المغرب يشيخ قبل أن يبني دولة اجتماعية
في المغرب، طالت الشيخوخة المجتمع دون أن نكون قد حققنا طفرة اقتصادية حقيقية، ومدخرات آمنة لسياسة التحديات الصحية والاجتماعية والاقتصادية التي ترافق هذه المرحلة.
أصبح المطلوب من جيل شاب، أقل عدداً، أن يمول أنظمة تقاعد ورعاية صحية لعدد متزايد من المسنين، في اقتصاد محدود النمو وفرص شغل غير كافية. إنها معادلة حسابية قبل أن تكون خطاباً سياسياً: عدد أقل يعيل عدداً أكبر في سياق إنتاجية ضعيفة.

المجتمع المغربي يشيخ، يهرم.. ويدخل مرحلة التراجع الديمغرافي المتسارع.
نعم، لقد أضحى المجتمع كشيخ عجوز بكل ما يرافق شيخوخته من حاجة للدعم والإسناد والمرافقة. وصلت الساكنة للمحطة الأخيرة التي وصلت إليها المجتمعات قبلنا، حيث تآكلت قاعدة الهرم المعبرة عن نسبة الشباب وتضخمت قمته المُبينة لنسب المسنين، وانخفضت الخصوبة تحت عتبة تجدد الأجيال…
الأرقام الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط تشير إلى أن عدد الأشخاص المسنين بالمغرب بلغ نحو 5.027 ملايين حتى فاتح شتنبر 2024، مقارنة بـ3.1 ملايين في 2014، ما يعكس تضاعف هذه الفئة خلال عشر سنوات فقط، مع تسجيل نمو سريع بنسبة 58.7% خلال العقد الأخير، تزايُدٌ مطرد يشكل عبئا اقتصاديا على السكان في سن العمل حيث ارتفع هذا العبء من 13.1% سنة 2004 إلى 22.8% سنة 2024، فيما انخفضت نسبة السكان في سن النشاط (15-59 سنة) لأول مرة منذ الستينيات لتستقر عند 59.7%.
الإسقاطات الديمغرافية تُبيّن أن عدد الأشخاص المسنين قد يصل إلى ستة ملايين بحلول سنة 2030، وأكثر من سبعة ملايين ونصف المليون في 2040، وحوالي عشرة ملايين بحلول 2050، ليشكلوا ربع المغاربة تقريبًا. نحن أمام تحول عميق لا يمكن التعامل معه كخبر عابر في دراسة إحصائية.
المعضلة أن المجتمعات تشبه إلى حد ما حياة الأفراد: فترة الشباب والقوة تُستغل في توفير شروط حياة كريمة لما بعد الهرم والشيخوخة، وهو ما تحقق فعلا في المجتمعات الغربية التي استغلت مرحلة فتوتها وانفجار نموها الديمغرافي في تحقيق إقلاعة اقتصادية ورفاهية مجتمعية وتراكمات حقوقية تدبر بها اليوم شيخوختها دون أن تقع في إفلاس اقتصادي وبؤس اجتماعي.
في الحالة المغربية، الأمر مختلف تماما؛ حيث وصلنا لشيخوخة المجتمع دون أن نكون قد حققنا طفرة اقتصادية حقيقية، ومدخرات آمنة لسياسة التحديات الصحية والاجتماعية والاقتصادية التي ترافق هذه المرحلة. بل إن ما يفاقم الأمر أن ناقوس الخطر لم يُسمع بعد بشكل كافٍ للإلمام بالمشكل الذي سيضغط على التوازنات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية…
هذه المشكلة وتداعياتها ستبرزها بشكل واضح إحصائيات المندوبية السامية للتخطيط في دراسة بشراكة مع صندوق الأمم المتحدة للسكان تحت عنوان: “الأشخاص المسنون في المغرب”، دجنبر 2025. أرقام مخيفة تهدد النسيج الاجتماعي وتندر بانهيار ديمغرافي ما لم يتم تداركه بسياسات عمومية قوية وواعدة. اللافت أن الدراسة تطرقت لأغلب التفاصيل لكنها أهملت ركنا مهما سيكون له دور بارز في ظل شيخوخة متسارعة!
■ دور المسنين ضرورة لا ينبغي تقييمها أخلاقيا
ارتبطت دار المسنين بوصم قدحي في المجتمع المغربي، وظلت فضاءً يُنظر لمن يقصده لوضع والديه بكثير من الريبة والإسفاف، كأنه ارتكب خيانة أخلاقية. كان لهذه النظرة ما يبررها في ظل مجتمع محافظ وأسر ممتدة متآزرة. لم يكن يدور في خلد المغاربة أنه سيأتي يوم ستصبح فيه دور المسنين من المرافق الرئيسية التي تؤثث الفضاء العمومي.
مَرفق، لأهميته المرتقبة، كان من بين أهم أركان البرنامج الوطني المندمج 2021_ 2030 للنهوض بأوضاع الأشخاص المسنين من حيث تحسين جودة الخدمات داخل دور الإيواء، رفع كفاءة الموارد البشرية العاملة بها وكذا احترام معايير الكرامة والجودة.
اليوم، ينبغي أن تتغير نظرة المجتمع لهذه الدور تبعا للتغيرات الاجتماعية والاقتصادية التي أدت لظهورها، كما ينبغي التطبيع مع وجودها، خصوصا إذا علمنا أن معدلها في تزايد مطرد حيث انتقلت من 70 مؤسسة سنة 2021 بمعدل 5794 مسن إلى 92 مؤسسة بمعدل مسنين يقارب 7900؛ ما يجعل عددها المرتقب بحلول سنة 2030، يعادل 129 مؤسسة بعدد مسنين يناهز 11600 مسن.
السؤال الذي ينبغي أن يطرح اليوم ليس نبذ دار المسنين، ولا تحقير من حكمت عليه ظروفه المادية بوضع أحد والديه بها أو بالنوادي النهارية، فذلك حكم سهل لا يغير في الواقع شيئاً. السؤال الحقيقي هو: أي مؤسسات رعاية نريد في مجتمع تتآكل فيه الأسرة الممتدة ويتسع فيه هامش الهشاشة؟ هل نريد فضاءات لإخفاء المسنين عن أعيننا حتى لا تزعجنا شيخوختهم، أم مؤسسات تحفظ كرامتهم وتعيد إدماجهم وتمنحهم دوراً اجتماعياً ولو في حدوده الدنيا؟ إن دار المسنين ليست انحرافاً أخلاقياً، بل نتيجة مباشرة لتحول بنيوي عميق. لذلك، فالمشكل ليس في وجودها، بل في فلسفة وجودها:
هل هي فضاءات انتظار صامت لنهاية محتومة، أم مؤسسات تعج بالحياة الكريمة؟
بالنظر لمنحى تطور الاقتصاد الوطني واتساع رقعة الهشاشة الاجتماعية وتفكك الأسر الممتدة التي كانت تؤدي دور شبكة الأمان الاجتماعي، إضافة إلى ارتفاع معدلات البطالة والهجرة الداخلية وضيق السكن وضغط العمل وضعف الدولة الاجتماعية؛ يصبح التفكير ملحا لتجاوز الانفصال بين مخرجات دراسات المندوبية السامية للتخطيط والبرامج الحكومية المرصودة للمسنين والتزامات المغرب الدولية لاسيما خطة مدريد 2002؛ وذلك من أجل رتق الهوة بين التنظير والتطبيق، ورفع الوازع الحقوقي في التعامل مع الشخص المسن داخل دور رعاية تعاني من اختلالات واضحة: افتقار بعض البنايات لولوجيات أساسية من مصاعد وممرات مهيأة، ضعف الخدمات النفسية والاجتماعية أو انعدامها، محدودية الأنشطة الترفيهية التي تحرم المسن من الشعور بالاندماج، غياب برامج إدماج حقيقية تعيد ربطه بالمجتمع، وانعدام أنشطة إنتاجية بسيطة تحفظ له إحساس الاستمرارية…
يضاف إلى ذلك ضعف تأهيل المرافقين والجلساء، حيث يُطلب من الشخص الواحد أن يكون ممرضاً ومرافقاً نفسياً وجليساً ومساعداً على قضاء الحاجيات الطبيعية في آن واحد، مع أجور محدودة وتكوين غير كاف، ما ينعكس مباشرة على جودة الرعاية. كما يُلاحظ تهميش المسنين القادرين على العمل في سوقِ شغلٍ لا يشجع على الاستفادة من خبرتهم، وغياب شراكات ثقافية أو برامج تواصل تكنولوجي تقلص عزلتهم، فضلاً عن فجوة واضحة بين الدراسات الرسمية والبرامج المنفذة على أرض الواقع.
المشكل أعمق من دفتر تحملات يحتاج إلى تعديل أو مرصد وطني للشيخوخة. نحن أمام خلل في العقد الاجتماعي ذاته. أجيال اشتغلت عقوداً طويلة تجد نفسها في نهاية المطاف أمام منظومة حماية غير مكتملة.
في المقابل، يُطلب من جيل شاب أقل عدداً أن يمول أنظمة تقاعد ورعاية صحية لعدد متزايد من المسنين، في اقتصاد محدود النمو وفرص شغل غير كافية. إنها معادلة حسابية قبل أن تكون خطاباً سياسياً: عدد أقل يعيل عدداً أكبر في سياق إنتاجية ضعيفة.
هنا، يتجسد الخطر الحقيقي الذي لا علاقة له بالتهويل، بل بحسابات ديمغرافية صرفة، توجه نظرتنا لعمق المشكل وجذوره حيث لا يمكن فقط الاكتفاء بحلول تشريعية وتقنية معزولة، كتعميم فعلي للتغطية الصحية للمسنين دون استثناء، تحسين دخل الأسر لتقليص اللجوء الاضطراري لمؤسسات الإيواء، مراجعة دفاتر التحملات بما يضمن تأهيلاً مادياً ومعرفياً حقيقياً للمرافقين، تطوير خدمات الرعاية عن بعد داخل المنازل، تعميم النوادي النهارية، إطلاق برامج بسيطة تسمح للمسن القادر بالمشاركة في أنشطة تعليمية أو حرفية أو إرشادية تنقل خبرته للأجيال الشابة، إدماج التكنولوجيا لتسهيل التواصل الأسري، ووضع استراتيجية وطنية موحدة تخضع لتقييم دوري صارم.
كل هذه إجراءات ضرورية، لكنها لن تكون ذات جدوى إن لم تُدرج ضمن رؤية شاملة تعترف بأننا دخلنا فعلاً مرحلة جديدة من تاريخنا الديمغرافي.
في النهاية، تبقى دور المسنين أحد الحلول الاضطرارية لمعضلة انقلاب الهرم السكاني وتسارع الشيخوخة. لكن الأمل يبقى معلقا على الاستراتيجيات الكبرى والخطط العاجلة لاحتواء الظاهرة والحد من تبعاتها، وتجنيب المواطن المغربي المعونات وفتات التضامن الجمعوي ليحيا بكرامة ويشيخ بكرامة.



