ذوو الاحتياجات الخاصة في المغرب: تعثر في الولوج تفرضه نظرة المجتمع “السطحية” - Marayana - مرايانا
×
×

ذوو الاحتياجات الخاصة في المغرب: تعثر في الولوج تفرضه نظرة المجتمع “السطحية”

منذ حكومة سعد الدين العثماني، كانت التنسيقية الوطنية لحملة الشهادات الجامعية والدبلومات ممن هم في حالة إعاقة في المغرب، طالبت بـ”التوظيف المباشر للأشخاص في حالة إعاقة من حملة الشهادات”.

حينها، دعت التنسيقية، عبر عريضة إلكترونية على موقع “أفاز”، إلى ضرورة “إعطائهم الحق في الشغل كما نصت على ذلك القوانين والمواثيق الدولية والوطنية التي تمنحهم تمييزا إيجابيا”، مؤكدين أنّ “عدد حملة الشهادات الجامعية والدبلومات ممن هم في وضعية إعاقة بالمغرب يفوق 1300 فرد، وأغلبهم عاطل وفي فقر مدقع، وأبواب الوظيفة مغلقة في وجوههم بسبب الإعاقة”.

التنسيقية اعتبرت أنّ “الدولة منذ عقود نصت على أن يستفيدوا من نسبة 7 بالمئة في مسابقات التوظيف. لكن لم يتم تطبيق ذلك، وعلى الدولة تعويضهم بالتوظيف المباشر”.

لكن تتبّع خيوط الحكاية يبينُ أن الوضع أبعد من توظيف مباش ريثير، بدوره، نقاشا حتى داخل المعنيين به حصرا. المشكل يتعلق، ربّما، بتعثر ولوج فئة من المجتمع إلى أعماقه: فئة ذوي الاحتياجات الخاصة.

ولوج بحقوق أساسا

يعتقد محمد، من ذوي الاحتياجات الخاصة، أنّ المشكل الذي يطبع ولوج أيّ شخص في وضعية إعاقة إلى الفضاء العام، هو “مشكل تصور المجتمع الذي يعتبرنا مجرد كائنات معذّبة تحتاج إلى شفقة. معظمهم يظنّ بالتالي أنّ أيّ حقّ نأخذه هو مجرد شفقة أو منة وليس حقا لنا كمواطنين. وهذا يحرمنا من معنى المواطنة، بسبب نظرة المجتمع المحكومة بالرأفة أساسا”.

محمد الذي يقود كرسي كهربائي متحرك يؤكد أنّه، أحيانا، يشعر بحرج شديد وهو يذهب للسوق أو أي مكان مكتظّ بالناس، حيث، يقول: “يجعلونك تحسّ أنك مختلف، فقد يتعامل معك مواطن بحسن نية وبمنطق إحساني محض ويترك لك دوره في الطابور عند البقال أو يحدث أن يقدم لك بائع ما شيئا مجانا كأنك متسوّل.

هذه النظرة وهذه الأعمال الحميدة في ظاهرها وباطنها تبين من جهة أنّ الرحمة لازالت موجودة، وفق محمد، بيد أنها “من جهة أخرى تذكرنا بحقيقتنا، أننا من ذوي الاحتياجات الخاصة. وهذا يجعل التّعايش مع الإعاقة صعبًا للغاية؛ خصوصا أن  مجمل شروط الولوجية لازالت مُعرقلة، فليست هناك مسارات في الفضاءات العامة خاصة بنا تسهّل تحركاتنا، ونفس الأمر في الإدارات العمومية حيث تجد الدرج أينما حللت، ويضطرّ المواطنون حملك بكرسيك للداخل”.

عبد الناصر، مكفوف، يشتغل موظفا بالمركز الثقافي بمدينة الريصاني، يرى أنّ “الاندماج داخل المجتمع رهين بدرجة الوعي عند المجتمع وعند الشّخص الذي يوجد في وضعية إعاقة أيضا. بمعنى، ما مدى قابلية تعايش الجزء والكل والعكس. أو قل، كيف يستطيع الكفيف أن “يقتحم” مجتمعا بحيث لا يحسّ نفسه غريبا عنه، فقط بسبب الوضعية التي يوجد فيها. الاندماج اختيار في النهاية”.

يضيف عبد الناصر: أعتبر نفسي مواطنا مغربيا. ولدت بأسرة مغربية وتربيتي مغربية كذلك. شعور الانتماء كامل لديّ. درست في جامعات هذا البلد. بلدي. وأنا أشتغل فيه. نحنُ لدينا حقوق كما الآخرين، وبدأنا نحصل عليها شيئا فشيئا في السنوات الأخيرة؛ قرار تخصيص 7 بالمئة من المناصب لذوي الاحتياجات الخاصة من العاطلين أصبح يتجسد في الواقع أكثر”.

مبدأ 7 في المائة هو قرار حكومي تم اعتماده خلال فترة حكومة الراحل عبد الرحمن اليوسفي سنة 1997. لكن، تم تعديله في 2016.

رغم ذلك، يقف عبد الناصر على طرفي نقيض مع زملائه الذين يطالبون بالتوظيف المباشر، حيث يعتبر أنّ “المباراة أكثر جدية وأكثر مصداقية، وترفع الحرج عن ذوي الاحتياجات الخاصة وتمنحهم الفرصة للتباري. المباراة هي الفيصل، لأنها ستبين أنّ الأشخاص في وضعية إعاقة أكفاء أيضا، ومن حقهم التباري دون توظيف مباشر يبدو في عمقه مجرد عمل إحساني واضح”.

من داخل المجتمع

في شهادة ملفتة، يقول منير: “وجدت المشكل في أسرتي ابتداءً. أحيانا، كنت أسمع أنّني “ماصالح لوالو”. كانت عائلتي امتدادا لما أجده في المجتمع، أو ربما من عائلتي انطلق هذا التنميط. أنني مواطن من الدرجة الثانية وشخص عديم الفائدة. لم تكن عائلتي تقول ذلك بشكل مباشر…

لكن، يضيف منير: يحدث أن أسترق السمع مرات إذا أرادوا إرسالي للبقال. أنا أعرج. وأتأخر في المشي. بالتالي لا أصلح للسخرة. كان التنمر موجودا أيضا في الخارج، فالصغار يلاحقونني قائلين: “وا العرج وا العرج”. كان ذلك قاسيا جدا؛ خصوصا أن صحتي النفسية كانت في مرحلة هشاشة. ومن ثمّ كان الوضع بالمجمل يكرس لديّ شعورا بالدونية”.

منير يفيد في حديثه لمرايانا أنّ “التنميط فكرة مجتمعية، وذات الفكرة تنغرس فينا، أيضا، بما أننا أبناء هذا المجتمع. يتم التشكيك في قدراتنا وما يمكن أن نقوم به. بدأت أتغلّب على الخوف من نظرة الآخر بعد الدعم النفسي والعاطفي الذي قدمه لي أساتذة في الابتدائي آمنوا بي وشجعوني على استخراج أفضل ما فيّ. أنا الآن أشتغل أستاذا للغة العربية. الإعاقة البدنية ليست عجزا ذهنيا كما يظنّ البعض. هذا ما تمكن أساتذتي جميعهم من تغذيته لديّ.

مرّة، قالت لمنير إحدى معلّماته: “أنت لم تختر ما أنت عليه، وكلنا من حولك قد نتعرض لحادثة سير، مثلاً، ونصبح من ذوي الاحتياجات الخاصة. الإعاقة ليست قدرا ولا تعطيلاً لشرط الوجود بحيوية داخل المجتمع. كن إيجابيا وكن شخصًا فاعلاً في محيطك، فمجتمعك يحتاجك”… كلماتها لازالت في أذنيّ إلى اليوم”.

من ناحية أخرى، تفصح فاطمة، وهي والدة فتاة من ذوي الاحتياجات الخاصة، إنها تبذل قصارى الجهود منذ ولادة ابنتها منى حتى يوم الناس هذا، لئلا تشعر بأيّ نقص نتيجة كونها من مجموعة الصم البكم. بيد أنّ المشكل الذي لطالما واجهته فاطمة،أنّ التنمر ابتلع كلّ الآمال الجميلة في بداية الطّريق وقتها.

خصوصا أنّ بعض زملائها “الأسوياء” في المدرسة كانوا يستفزّونها بحركات معينة تبين لها عجزها. لكنها مع ذلك، ظلت تبين ذكاء حادا وتظهر رغبة كبيرة في التّعلم. تقول والدتها: لا تحتاج إلى أيّ شيء داخل الأسرة. حرصنا أنا ووالدها أن نغمرها بكلّ الحنان الممكن، وأن “نعوضها”. تفهم تضحياتنا لأجلها، رغم أنها ترفض مغادرة البيت وتتعلم أشياء جديدة على الحاسوب. لديها سرعة بديهة رائعة في الحقيقة”.

فاطمة تشدد في تواصلها معنا أنّها وجدت صعوبة كبيرة في التواصل مع منى خلال طفولتها، سيما “أننا في العائلة لم نتعود على التواصل مع شخص من الصم البكم، غير أني تعلمت أنا ووالدها لغة الإشارات التي خولت لنا جميعا التواصل.

منى، حسب والدتها، تواجه صعوبة في التعبير عن أفكارها نظرا لكون لغة الإشارات غير مفهومة من طرف أغلبية من تصادفهم في الدراسة أو في العمارة حيث نسكن. الآخرون بدورهم يجدون الأمر عسيرا ومرهقا أن يتواصلوا معها. تعيش ابنتي وضعا خاصا، لكني فخورة بها لأن لديها رغبة جامحة في عدم الاستسلام رغم ما كانت تواجهه في طفولتها من مشقّة”.

تغيير النظرة مرهق؟

يرى الباحث في علم الاجتماع أحمد الصديقي أنّ تغيير النظرة السطحية العفوية التي يخفيها المجتمع رهينة بدرجة وعي كبيرة لم تبلغها الغالبية الساحقة من المجتمع المغربي. فالتّواصل بخصوص هذه المواضيع يبقى ضئيلاً جدا، مع أنّ ذوي الاحتياجات الخاصة هم شريحة مجتمعية وحساسة موجودة وتتقاسم معنا الفضاء العام، بل آخذة في اقتحام الوظيفة العمومية، حتى أننا رأيناهم يناضلون أمام البرلمان، بمعنى أن شعورهم بالظلم ازداد، وإحساسهم أن حقوقهم مهضومة أصبح أقوى من السابق.

الصديقي يقول في تصريحه لمرايانا إنّ الأسر المغربية التي يكون ضمن أعضائها شخص في وضعية إعاقة لابد أن تخضع لتكوين في كيفية التعامل معه نفسيا وعاطفيا وذهنيا، خصوصا لتجنب الحرص الكبير والحماية المبالغ فيها التي تفردها الأسرة لهذا الفرد، حتى تشعره أنه عاجز تماما عن ولوج المجتمع لوحده وأن الفضاء مليء بالشّرور والمخاطر.

هذا يساهم في عزل الشخص وتعميق هامشيته، ويفقد الثقة بقدرته على التكيّف مع الأفراد الآخرين في مجتمعه، وقد يفقد ثقته بكلّ من حوله إذا تكرست لديه صورة سلبية عن مجتمعه.

لهذا، يعتبر المتحدث أنّ الشخص الموجود في وضعية إعاقة لا يحتاج إلى شفقة المجتمع، بل هو في حاجة إلى دعمه لاستخراج قدراته واستثمارها، وحثه على إظهار إمكاناته وإفادة الآخرين منها. هناك كفاءة مخفيّة أو مغيّبة، وما على المجتمع سوى أن يشجّع على ظهُورها فقط.

يجب أن يفكّر محيط هذا الفرد كيف ينتزعه من الانطواء والهروب من مواجهة الآخرين؛ وبالمقابل تعزيز ولوجيته لحقوقه الاجتماعية والثقافية والاقتصادية. وكلّ هذا سيصله المجتمع حين يكفّ عن “معاقبة” فرد نفسيّا على “ذنب” لم يرتكبه. الشخص في وضعية إعاقة مستعدّ للمشاركة، حين تكون الشروط ممكنة والأوضاع مغرية. وهذا طبعا، غير ممكن… دون إرادة الدولة!

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *