مستقبل الشعوب العابرة للحدود: كيف يتشكل التنوع الثقافي في سياق الهجرة؟ - Marayana
×
×

مستقبل الشعوب العابرة للحدود: كيف يتشكل التنوع الثقافي في سياق الهجرة؟

في ظل سياق الهجرة أو الشعوب العابرة للحدود، لم نعد نتحدث عن فكرة الذوبان الكامل، بل عن مفهوم التنوع الثقافي عن طريق تبني ما أصبح يسمى بـ”المواطنة المتعددة الأبعاد”.
الفرد يحمل إرثه الثقافي كقيمة مضافة. هذا النمط الجديد من التنوع يخلق مجتمعات “فسيفسائية” تتداخل فيها اللغات والفنون والقيم.
غير أن السؤال الذي يظل قائما هو: كيف ندبر هذا التنوع الثقافي؟ سؤال طرحه لقاء”التنوع الثقافي في سياق الهجرة”، نظمه المجلس الوطني لحقوق الإنسان على هامش الدورة 31 للمعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط.

في ظل ما يمكن أن نسميه “عالم الهجرة“، تصبح هذه الأخيرة محركا أساسيا في  إعادة تشكل الخارطة الديمغرافية والاجتماعية في العصر الحديث، حيث يضعُ المجتمعات أمام اختبار حقيقي لمفهوم التنوع الثقافي.

مآلات هذا التنوع لا تتوقف عند حدود التعايش السطحي، بل تمتد لخلق فضاءات “هجينة” تندمج فيها الموروثات الثقافية لتُنتج قيما إنسانية مشتركة، وهو ما يعزز مرونة المجتمعات وقدرتها على الابتكار.

ضمن هذا الإطار، يبرز التنوع الثقافي بوصفه تعبيرا عن تعدد المرجعيات والقيم. غير أن تدبيره لا يمكن أن يتم خارج مقاربة حقوقية قائمة على مبادئ المساواة وعدم التمييز وتكافؤ الفرص، إذ إن التنوع، من منظور حقوق الإنسان، ليس مجرد واقع اجتماعي، بل حق يجب حمايته وضمان التمتع الفعلي به.

من جانب آخر، يظل التحدي قائما في كيفية إدارة هذا التنوع؛ فإما أن يتحول إلى ثراء مجتمعي يذيب الفوارق ويحترم الخصوصيات في إطار الدولة المواطنة، أو ينكفئ على ذاته في جيوب منعزلة تغذيها هواجس الهوية.

لكن.. كيف يُمكن تدبير هذا التنوع الثقافي في ظل موجات الهجرة؟

تنوع ثقافي دون أدلجة

يعتبر الباحث السوسيولوجي والأنتروبولوجي عبد الرحيم العطري، أنه إذا أردنا فهم الهجرة والتنوع الثقافي، فلا بد من العودة إلى الحكايات التأسيسية، وأن نسائل التنوع نفسه، والذي يعاني اليوم من مفارقات، متعددة أولها “مفارقة التسليع”، حيث يُستعمل التنوع الثقافي أحيانا كسلعة، بل كسلعة سياسية.

عبد الرحيم العطري أضاف خلال مشاركته في ندوة حول “التنوع الثقافي في سياق الهجرة“، والتي نظمها المجلس الوطني لحقوق الإنسان على هامش الدورة 31 للمعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط، “أن مفهوم التسليع أصاب حتى مفهوم التنوع الثقافي، الذي يقدم أحيانا كخلاصة أو كنتيجة، في حين أنه الأصل؛ فنحن خُلقنا متنوعين، وكان يفترض أن تكون الهجرة مختبرا لاكتشاف مفعول هذا التنوع”.

الإشكال اليوم، وفق الباحث: “يكمن في المفاهيم؛ إذ نسعى في الأنتبروبولوجيا والسوسيولوجيا إلى تحريرها من الأبعاد الإيديولوجية والسياسية، والتعامل معها بحياد مطلق. ومع ذلك، ما تزال الهجرة تقدم كمشكلة، وكذلك التنوع الثقافي، بدل النظر إليها كفرصة، لاكتشاف ذواتنا في مرآة الآخر”.

السؤال المطروح، حسب الباحث، هو كيفية تدبير هذا التنوع، رغم أننا نعيش في عالم قائم في جوهره على التنوع.

يتابع عبد الرحيم العطري: “في هذا السياق، لا ينبغي اعتبار الهجرة مشكلة، بل إمكان تفاوضي مع الواقع؛ فالمهاجر يعيد كتابة التاريخ، وينتج التنوع ويحفزه”. الهجرة في النهاية، حسب نفس المصدر، هي مختبر اجتماعي، وأداة لتحليل ديناميات المجتمع. كما أن التنوع الثقافي يشكل بدوره مرشحا يمكن من خلاله قياس قدرة المجتمعات على قبول الاختلاف. ولا يقتصر هذا التنوع على الفنون والموسيقى، بل يشمل مجمل الديناميات المجتمعية.

“فهل نحن مستعدون لبلورة سياسات عمومية وترابية تستوعب هذا التنوع بشكل كامل؟ أم سنظل نختزله في أبعاده اللغوية أو الفنية أو المرتبطة بنمط العيش، بينما هو في الحقيقة يمس كل الفاعلية الاجتماعية؟” يتساءل الباحث.

الهجرة.. عبور نحو الذات والآخر

من جانبه، يرى الصحافي طلحة جبريل أن الهجرة ليست عبور حدود أو تغيير عنوان، بل هي عبور نحو الذات والآخر، نحو عالم أوسع من جغرافيا الميلاد.

المتحدث أضاف: “حين يغادر الإنسان أرضه يحمل معه ذاكرة الطفولة، ولغة الأم، وأحلاما لم تكتمل؛ لكنه حين يصل إلى أرض جديدة يكتشف أن الهجرة رحلة بحث عن معنى، وأن التنوع الثقافي هو الثمرة التي تنبت في هذه الرحلة”.

وهنا يستحضر الصحافي السوداني المقيم في المغرب تجربته في الحديث عن التنوع الثقافي في ظل الهجرة، حيث يقول في الندوة التي احتضنها المجلس الوطني لحقوق الإنسان: “جئت إلى المغرب شابا يافعا أحمل حقيبة كتب وأحلام العودة، لكنني وجدت هنا وطناً آخر؛ وطنا يفتح أبواب التنوع ويجعل من الغريب قريباً، ومن المهاجر شريكا في بناء الحاضر… إنها حالة من الأخذ والعطاء؛ فقد منحني المغرب فرصة، وأسهمتُ بدوري في المشهد الإعلامي والثقافي”.

الهجرة، حسب الكاتب، ليست أرقاما أو سياسات، بل هي قصص إنسانية تصنع جسورا بين الثقافات. والتنوع الثقافي الناتج عنها يثري المجتمعات ويمنحها قدرة على التكيف والإبداع.

الهجرة، وفق طلحة جبريل دائما، عبور نحو الذات والآخر، نحو عالم أوسع. وحين يصل الإنسان إلى أرض جديدة، يكتشف أنها ليست فقط بحثاً عن مأوى، بل عن معنى.

 

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *