المتنبي… هل كانت نرجسيّته سبباً في مقتله؟ 3 - Marayana - مرايانا
×
×

المتنبي… هل كانت نرجسيّته سبباً في مقتله؟ 3\3

تعرفنا في الجزء الأول على حياة المتنبي وكيف تحول إلى نابغة، ثمّ انتقلنا، في الجزء الثاني، إلى الحديث عن دور النبوغ في أن يصبح من أهم الشعراء في بلاط أمير حلب سيف الدولة قبل الخلاف معه ومغادرته نحو مصر كافور الإخشيدي، طمعاً في الملك… (تجدون روابط الجزأين أسفل المقال).
في هذا الجزء الثالث والأخير، نقدم ملامح النرجسية التي تميّزت بها أشعاره، والتي أصبحت من الأمور الأكثر أهمية بالنسبة لكثير من الباحثين المعاصرين.

تقول الباحثة رولا محمد غانم: “سر عبقرية المتنبي يكمن في استخدام المفردة العربية، ومعرفة صياغتها مع أخواتها، وقدرته على تصوير المتصارعات في الحياة من ناحية فكريّة وفنيّة أيضًا”… لكن، هل غابت أناه عن عملية التصوير هذه؟

من الفخر إلى “النّرجسية”؟

كان المتنبي مفتوناً بذاته لدرجة غير منطقيّة بالمطلق. من الواضح أنها من الخصائص التي اتّسم بها شعره، فجعلته يخرجُ عن غرض الفخر بالذّات الذي كان معروفاً عند العرب. يقول في أحدِ الأبيات:

وَفُؤادي مِنَ المُلوكِ وَإِن كا … نَ لِساني يُرى مِنَ الشُعَراءِ

تمّ تلقيبه بشاعر السّيف والقلم، لكونه افتخر بنفسه محارباً حيناً وشاعراً حيناً آخر. كان صاحب شخصية فريدة جدًّا ولها طموحات طنّانة، تتفجّر في طغيان ضمير المتكلم المفرد وسيطرة “الأنا” في أشعاره. تجدر الإشارة  هنا أن أشعار المتنبّي كانت غاصّة، أيضًا، بالحكمة والتبصّر وعمق النّظر.

من حيثُ الشّكل والمضمون، لم يكن فخرُ المتنبي بنفسه بطريقة جنونية أمراً طارئا على البيئة الشّعرية حينها، فالفخر بالذات أو بالجماعة معروفٌ منذ ما يعرف بـ”الشّعر الجاهليّ”. بيد أن المتنبي أسرف وتمادى في الافتخار بذاته، حتى دفع ذلك النّقاد إلى استخدام علم النّفس الثّقافي لفهم أنّ شخصيّته كانت “عليلةً” بتضخّم الأنا والنّرجسيّة وجنون العظمة، مثل البحث الذي اعتمدنا على الكثير من تفاصيله في هذا الملف، والحامل لعنوان “النرجسية في شعر المتنبي، مقاربة نفسية اجتماعية“، لسامية محجوب.

تكوّن تصوّر راسخٌ لدى المتنبي بأنه لا مثيل له من الشعراء وأنه ظاهرة زمانه، فتعالى على الآخرين. يفسّر ذلك مدحهُ لنفسه أكثر من مدحه للآخرين، ولو دفعوا مالاً وفيراً مقابل ذلك، فلن يثنيه ذلك عن تضمين أناهُ “المُتغطرسة” في أي قصيدة يبدعها.

أنشد المتنبي في صباه:

أَمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ … فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

قيل طبعا إن في هذا مبالغة فجّة في الفخر بالذات، فهو يقصي الجميع، جملةً، من مكانته، ويتربع عليها لوحده. لذلك، صوّر الحسّاد والحاقدين من الشعراء وغيرهم، بقوله:

أَنا تِربُ النَدى وَرَبُّ القَوافي … وَسِمامُ العِدا وَغَيظُ الحَسودِ
أَنا في أُمَّةٍ تَدارَكَها اللَـ … ـهُ غَريبٌ كَصالِحٍ في ثَمودِ

اعتزاز المتنبي بذاته، بلغ مرحلة جد ناضجة، لدرجة لم يعد مستساغاً بالنسبة لغيره من الشعراء في حلب، خصوصاً قولهُ:

ألخَيْـلُ وَاللّيْـلُ وَالبَيْـداءُ تَعرِفُنـي … وَالسّيفُ وَالرّمحُ والقرْطاسُ وَالقَلَـمُ

مبدئيًّا، هذا التشبيه لا يعرفُ شذوذاً عمّا تداولته العرب في الإبداع اللغوي وما ينطوي عليه من مضمون. إلاّ أنّ المتنبي، كما العادة، “تميز بالتكثيف بافتخاره بنفسه، فجمع هنا الفخر بالفروسية، وبالمحارب البطل، وبالشجاعة، وبالعلم كذلك، فكل الصفات العظيمة قد اجتمعت فيه”.[1]

يقول في موضع آخر:

أَنا اِبنُ الفَيافي أَنا اِبنُ القَوافي … أَنا اِبنُ السُروجِ أَنا اِبنُ الرِعانِ
طَويلُ النِجادِ طَويلُ العِمادِ … طَويلُ القَناةِ طَويلُ السِنانِ

تستمرّ أنا المتنبي في الحضور بقوّة في قصائده. تستمرّ في اتخاذ صور وأشكالٍ متعدّدة. في هذه الأبيات مثلاً، لا يضعُ المتنبي اعتباراً لأحد، ولا يخاف أبداً، بل الكل محتقر في نظره:

أَيَّ مَحَلٍّ أَرتَقي … أَيَّ عَظيمٍ أَتَّقي
وَكُلُّ ما قَد خَلَقَ الـ … لهُ وَما لَم يَخلُقِ
مُحتَقَرٌ في هِمَّتي … كَشَعرَةٍ في مَفرِقي

يقول في موضع آخر:

ودَهْرٌ ناسُهُ ناسٌ صِغارٌ … وإنْ كانتْ لهمْ جُثَثٌ ضِخامُ
وما أنا مِنْهُمُ بالعَيشِ فيهم … ولكنْ مَعدِنُ الذّهَبِ الرَّغامُ

من الواضح أنّ “هناك توافقا بين الإحساس العالي لحب المتنبي لنفسه وترجمة ذلك على مستوى لغته الشعرية، والموضوع الذي يظهره الشاعر من خلال هذه الأبيات، هو الحب والكبرياء العظيم لنفسه”. [2]

في مقطع شعري آخر، في علاقة المتنبي بالزمان وما سيفعله به إذا رآه، وتلك الخيل التي لن تعرف النوم والراحة أمامه، فهي صورة لها دلالة الفروسية الكبيرة التي اكتسى بها، حيث قال:

ولو بَرَزَ الزّمانُ إليّ شَخصاً … لخَضّبَ شعرَ مَفرِقِهِ حُسامي
وما بَلَغَتْ مَشيئَتَها اللّيالي … ولا سَارَتْ وفي يَدِها زِمَامي
إذا امتَلأتْ عُيُونُ الخَيْلِ مني … فَوَيْلٌ في التّيَقّظِ والمَنَامِ

إنها استعارات لغوية متعالية عن رمزية التّشبيه. وتلك هي المبالغة. حتى أبو تمام لم يبلغ هذا المنحى في تجاوز التشبيه على هذا النّحو. لذلك، قال النقاد إنّ ما ميّز شعر المتنبي عن شعر أبي تمام هو غلوّ الأول في المبالغة. [3]

تبيّن حكاية المتنبي بجلاء أن نرجسيّته جعلتهُ حريصاً أن يبدو دائماً في مركز قوّة، وصاحب أنفة ونخوة. حين كان يمدح الملوك والأمراء، تراه يخاطبهم مخاطبة الصديق لصديقه، حتى يزيل الفوارق، بين الشاعر والحاكم. يفسّر ذلك إدراجه أبياتا عن نفسه في كثير من قصائد المدح، وهو ما تشير المصادر أنّه كان يزعج سيف الدّولة.

هي الأنا التي لازمت المتنبي طوال حياته، واتّضحت جلية في شعره، وها هي أناه الصّريحة بالضّمير “أنا”:

أنا صَخْرَةُ الوادي إذا ما زُوحمَتْ … وإذا نَطَقْتُ فإنّني الجَوْزاءُ

وصف نفسه به، فهو وليد الصحراء، وحتى البحر، يشهد له:

وكم من جِبالٍ جُبتُ تَشهَدُ أنّني الـ … ـجِبالُ وبَحْرٍ شاهِدٍ أنّني البَحْرُ

إنه مجدداً تحرّر من سطوة التشبيه، ولم يركن حتى إلى أدواته. لنلاحظ أنه اعتمد صيغة التعريف “ال” في كلّ من الجبال والبحر، وهذا يكفي لتظهر ملامحُ نرجسية هذا الشّاعر… المُبدع حدّ الجنُون!

بيد أنّ هذه النّرجسية التي لقيت اهتمام النقاد المعاصرين لم تؤثر على شعر المتنبي، وظّلت مكانته اعتبارية في محراب الشعر العباسيّ، حتى أنّ أبياته هذه هي مصدر إلهام لكثير من الناس اليوم، فلطالما نجد تدوينة تضمّ بيتاً شعريا للمتنبي يفخر عبره بذاته، وهي صورة أخرى لكون المتنبي لازال يعيشُ بيننا.

يقول المتنبي:

سَيعْلَمُ الجَمعُ ممّنْ ضَمّ مَجلِسُنا … بأنّني خَيرُ مَنْ تَسْعَى بهِ قَدَمُ
أنَا الذي نَظَرَ الأعْمَى إلى أدَبي … وَأسْمَعَتْ كَلِماتي مَنْ بهِ صَمَمُ
أنَامُ مِلْءَ جُفُوني عَنْ شَوَارِدِهَا … وَيَسْهَرُ الخَلْقُ جَرّاهَا وَيخْتَصِمُ

من النّرجسية… إلى الموت!

مقتلُ المتنبي بدوره مسألة غامضة في سيرته، لكونها أيضاً فيها نقاش بين المؤرخين والنقاد.

الفريقُ الأول يزعمُ أنّ فاتك بن أبي جهل بن فراس الأسدي، هو الضالع في اغتياله؛ ذلكَ بعدما ترصّد له رفقة جماعة من قومه. السبب في ذلك يعود إلى “هجاء المتنبي لابن أخته ضبة بن يزيد العتي وإفحاشه في الهجاء بصورة تمس العرض وتخدش الشرف”. [4]

المصادر التي تناقلت هذه الرّواية، تقرّ أنّ الهجاء كان قاسيا ولاذعاً، إلى درجة أثار حمية فاتك فثار لابن أخته وقتل المتنبي.

الرواية الثانية تذهبُ في منحى مغاير، مؤدّاهُ أن معز الدولة البويهي كان وراء التخطيط والتنفيذ لوضع نقطة نهاية لحياة المتنبي. لكن، بخصوص الذريعة التي يقال إنها دفعت إلى هذه الخطوة، فهي تذهب إلى أنّ أبا الطيب استخفّ بمعزّ وبوزيره المهلي ولم يمدحهما حينما وفد عليهما.

كما أنّ الذريعة الحقيقية، في نظر أصحاب هذه السّردية، تتعلّق بتمادي المتنبي في تسليط لسانه للنيل من العجم وتحريض العرب ضدهم، الأمر الذي جعل معز الدولة البويهي يتربص به، حتى وجد في فاتك خير منفذ لمكيدته في قتل المتنبي.

الروايتان تقرّان أن فاتك هو المنفّذ، غير أنّ الأسباب الحقيقية غير واضحة، بقدر وضوحها في إطفاء نجم المتنبي في ذلك الزمن، في شهر رمضان لسنة 354 هـ.

عن حيثيّات الاغتيال، بينما كان المتنبي ومعه غلمانه وولده محسّد، في الطريق إلى بغداد فالكوفة، خرج عليه فاتك ومعه نفرٌ من رجاله، تقول رواية أن عددهم كان 30 ورواية أخرى 60.

لمّا بدأ القتال، تنقل الرّواية السّائدة أنّ أبا الطيب حاول الفرار بعد أن رأى المعركة محسومة لصالح فاتك وجماعته، فقال له غلام: لا يتحدث الناس عنك بالفرار وأنت القائل:

الخيلُ والليلُ والبيداءُ تعرفنـي … والسيفُ والرمحُ والقرطاسُ والقلمُ

فرد عليه بقوله: قتلتني قتلك الله.

لم تسمح له أنفته ونرجسيته باللوذ بالهرب، وعاد ليُقاتلَ… حتى قُتلَ هو وولدهُ في ذات النزاع.

منذُ ذلكَ الحين، وهو يلقّب بـ“الشّاعر الذي قتلهُ شعره”…

… المتنبي في النهاية يبقى أسطورة شعرية عجز التاريخ عن محو أثرها. إنه في حدّ ذاته تراث حافل بالحكمة وعمق النّظر رغم كلّ المطبّات النّفسية ورغم قربه من السّلطة… إنّه الحاضر الغائب في التّراث العربيّ ككلّ… ولاسيمَا شقّه اللاّمادي!

هوامش:

[1]سامية محجوب، عن ورقتها البحثية: النّرجسية في شعر المتنبي، مقاربة نفسية اجتماعية.

[2] المرجع نفسه.

[3] أحمد علي محمد، المحور التجاوزي في شعر المتنبي.

[4] حمود محمد، أبو الطيب المتنبي، بيروت، دار الفكر اللبناني، 1993.

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *