من الولايات المتحدة الأمريكية، محمد سعيد يكتب: فقه السنة أم فقه الإرهاب؟ - Marayana - مرايانا
×
×

من الولايات المتحدة الأمريكية، محمد سعيد يكتب: فقه السنة أم فقه الإرهاب؟

جماعات الإسلام السياسي والحركي، حولت الدين الاسلامي لمصالحها وخدمة توجهاتها باستغلال عجز المؤسسات الدينية عن تطوير خطابها، ليتحول الدين إلى حركة سياسية يخدم مصالح وتوجهات صانعيها.

إن كشفنا عن الحقيقة الغائبة، بتعبير المقتول غدرا “فرج فودة“، بخصوص السنة وتمثلاتها الإرهابية، سنجد أنه، عند المتبحرين من المسلمين والسلفيين خصوصا، يعتبر كتاب “فقه السنة”1، للشيخ السيد سابق، وباعتراف الجميع، من أهم كتب الفقه وأرفعها مكانة.

أضف إلى ذلك أن الشيخ سابق كان من القيادات التاريخية لجماعة الإخوان المسلمين*، حتى إن كتابه “فقه السنة” قد صدر بمقدمة كتبها الشيخ حسن البنا، مؤسس جماعة الإخوان المسلمين بمصر، أشاد فيها بالكتاب واعتبره إنجازا عظيما يستحق به مؤلفه ثوابا من الله، فلا يستطيع أحد من الإخوان أو السلفين اليوم أن يجرح في كتابفقه السنة“، وقد عرض الشيخ سيد سابق في كتابه لمذهب الجمهور من أهل السنة والجماعة في شتى نواحي الحياة.

لكن ما أثارني في هذا الكتاب، هو علاقة المسلم مع الآخر، الغير الذي يعتقد ما لا يعتقده المُسلمُون في كيفية التعامل معه، ووضعه الذي يجب أن يكون عليه داخل الدولة الإسلامية المنشودة، والتي يحلم بها الإخوان المُسلمون منذ زمن بعيد؛ حيث يسمي المواطن المصري القبطي (المسيحي) المجاور للمواطن المسلم بالكافر.

هكذا فعل قبله معظم الفقهاء، وهكذا يفعل الجيل الجديد من الفقهاء العبثيين الذين ابتلينا بهم.

كنت من المحظوظين أن أجد هذا الكتاب في نسخ عديدة بمكتبة آل سعود بالدار البيضاء، في مسار بحثي عن بنية الفقه الإسلامي السني سنة 2007. لم أتجرأ لمشاركة ما وصلت له حينذاك مع الباحثين والقراء المهتمين بمآلات الفكر والثقافة الإسلامية، ليس خوفا من ردة الفعل، ولكن لاعتبارات إنسانية واجتماعية بمحيطي الاجتماعي والثقافي، فالسنة في الحقيقة لها علاقة باندحار العالم الإسلامي مقارنة بالعالم الغربي، وفيما يلي بعض الأمثلة التي جاءت بهذا الكتاب بخصوص التعامل مع هذا “الكافر” (المواطن القبطي المصري).

أولاً : إذا افترضنا أن لصا مسلما سرق صيدلية مملوكة لصيدلي قبطي. في هذه الحالة، إذا كان الشهود على واقعة السرقة أقباطا، فإنه لا تجوز شهادتهم، لأن رأي جمهور الفقهاء يؤكد أنه لا تقبل شهادة غير المسلم على المسلم2، إذ يشترط في قبول الشهادة أن يكون الشاهد مُسلما، فلا تجوز شهادة الكافر على المُسلم إلا في الوصية أثناء السفر عند الإمام “أبي حنيفة“. أي أنه، إذا كان المسلم مسافرا وحضره الموت ولم يجد إلا قبطيا ليبلغه بوصيته، فهذه تكون الحالة الوحيدة التي تقبل فيها شهادة القبطي على المسلم، وفيما عدا ذلك لا تقبل شهادة القبطي على المسلم إطلاقا.

نستطيع أن نتخيل الفوضى التي سيحدثها هذا الحكم الفقهي إذا ما طبق في مصر، البلاد المعنية بهذه الأحكام والفتاوى، إذ سيكون بإمكان أي مُسلم مصري أو غير مصري أن يعتدي على أملاك الأقباط وكنائسهم (لا زالت الاعتداءات على الكنائس بمصر لحدود اليوم)، وهو مطمئن إلى أن كل الذين سيشهدون على ارتكابه الجريمة من الأقباط الكفار، ذلك طبقا لرأي جمهور من الفقهاء، لا يجوز قبول شهادتهم على المُسلم حتى لو ارتكب جريمة.

ثانياً: شرب الخمر محرم على المُسلمين وعقوبته الجلد ثمانين جلدة (بعض الفقهاء قالوا أربعين جلدة فقط)، هذا الحكم معروف إلا أن الفقهاء يذهبون إلى وجوب تطبيق حد الخمر على غير المسلمين أيضاً3؛ إذ كتب الشيخ سابق: “لا يشترط الإسلام في تطبيق حد الخمر، فالكتابيون الذين يتجنسون بجنسية الدولة المسلمة مثل الأقباط في مصر، وكذلك الكتابيون الذين يقيمون مع المُسلمين مثل الأجانب، هؤلاء يقام عليهم الحد إذا شربوا الخمر في دار الإسلام“.

لنا هنا أن نتخيل ماذا سيحدث إذا طبقنا هذا الحكم، فالقبطي الذي يشرب “البيرة” مثلاً، سوف يقبض عليه ويجلد ثمانين جلدة. فهل لنا أن نتفاءل بمستقبل مصر؟

عندما ندعو السائح الأجنبي من شتى بقاع العالم إلى زيارة مصر، يجب أن نحذره، لأنه لو أحضر زجاجة نبيذ معه إلى مصر وشرب منها مع الأكل مثلما يفعل في بلاده، يقبض عليه ويجرد من ثيابه ويتم جلده وفقا لهذا الحكم الفقهي. فكم من الأجانب على استعداد لخوض هذه المخاطرة من أجل قضاء عطلتهم في مصر؟

ثالثاً: القذف، هو الاتهام بالزنى والخوض في الأعراض بالسوء. هذه جريمة في الفقه الإسلامي عقوبتها الجلد ثمانين جلدة أيضاً كشرب الخمر. لكن الغريب أن جمهور الفقهاء، اعتبروا إسلام المجني عليه شرطاً أساسياً لإقامة الحد على من قذف في حقه. يقول الشيخ سابق في كتابه هذا: “الإسلام شرط في المقذوف (المجني عليه)، فلو كان المقذوف من غير المسلمين لم يقر الحد على قاذفه عند جمهور الفقهاء والعلماء، وإذا كان العكس فقذف النصراني أو اليهودي للمسلم، فعليه ما على المُسلم ثمانون جلدة”4 .

من يستطيع أن يتحدث بعد ذلك عن حقوق المواطنة وحقوق الإنسان والمساواة أمام القانون؟ إذا سب القبطي المُسلم يتم جلده ثمانين جلدة، وإذا سب المسلم القبطي لا يجوز جلده، وكأن الكرامة الإنسانية حكر على المسلمين فقط، أما الأقباط، فهم مخلوقات بلا عرض ولا كرامة.

رابعاً: الدية غرامة مالية على من ارتكب القتل الخطأ أو شبه العمد، لكن هذه الدية، طبقا لرأي جمهور الفقهاء، تختلف باختلاف الجنس والدين: دية المرأة المُسلمة المقتولة نصف دية الرجل المُسلم المقتول، ودية القبطي المقتول نصف دية الرجل المُسلم المقتول، أما دية المرأة القبطية المقتولة فتبلغ نصف دية المرأة المسلمة المقتولة، أي ربع دية الرجل المسلم المقتول. هذا حكم جمهور الفقهاء كما يؤكد الشيخ سيد سابق5؛ فإذا طبق هذا الحكم الفقهي في الخلافة الاسلامية الموعودة، نكون قد اعترفنا بأن الحياة الإنسانية ليست لها القيمة ذاتها عند الناس جميعا، فحياة الرجل المُسلم أغلى من حياة المرأة المسلمة، وحياة القبطي أرخص من حياة المُسلم، وحياة المرأة القبطية أرخص من الجميع، لأن بها العيبين: فهي امرأة وقبطية. فهل يمكن قبول هذا المفهوم ونحن في القرن الواحد والعشرون؟ وهل تتحمل الدولة المصرية العقوبات الدولية التي ستنهال عليها إذا ما طبقت هذه الأحكام التي تخالف معاهدات حقوق الإنسان؟

خامساً: في جريمة القتل، يجب تطبيق القصاص على القاتل، وبالتالي ينفذ فيه حكم الإعدام. إلا أن من شروط القصاص، أن يكون المقتول مُسلمَا، أما إذا كان المقتول كافراً قبطياً، فإن القاتل لا يطبق عليه القصاص. يقول الشيخ سيد سابق: “من شروط القصاص أن يكون المقتول مكافئا للقاتل حال جنايته، بأن يساويه في الدين والحرية، فلا قصاص على مُسلم قتل كافراً أو حر قتل عبداً، لأنه لا تكافؤ بين القاتل والمقتول، بخلاف ما إذا قتل الكافر مُسلما أو قتل العبد حراً فإنه يقتص منهما”6.

بعض الفقهاء خالفوا هذا الرأي، لكن الرأي الغالب عند جمهورهم من أهل السنة والجماعة، أن المُسلم لا يقتل بغير مسلم، ولو طبق هذا الحكم الفقهي فإن المصري المُسلم إذا قتل قبطياً بالرصاص أو ضربه حتى مات، لا يجوز في هذه الحالة إعدام القاتل المُسلم، لأن القاعدة تقول “لا يقتل المُسلم بغير المُسلم”. فكيف تكون حالة المجتمع إذا تم تطبيق هذا الحكم الفقهي؟ وكيف للإسلاميين بعد ذلك، أن يَعيشوا في دولة يتساوى فيها المُواطنون إذا كان المُسلم لا يجوز إعدامه إذا قتل مسيحيا، بينما يعدم المسيحي إذا قتل مُسلماً؟

هذا جزء يسير مما أثارني واستبد بي سنة 2007 وقبلها كذلك. اليوم، وأنا أعيد تجميع ما كتبته وما حصلت عليه من كتابات حول هذا الموضوع (السنة والإرهاب)، أتساءل كما تساءل غيري: لماذا لا نقرأ منطلقات الدولة الإسلامية (داعش) بالعراق وسوريا من خلال أمثال هؤلاء الشيوخ والفقهاء، أبو الأعلى المودودي وحسن البنا والسيد قطب وسيد سابق، لعلنا نجد خيطا ناظما ما بين “السنة والإرهاب”، عكس “السنة والإصلاح”، المؤلف الذي حاول فيه عبد الله العروي أن يشرح لإحدى الكنديات الإسلام من زاويته الضيقة.

خلاصة: جماعات الإسلام السياسي والحركي، حولت الدين الاسلامي لمصالحها وخدمة توجهاتها باستغلال عجز المؤسسات الدينية عن تطوير خطابها، ليتحول الدين إلى حركة سياسية يخدم مصالح وتوجهات صانعيها.

 

المراجع:

 

1 – “فقه السنة” للشيخ السيد سابق (1915 – 2000)، صادر عن دار الفتح للإعلام العربي في ثلاثة أجزاء.

*تم تأسيس جماعة الإخوان المسلمين سنة (1928).

2 – كتاب “فقه السنة” / الجزء الثالث (ص 380).

3 –أنظر الجزء الثاني (ص 493)

4 – أنظر الجزء الثاني / ص 535 من نفس المصدر.

5 -أنظر الجزء الثالث/ ص 60 -61 من نفس المصدر.

6 – أنظر الجزء الثالث / ص 25 من نفس المصدر.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *