تغليبا للمصلحة الفضلى للطّفل… حكم قضائي يرفض إسقاط حضانة الأم بعد زواجها | Marayana - مرايانا
×
×

تغليبا للمصلحة الفضلى للطّفل… حكم قضائي يرفض إسقاط حضانة الأم بعد زواجها

كانت ثمّة قاعدة معروفة في السابق أنّ المرأة المطلقة حين تقرّر الزواج مرة أخرى، يرفع الزوج السابق دعوى ضدّ الأم الحاضنة لإسقاط حضانة الأطفال، وكانت محاكم المملكة تصبّ دائما في اتجاه إسقاط الحضانة ومنحها للزوج السابق، أي المدعي وأبّ الأطفال.

هذه القاعدة، “تحطّمت”، بفضل استثناء شكّل سابقة في تاريخ القضاء المغربي، بحيث أصدرت المحكمة الابتدائية بميدلت حكما ابتدائيا قضى برفض طلب إسقاط حضانةِ أم بسبب زواجها. فما الحكاية؟

ما القصّة؟

تجد هذه القضية جذورها في الفاتح من أبريل 2022 حين تقدم الزوج السابق والمدّعي بمقال افتتاحي، يوضح فيه للمحكمة الابتدائية بميدلت بأن المدعى عليها هي طليقته، ولهما بنت تبلغ من العمر ثماني سنوات (ازدادت سنة 2014) وأن طليقته تزوجت؛ لذا يلتمس الحكم بإسقاط حضانة الطفلة من والدتها، وإسنادها له.

المدعى عليها قدمت دفوعها أيضا، إذ أكدت بأن البنت تتابع دراستها بتفوق كبير بالمستوى الرابع ابتدائي، وفي حاجة ماسة إلى والدتها، وقد ضحّت بالغالي والنفيس لكي تسهر على راحتها، وبأنها تعيش في جو يطبعه الاستقرار النفسي والعائلي، ملتمسة رفض الطلب.

خلال جلسة البحث التي جرت في 28 يوليوز 2022، تم الاستماع للأبوين، حيث تمسك الزوج السابق بطلبه في إسقاط الحضانة عن طليقته لزواجها من أجنبيّ، فيما شددت الزوجة السابقة أن ابنتها تعيش رفقة إخوتها من زوج والدتها. إضافة لذلك، تم الاستماع للطفلة التي صرحت بأنها “تعيش رفقة والدتها وإخوتها من أمها، وبأنها في حالة جيدة رفقتهم، ولا تعرف والدها الذي نادرا ما يزورها، وترغب في العيش مع والدتها وإخوتها”.

منطوق الحكم… 

بعد المداولة طبقا للقانون، قضت المحكمة الابتدائية بميدلت برفض طلب إسقاط حضانة الأم رغم زواجها، معتمدة على أنه من المقرر قانونا أن الحضانة تسند لمن تتوفر فيه الشروط المنصوص عليها في المادة 173 من المدونة، ومنها القدرة على تربية المحضون ورعايته صحة وخلقاً، ومراقبة تمدرسه.

المحكة قالت أيضا، في الحكم الذي اطلعت عليه مرايانا، إنه “لئن كانت المادة 171من المدونة تخول الحضانة للأم ثم للأب ثم لأم الأم، فإن مقتضيات المادة 186 تفرض على المحكمة مراعاة مصلحة المحضون بالدرجة الأولى عند تطبيق مواد الباب المتعلق بالحضانة”.

كما تأكد للمحكمة أن البنت تقيم مع والدتها رفقة زوجها وإخوتها من أمها وتحت حضانتها الفعلية منذ صغرها، وأنها تنعم باستقرار نفسي مع والدتها، وتتابع دراستها بتفوق؛ فضلا عن أنها رفضت الانتقال للعيش مع والدها بشكل مطلق، وهو ما قد يشكل ضررا لها، الأمر الذي يجعل مصلحتها الفضلى تكمن في بقائها مع والدتها.

لكلّ هذه الأسباب، قضت المحكمة برفض الطلب وتحميل المدعى الصائر.

اجتهاد قضائي 

في تصريح لمرايانا، قال الباحث في القانون محمد أمين جليلي إنّ هذا الحكم يعكس اجتهادا قضائيا، يوضّح اتجاها باتت تسير فيه المنظومة القضائية المغربية مراعات للتحولات القيمية التي تجري في المجتمع، كما أنه حكمٌ يراعي المصلحة الفضلى للطفلة ويصون حقوقها، حيثُ بدا لهيئة القضاء أنّ الطفلة إذا انتقلت للعيش مع والدها في بيئة أخرى، فقد يحدث ذلك ضررا نفسيا لها، بما أنّها ترفض ذلك وتقرّ بتشبثها بوالدتها.

من ناحية أخرى، يكشف جليلي بأنّ هذا الحكم يميط اللثام عن مأساة العديد من النساء المطلقات اللائي يضطرهن القانون إلى التخلي عن أطفالهن بسبب أحكام إسقاط الحضانة التي يكون الزوج السابق طرفا رئيسيا فيها، وهو ما يجعل الاحتفاظ بحضانة أبنائهن بعد الزواج أمرا صعبا.

لهذا، يرى المتحدث أنّ هذا الحكم قد يكون بابا مفتوحا لاجتهادات أخرى مماثلة، وسيمنح أملاً كبيراً للعديد من النساء المطلقات الراغبات في الزواج، واللائي يتخوفن من دعوى إسقاط الحضانة ويعدلن عن فكرة الزواج بسبب ذلك. كما أن هذا الحكم في غاية الراهنية والأهمية، وخصوصا أنه اعتمد مبدأ المشاركة، عبر الاستماع إلى الطفلة البالغة من العمر 8 سنوات، ومعرفة رأيها ومنحها حقّ الاختيار، رغم أنّ سن الاختيار المحدد في مدونة الأسرة هو 15 سنة.

يجمل المتحدث بأنّ هذا الحكم يعدّ سابقة تعيد فتح باب النقاش تجاه تعديل مدونة الأسرة الحالية المعمول بها منذ سنة 2004، ومراعاة العديد من الشروط التمييزية ضد المرأة والطفل، والتي يشير إليها الباحثون والمنظمات الحقوقية والنسائية كل سنة، منها مثلاً ضرورة إعادة النظر في النيابة القانونية للأب على الأبناء، لما تتضمنه من حيف كبير يجعل حياة المطلقة وأبناءها مليئة بالعقبات والتحديات.

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *