هل عارض عبد الله بن المقفع القرآن؟ | Marayana - مرايانا
×
×

هل عارض عبد الله بن المقفع القرآن؟

منذ أن قام «ميكائيل أنجلو جويدي» بتحقيق ونشر كتاب «الرد على الزنديق اللعين ابن المقفع»، وقد وضعت تلك المسألة –وإن كانت في سياق زندقة ابن المقفع- على قواعد بحثية جديدة قضت معها على تلك المحاولة الساذجة التي قام بها «محمد كرد علي» لتبرئة ابن المقفع في مقدمته لـ «رسائل البلغاء».

تُنسب معارضة القرآن إلى عبد الله بن المقفع وجماعة من الزنادقة، وذلك في رواية تجمع بين عبد الله الديصاني وابن أبي العوجاء وعبد الملك البصري وعبد الله بن المقفع، يستهزؤون بالحجاج واتفقوا فيما بينهم بنقض القرآن وكلف كل منهم بنقض ربعه.

غير أن محاولة ابن المقفع تقليد القرآن لم تؤخذ على محمل الجد لعدم وصول كتاب أو نصوص صريحة له تحمل تقليدا للنص القرآني. وكان عباس إقبال قد رفض تلك الرواية التي تنسب إليه معارضة القرآن ونعتها بالخرافة التي حكاها حمد الله بن نصر القزويني في «تاريخ كزبدة»، حتى إن الباقلاني في «إعجاز القرآن» أنكر وجود كتاب لابن المقفع عارض فيه القرآن، وذلك بالإحالة إلى كتاب «الدرة اليتيمة» وتلك الدعاوى التي كانت تزعم أنه انشغل بها فترة ثم مزق ما جمع واستحى من إظهار ذلك.

بيد أنه، ومنذ أن قام «ميكائيل أنجلو جويدي» بتحقيق ونشر كتاب «الرد على الزنديق اللعين ابن المقفع» للقاسم بن إبراهيم الرسِّي[1]، وقد وضعت تلك المسألة –وإن كانت في سياق زندقة ابن المقفع- على قواعد بحثية جديدة قضت معها حسب المستشرق الإيطالي «فرانشيسكو غابرييلي» على تلك المحاولة الساذجة التي قام بها «محمد كرد علي» لتبرئة ابن المقفع في مقدمته لـ «رسائل البلغاء».

ابن المقفع عند «غابرييلي» لديه بغض ممزوج بالشك نحو الإسلام الذي اعتنقه ظاهريا فقط. بل وقد ذهب إلى أكثر من ذلك، فرأى «عند ابن المقفع عقيدة إلحادية معينة، مانوية أو ثنوية بأي معنى من المعاني»، وإن كان لم يستطع أن يحدد عقيدة ابن المقفع هذه، وذلك لغموض توصيف لفظ «الزندقة» الذي يجتمع تحته المانويين والماديين مثل البقلي؛ والمفكرين الأحرار كصالح بن عبد القدوس وأبي العتاهية مع الملاحدة الحقيقيين.

يتشكك مؤلف ضحى الإسلام[2] في نسبة الأصل لابن المقفع ورد القاسم بن إبراهيم الرسي من عدة وجوه، وتعرض لنقده على محورين: فذكر أن مؤلفات القاسم عند ابن النديم تخلو من ذكر هذا الكتاب. أما فيما يخص ابن المقفع فنيا، فأسلوب الكتاب غير أسلوب ابن المقفع في باقي كتبه لا سيما «مرسال الصحابة» و«كليلة ودمنة»، فهذه الكتب عنده خالية من السجع إلا ما جاء عفوا، بعكس تلك الشذرات التي ذكرها القاسم أثناء ردوده، والتي يعمد فيها إلى السجع أحيانا كقوله: «لأن كون شيء من لا شيء لا يقوم في الوهم له مثال، وما لا يقوم له في الوهم مثال فمحال». وهذه أيضا عبارة من نوع التعبير الفلسفي والتي عرفت بعد زمن ابن المقفع.

والسبب الثاني الذي من أجله تشكك أحمد أمين في نسبة أصل الكتاب لابن المقفع، هو استهزاؤه بأن لله يدين وبالاستواء على العرش… إلخ، وحمل هذه الألفاظ على ظاهرها رغم ضلوعه في اللغة العربية. غير أن كاتب هذه السطور يختلف مع أحمد أمين فيما ذهب إليه، حيث يكاد يجمع الباحثون على صحة نسب الكتاب لابن المقفع، وذلك من ناحيتين: فأسلوب الكتاب بعد عقد مقارنة، لا يختلف لفظيا أو لغويا عن أسلوب ابن المقفع في باقي كتبه. وأما فيما يخص المحتوى، فهناك فقرة أوردها القاسم الرسي تتفق مع ما ورد في باب برزويه، وهي: «أخرج سلطان الجاهل الذي يستر عليك الجهالة، ويأمرك ألا تبحث ولا تطلب، ويأمرك بالإيمان بما لا تعرف، والتصديق بما لا تعرف… (إلى آخر الفقرة)». هذه الشذرة تتفق وما ورد في باب «مثل المصدق والمخلوع»، والتي تحث المرء على ألا يصدق تصديقا أعمى دون إعمال العقل والفكر.

من ناحية أخرى، لئن كانت فكرة «التخريج» حاضرة في ذهن مؤلف ضحى الإسلام في سياق نقده لنسبة أصل الكتاب وذلك لينزعته الاعتزالية التي أراد أن يلبسها لابن المقفع، فإذا ما كان التخريج يعني حسب ابن قتيبة: طلب المخرج، وطلب المخرج لا يكون إلا بضرب من التحايل على اللفظ باللفظ ليخرج عن معناه الظاهر إلى المعنى الباطن المقصود[3]. ومن منظور معاكس أيضا، نستطيع أن نقلب أطروحة أحمد أمين رأسا على عقب، وذلك إذا قلنا إأن «التأويل» في أصل اللغة حسب الراغب الأصفهاني[4] يطابق التفسير حرفيا، إذ أإن التأويل من الأول يعني الرجوع إلى الأصل، ومنه الموئل للموضع الذي يُرجع إليه، وذلك هو رد الشيء إلى الغاية المرادة منه علما كان أو فعلا. فابن المقفع ما كان يصدر هذه التعبيرات ويحملها على ظاهرها إلا تهكما، بل مبالغة منه في الاستخفاف والتهكم.

ما الغرض من كتاب ابن المقفع؟

بالنسبة لغرض الكتاب، فالرأي مختلف في تقرير طابعه، أكان ردا على القرآن ومعارضة يقصد منها نقدا للإسلام، أم هناك غرض آخر منه؟

كان المستشرق ميكائيل أنجلو جويدي ينظر إليه على أنه ضرب من معارضة القرآن، فبعض شذرات الكتاب طبقا له: «دفاعا عن النور» و«نقد وتهكم بإله القرآن» و«ضد الرسول» و«ضد التصديق الأعمى» و«ضد الإسلام» و«نقد العقائد الإيمانية القرآنية» و«جهنم والمانوية».

وكان “جويدي” قد رأى فيه أيضا الخطوة الأولى على الحجاج الموجه ضد الإسلام الذي بلغ أوجه في مؤلفات ابن الراوندي. وقد أعطى جويدي أهمية كبرى لتلميحات القاسم عبر صيغة البدء «بحمد النور الرحمن الرحيم».

لكن، على العكس من ذلك، يذهب غابرييلي إلى أنه باستثناء الابتداء بهذه الصيغة، والتي تعني تقليدا للبسملة القرآنية، لا يوجد أي أثر من داخل الشذرات التي أوردها القاسم يدل على أنه كان تقليدا للقرآن، لخلوه من السجع كتلك الكتابات التي سبقت وعارضت القرآن فعلا، والتي ابتدأت مع مسيلمة وصارت مع المتنبي وأبو العلاء المعري؛ فغرض الكتاب، طبقا لغابرييلي، ليس معارضة القرآن، بل دفاعا عن المانوية التي كان يؤمن بها ابن المقفع إيمانا صادقا، فتلك الديانة كانت عزاءه وهي التي هدأت من روعه ومن ثورة الشك التي أحاطت به، ولعل باب برزويه بكتاب «كليلة ودمنة» خير شاهد على ثورة الشك هذه.

بالمقابل، نشر المستشرق الألماني «جوزيف. فان إس» سبع شذرات -طبقا لأورفوا- لا جدال في أنها تشكل معارضة أسلوبية للقرآن. أي ليس لها هدف أدبي، وخالية تماما من الأفكار الدينية. والهدف من ذلك هو إظهار اللغة القرآنية على أنها لغة عادية غير معجزة.[5]

يخلص «جوزيف. فان إس» إلى أن ابن المقفع قدم نصا بجمال القرآن وبكماله اللغوي. فلا يمكن أن يكون الكلام هنا على هرطقة، لأن هدف ابن المقفع تجريبي وليس سجاليا[6]. يقول «جوزيف. فان إس»: “ينبغي علينا أن نتلو هذا النص مرارا كما نفعل مع القرآن، إذ بالإلف يجد الناس أن النصوص المتلوة لطيفة… فالعادة هي التي تجعل النص مستساغا. وذلك عل العكس من قلة المعرفة بالشيء والغرابة التي تؤدي إلى النفور“.[7]

«جوزيف. فان إس» أحال العذوبة التي تحدث في حس السامع، ووقعها في القلوب حين تلاوته، إلى العادة. غير أن هذا يتعارض مع الرواية التي تحدثنا عن عتبة بن ربيعة حينما أوفد من قبل قريش ليتوافقوا على أمور مع النبي، فسمع منه آيات من (حم) السجدة فارتعد ورجع إليهم، فقالوا إن أبا الوليد أقبل بغير الوجه الذي ذهب به. ومع تلك الرواية التي تحدثنا عن الوليد بن المغيرة حين سماعه للقرآن وتأثيره في النفوس. ولعل ذلك ما عناه أبو سليمان الخطابي بإظهار إعجاز القرآن بنفي الصرفة أو الإخبار عن أمور مستقبلية، بل بالإحالة إلى تأثيره في النفوس وصنيعه بالقلوب. فإنك لا تسمع كلاما غير القرآن، منظوما ولا منثورا، إذا قرع السمع خلص له إلى القلب من اللذة والحلاوة في حال، ومن الروعة والمهابة في أخرى ما يخلص منه إليه[8]. وسواء صحت ادعاءات «جويدي» و«جوزيف. فان إس» بأن الشذرات المنسوبة لابن المقفع، التي أوردها القاسم بن إبراهيم الرسي، تعتبر معارضة أسلوبية للقرآن أم لم تصح، كما ذهب إلى ذلك «غابرييلي»، فإن الثابت تاريخيا أنه قد جرت محاولات حقيقية لتقليد القرآن.

هذا يدل على أنه كان هناك تباين في النظر إلى نظم القرآن. فاتجاه رآه معجزا، واختلف في بيان أمر هذا الإعجاز على ما سنرى، واتجاه آخر لم ير فيه ذلك، مثله المتنبئون كـ مسيلمة وطلحة الأسدي وسجاح بنت الحارث والنضر بن الحارث وغيرهم، والزنادقة الأوائل أو طبقة الكتاب ومن بعدهم المتنبي وقابوس بن وشمكير وابن سينا والمعري وابن الراوندي.

كانت «كلود أوديبير» ترى بأن عبد الله بن المقفع ينتمي لحقبة بدت فيها مقولة الإعجاز الشكلي للقرآن غائبة عن اهتمامات المسلمين. فالمسلمون تدرجوا في نظرية الإعجاز القرآني. كان اهتمامهم حينئذ يرتكز حول تثبيت النص وتمييزه عن الشعر وبيان أصول الوحي. ثم أتت حقبة ثانية حددها «أورفوا» من 150 إلى 250 هجرية[9] بدأت المقارنة تظهر بين القرآن وبقية الكتب المقدسة للأديان الأخرى من جهة، وبينه وبين أعمال الفلاسفة الإغريق من جهة أخرى. ولكن بقيت المقارنة على مستوى المضمون. وكانت أطروحة النظام المعتزلي هي الموضحة لتلك الفترة. ثم كانت المرحلة الثالثة، هي تلك الأطروحات التي كانت تحمل نقدا على المستوى الأسلوبي، والتي جمعها “الخطابي” بغرض تفنيدها  بالقرن الرابع الهجري، وهو أقدم من ألف في إعجاز القرآن.[10] غير أن الملفت للنظر أن الخطابي لم يذكر لنا من هؤلاء المعارضين لنظم القرآن الذين جمع حجاجهم لتفنيدها؟ من هم وما كنههم؟

إن المتأمل لمضمون رسالة الخطابي يلتمس بين ثنايا ردوده وجود تيار قوي كانت مهمته هي نقد نظم القرآن وبلاغته. فكثيرا ما كان يأتي بتلك الصيغة: فإن قيل… قلت… أو: وأما ما ذكروه من… فأقول…

الخطابي كان قد أورد بعض النقد الموجه لبلاغة القرآن من قبل تلك الفئة، فمنه على سبيل المثال: “فإن قيل إننا لا نسلم لكم ما ادعيتموه من أن العبارات الواقعة في القرآن إنما وقعت في أفصح وجوه البيان وأحسنها، لوجدنا أشياء منها بخلاف هذا الوصف عند أصحاب أهل اللغة والمعرفة كقوله «فأكله الذئب»، فإنما يستعمل مثل هذا في فعل السباع خصوصا «الافتراس»، فيقال: افترسه السبع. هذا هو المختار الفصيح في معناه. أما الأكل فهو عام لا يختص به نوع من الحيوان دون نوع”.

ومنه أيضا قوله: «ذلك كيل يسير»، قالوا: وما اليسير وما العسير من الكيل والاكتيال… ومنه: «وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم»، فالمشي في هذا ليس بأبلغ الكلام. ولو قيل بدل ذلك: أن امضوا وانطلقوا لكان أفصح… ومنه: «هلك عني سلطانيه»، إنما يستعمل لفظ الهلاك في الأعيان والأشخاص وهذا بخلاف الأمور المعنوية… وغير ذلك من هذا الاحتجاج الموجه لنظم القرآن وبلاغته. إنه لمن المؤسف حقا هنا أن الخطابي لم يوضح لنا كنه تلك الفئة التي وقفت وراء هذا النقد، فمن هم؟ وما هي كتبهم؟ وفي أي سياق وجه هذا النقد؟ هل هم المزدارية؟[11] أم هم الحسينية؟[12] أم هي نزعة شعبوية كانت ولا زالت تكتب هذا على الإسلام في تلك الفترة؟

المصادر

[1]  القاسم بن إبراهيم كما جاء في «عمدة الطالب في أنساب آل طالب»: هو القاسم بن إبراهيم بن طَباطِبا بن إسماعيل الديباج بن إبراهيم الغمر بن الحسين المثنى بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وكان يكنى أبا محمد، وكان يقيم في جبال الرس ولذا عرف باسم: قاسم الرسِّي. والملاحظ أن القاسم قد مات بعد عبد الله بن المقفع بنحو قرن من الزمان. وكتاب القاسم المقصود كامل بنصه وكتاب ابن المقفع لم يرد ذكره كله بنصه، وإنما ذكر المؤلف فقرًا منه للرد عليها.
[2]  أحمد أمين، ضحى الإسلام، ص209
[5]  المفكرون الأحرار في الإسلام، دومينيك أورفوا، ص 56.
[6]  المصدر نفسه.
[7]  كان أبو العلاء المعري قد لمح إلى فكرة أن الإلف والعادة والتكرار هي ما يجعل للنص المتلو طلاوة في نفوس المستمعين. فحينما عارض القرآن بكتابه «الفصول والغايات في مجاراة السور والآيات» قيل له: ما هذا إلا جيد غير أنه ليس عليه طلاوة القرآن. فقال: حتى تصقله الألسن في المحاريب أربعمائة سنة وعند ذلك انظروا كيف يكون …
[8] ثلاث رسائل في إعجاز القرآن. ص 70
[9]  المفكرون الأحرار. دومينيك أورفوا. ص 58
[10]  نقصد أقدم من وصلت كتبه. فالجاحظ قد صنف قبله: نظم القرآن. وعلي بن ربن الطبري الذي تحدث عن الإعجاز عرضا في كتابه «الدين والدولة» وإعجاز القرآن لمحمد بن عمر الباهلي البصري. وإعجاز القرآن في نظمه وتأليفه لمحمد بن يزيد الواسطي. وطبقا لمصطفى صادق الرافعي فهذا الكتاب شرحه الجرجاني وسماه المعتضد، ونظم القرآن لابن الإخشيد وغيره. وكل هذه الكتب لم تصل إلينا بكل أسف.
[11]  المزدارية نسبة إلى عيسى بنن صبيح الملقب بالمزدار. كان معتزليا وقال بخلق القرآن وكان يرى أن الناس قادرون على مثل القرآن فصاحة ونظما وبلاغة. (راجع: الملل والنحل للشهرستاني، الجزء الأول)
[12]  الحسينية أصحاب الحسين بن القاسم العناني، كانوا يرون أيضا بأن الناس قادرون على مثل نظم القرآن فصاحة وبلاغة.

مواضيع قد تهمك:

 

تعليقات

  1. مختار التوم مختار السودان

    التعليق
    اعتقد انك لو كنت أمينا لاوردت رد الإمام الخطابي علي الشبهات التي آثارها الملاحدة و لكنك تركت القارئ لا يعرف كيف يرد علي هذه الشبهات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *