايا العنف القائم على النوع الاجتماعي في المنصات الإعلامية لا يمكن أن تستقيم دون استيعاب دقيق للإطار القانوني والتشريعي المنظم لها.
وأضاف مصطفى ناوي خلال مداخلة له بعنوان “الإطار القانوني ومسؤوليات وسائل الإعلام”، ضمن ورشة لفائدة وسائل الإعلام حول العنف المبني على النوع الاجتماعي في قطاع السينما، والذي احتضتنه “جمعية اللقاءات المتوسطية للسينما وحقوق الإنسان”: “الصحفي ليس مجرد ناقل للمأساة، بل هو فاعل رئيسي ملزم قانونيا وأخلاقيا بتبني التكييف الجنائي السليم للأفعال دون زيادة أو نقصان، تفاديا للسقوط في فخ تشويه الوقائع”.
المسؤولية اليوم، حسب المتحدث، تفرض على وسائل الإعلام الانتقال بالتغطية الصحفية من دائرة “الإثارة العابرة” إلى فضاء “المساءلة القانونية والتوعية الحقوقية”، لضمان تحقيق الردع والمساهمة الفعلية في حماية حقوق الضحايا”.
يُشار إلى أن هذه الإشكالات، جاءت في سياق ورشة تفاعلية خصصتها “جمعية اللقاءات المتوسطية للسينما وحقوق الإنسان” (ARMCDH)، لفائدة وسائل الإعلام حول العنف القائم على النوع الاجتماعي في قطاع السينما؛ وذلك في إطار دينامية جماعية تتوخى الرفع من جودة التعاطي الإعلامي مع قضايا العنف القائم على النوع الاجتماعي.


