×
×

المتنبي: المدح والتّرحال… والكَرامة! 2\3

في هذا البورتريه نقدم نظرة حول المتنبي، ففي الجزء الأول (تجدون رابطه في الأسفل) تطرقنا إلى حياة المتنبي ونشأته، وسلطنا قليلاً من الضوء على حياته الفكرية والسياسية.
في هذا الجزء، نرصد اتصاله بسيف الدولة الحمداني بحلب، وكيف تحول من سجين إلى أهم شعراء زمانه.

يقول عميد الأدب العربي طه حسين: “إن للمتنبي في سيف الدولة ديوانا خاصا يمكن أن يستقل بنفسه، وهو إن جمع في سفر مستقل لم يكن من أجمل شعر المتنبي وأروعه وأحقه بالبقاء، بل من أجمل الشعر العربي كله وأروعه وأحقه بالبقاء”.

من السّجن إلى البلاط؟

حين غادر المتنبي السّجن، عاد إلى الترحال من مدينة إلى أخرى، حتى تعرف على بدر الدين عمار الخرشي، الذي كان واليا على طبرية، فانظم إليه وصار شاعره الخاص، كما تروي بعض المصادر.

ذكاء المتنبي جعله يدرك أهمية هذه الفرصة ليضاعف أسهمهُ كشاعر لا يشقّ له غبار. هذا فضلاً عن كونه وجد ما يمكن أن يخرجه من فقره، إذ باتت تُغدقُ عليه العطايا والهبات…[1]

لم يعمّر طويلاً هناك حتى غادر صوبَ أنطاكية، حيث نزل في حماية قاضيها محمد بن عبد الله بن محمد بن الخطيب، وهناك وصله خبر وفاة جدته.

سافر ثمّ عاد بعد مدّة إلى أنطاكية مجدداً، وجد عليها وقتها، “أبا العشائر الحمداني”، فاتصل به ومدحه. غير أن المتنبي كما يقول طه حسين، “لم يكن حسن الوفاء لأبي العشائر، فهو لم يكد يتصل بسيف الدولة حتى أعرض عن غيره من الناس، ونسي أبا العشائر نسیانا تاما، فلم يذكره ولم يشر إليه وكان الرجل خليقًا أن يلقى من صنيعته بعض الشكر على ما قدمه إليه من إحسان”.[2]

كانت حلب أيّام المتنبي عاصمة لإمارة عربية، تشمل الجزيرة وشمال سوريا، وأميرها على بن حمدان، صاحب لقب “سيف الدولة”. تعرّف المتبني على سيف الدولة عن طريق أبي العشائر، الذي قدمه للأمير وأثنى عليه ثناء حسنًا، حتى أعجب به سيف الدولة. طلبَ الأخير من أبي الطيّب أن ينضمّ إلى النّخبة المُكوّنة لبلاطِه، لكي يزيدَ من حضور صورته وقوته متوسّلاً ما سيكتبه هذا الشّاعر الطّموح من مديح في حقّه.[3]

قبل المتنبي عرضُ سيف الدّولة، حتى أن بعض الروايات تذهب إلى أن المتنبي هو من طلب الالتحاق بالبلاط، لكونه حلماً لازمه بعد اطلاعه على نفحة العروبة القوية الكامنة في كُنهِ سيف الدولة. كان يرى في شخص هذا الأمير رمز دولة العرب العظيمة.

هناكَ إجماعٌ على أنّ المتنبي اشترطَ على سيف الدّولة أنه، إذ أنشده بيتا لا ينشده وهو قاعد، وألا يكلفه تقبيل الأرض بين يديه، كما يفعلُ بقيّة الشّعراء. قبل سيف الدولة هذه الشروط، ومنذ ذلك الحين غدا المتنبي شاعِره الخاص. يقول المتنبي مادحاً الحمداني:

فَسِرتُ إِلَيكَ في طَلَبِ المَعالي … وَسارَ سِوايَ في طَلَبِ المَعاشِ

أمسى المتنبي مرافقاً لسيف الدّولة على الدّوام في سفره وفي حروبه وغزواته، يوثّق بشعره كلّ لحظة. هذه الحُظوة، بالذات، التي تمتّع بها، جعلتهُ هدفا للشّرور والحسد والحقد. غير أنه سرعان ما تحوّل هذا الحقد إلى مكائد ومحاولات عدّة لتأليب سيف الدولة على المتنبي، والتشكيك في أصالة شعره ورميه بتهم الضعف البياني والسرقة. إلاّ أنّ المتنبي… قاومهم بعنف وتمادى في احتقارهم.

كان من أشد خصومه: أبو فراس الحمداني وابن خلويه. وأبو فراس وهو ابن عم سيف الدولة، وكان يحملُ لأبي الطّيب حقداً عميقاً بفعل ميل الأمير إليه. هكذا، ظلّ أبو فراس يتصيّد فرص الحطّ من شأن المتنبي، حتى بدأ الأمير يصغي إلى الخصوم، وحينها كتب المتبني قصيدة عتاب لسيف الدّولة، مطلعها:

وَاحَرّ قَلْباهُ ممّنْ قَلْبُهُ شَبِمُ … وَمَنْ بجِسْمي وَحالي عِندَهُ سَقَمُ

وواصل إلقائها حتى بلغ البيت التالي:

الخَيْلُ وَاللّيْلُ وَالبَيْداءُ تَعرِفُني … وَالسّيفُ وَالرّمحُ والقرْطاسُ وَالقَلَمُ

في الحال، قال أبو فراس: وما أبقيت للأمير، إذا وصفت نفسك بالشّجاعة والفصاحة، والرياسة والسماحة، تمدح نفسك بما سرقته من كلام غيرك وتأخذ جوائز الأمير؟

… استمرّ المتنبي في إلقاء قصيدته، فوصل إلى قوله:

إنْ كانَ سَرّكُمُ ما قالَ حاسِدُنَا … فَمَا لجُرْحٍ إذا أرْضاكُمُ ألَمُ

أعجب سيف الدولة بهذا البيت إعجاباً شديداً، فأكرم المتنبي ورضي عنه، وهو ما زاد في تعاظم كره الخصوم تجاهه.

لكن، يردُ في بعض المصادر أنّ الأزمة الفاصلة التي أنهت علاقة المتنبي بحاميه، تعود إلى مجلس طرحت فيه مسألة لغوية تكلم فيها ابن خلويه مع أبي الطيب. احتدم النّقاشُ، فأخرج ابن خلويه مفتاحا وضرب به المتنبي حتّى سال دمه.

لحظتها، استشاط أبو الطيب غضباً، سيما أن سيف الدولة لم يحرك ساكنا، فلم ينصر له قولاً ولا فعلاً، فكانت تلك نهاية الودّ بينهما… مع أن روايات مغايرة تقول إن السبب الحقيقيّ هو تورّط المتنبي في حبّ خولة، شقيقة الأمير!

المتنبي يمدح حبشيًّا؟

بعد الخلاف، فارق المتنبي حلب متوجها إلى دمشق، ومنها إلى مصر حيث التحق بكافور الإخشيدي، “ذلك العبد الذي عرف كيف يسمو بنفسه ليبلغ درجة الملوك، وهناك احتفى بأبي الطيب وأكرمه وأمر له بمنزل وخدم وحاشية”.[4]

طموح المتنبي في تولي السلطة، قاده إلى حاكم أعجميّ لا يلتقي معه في مراده بإعادة المجد العربيّ. كان كافور قد قصد في طلب المتنبي، ليلبي هذا الأخير مطلبه، غير أنّ هذه المرة، تتوق نفس الشاعر إلى شيء آخر وهو الحكم، أو تولي الإمارة”.[5]

على الرغم من أنه كان کارها للأعاجم والحكام الأعاجم، وكافور رجل أعجمي مسلم، غير أنه قام بمدح كافور، طمعا في الحكم.

قيل بأن مدحه كان مبطنا بالهجاء، ليمر شعره في طورين، الطور الأول: الإغماض والإبهام والإضمار والتعمية، ومعناه: أن المتنبي كان يظهر” شيئا ويبطن” شيئا آخر، والثاني: طور إظهار المضمر، أو طور التصريح، وما يعرف بالهجاء اللاذع، الذي جر کافور إلى أقبح المساوئ والصّفات.

حصل المتنبي على وعد من كافور بأن يمنحهُ إمارة يتولاّها، مع أنّ كافورا كان حذراً، وداهية؛ فلم ينل الشّاعر مراده، ليقوم بهجائه بعد مدحه له…

كانت مدائح المتنبي في فترة إقامته بمصر مقسمة بين ثلاثة أشخاص وهم: الأول نفسه، وفيها يذكر آلامه وأحزانه، وكافور هو أداة تحقيق تلك الآمال، فقد وعده بذلك، وهو يذكره بما وعد باستمرار. [6]

والثاني: ذكر سيف الدولة حين كان يعيبه حينا ويعاتبه حينا آخر، مظهرا الندم على بعده له والشوق إليه، والشخص الثالث والأخير هو كافور، فالمتنبي لم يجعل المدح لكافور، فقط مادة شعره، بل تعداه إلى أشخاص آخرين، بين أناه الطموحة التي تبحث عن الحكم هذه المرة، والأنا المتعالية، التي تشرق بين ثنايا قصائده دوما.[7]

كان أول بيت ألقاه على ممدوحه كافور:

كَفى بِكَ داءً أَن تَرى المَوتَ شافِيا … وَحَسبُ المَنايا أَن يَكُنَّ أَمانِيا

كانت الاستعارات والتشبيهات المستعملة في أشعاره تدفعه إلى اختيار صفات دقيقة لممدوحه، مثل “أبا المسك”:

أبَا كُلّ طِيبٍ لا أبَا المِسْكِ وَحدَه … وَكلَّ سَحابٍ لا أخُصّ الغَوَادِيَا

وشّبهه بالشمس المنيرة السوداء:

تَفضَحُ الشَمسَ كُلَّما ذَرَّتِ الشَمـ … ـسُ بِشَمسٍ مُنيرَةٍ سَوداءِ

ثمّ مادحاً إيّاه بصفة المجد قائلاً:

إنّ في ثَوْبِكَ الذي المَجْدُ فيهِ … لَضِيَاءً يُزْري بكُلّ ضِيَاءِ

طلبَ کافور أن يلقب بالأستاذ، فمدحه بهذه الصفة في شعره:

تَرَعْرَعَ المَلِكُ الأستاذُ مُكْتَهِلاً … قَبلَ اكتِهالٍ أديباً قَبلَ تأديبِ

وصفهُ أيضًا بالهمّام:

عندَ الهُمامِ أبي المِسكِ الذي غرِقَتْ … في جُودِهِ مُضَرُ الحَمراءِ وَاليَمَنُ

لم تغب الأنا “المنتفخة” للمتنبي عن أشعاره التي يمدحُ فيها كافور، فتلك طبيعة مديحه…أن تحضر فيه ذاته بالضّرورة:

وَإنّي لنَجْمٌ تَهْتَدي صُحبَتي بِهِ … إذا حالَ مِنْ دونِ النّجومِ سَحَابُ

كان واضحاً أنه لا يمدح كافوراً إلا سعياً إلى الملك والحكم. لكن تقاعسه دفع الشاعر إلى التعبير عن عدم رضاه:

أُريكَ الرِضا لَو أَخفَتِ النَفسُ خافِيا … وَما أَنا عَن نَفسي وَلا عَنكَ راضِيا

قيل بأن ما دفع كافور إلى ذلك التسويف، هو حين أدرك أنه مغرور، فكيف يمكن أن يغدو إن بلغ سدّة حكمٍ ما؟ يقول المتنبي:

إذا لم تَنُطْ بي ضَيْعَةً أوْ وِلايَةً … فَجُودُكَ يَكسُوني وَشُغلُكَ يسلبُ

يريد الشّاعر أن يلتمس الحكم والولاية على صيداء فأجاب كافور: “لست أجسر على توليتك صيداء، لأنك على ما أنت عليه: تحدث نفسك بما تحدث؛ فإن وليتك صيداء، فمن يطيقك؟!”. [8]

من هذا القول، يظهرُ أن المتنبي كان طامعاً بأن يحكم منطقة ما، خصوصا صيداء. ولكن اعتزازه بنفسه وإعجابه بها، جعل كافورا متوجّساً من هذه الخطوة وحذراً منها.

ولّد ذلك انتكاسة نفسية بالنسبة للمتنبي، فندم على قدومه أصلاً إلى مصر. قرّر أن ينتقم ففتح فوهة الهجاء نحو الملك الحبشيّ على مصراعيها:

لا تَشْتَرِ العَبْدَ إلاّ وَالعَصَا مَعَهُ … إنّ العَبيدَ لأنْجَاسٌ مَنَاكِيدُ

ويقول في موضع آخر:

ولا تَوَهّمْتُ أنّ النّاسَ قَدْ فُقِدوا … وَأنّ مِثْلَ أبي البَيْضاءِ مَوْجودُ

هكذا، تلقى الشاعر خيبة كبيرة بسبب كافور. لقد أجهض حُلمه وأحرقَ توقه للمُلك. كانت هذه صفعة قويّة تنضافُ إلى الخيبَات التي لطَالما تجرّع مراراتها. قرّر الرحيل من مصر نحو بغداد، حاملاً معه كرامتهُ وجنون عظمته ونرجسيّته.

هذه النّرجسية ظلت محطّ اهتمام بالنّسبة للنقاد، وسنتعرّف على ملامحها أكثر في الجزء الثالث والأخير من هذا البورتريه.

هوامش:

[1]شفيقة العمراوي، عن ورقتها البحثية: تجليات قصيدة المدح في شعر المتنبي، دراسة جمالية.

[2]طه حسين، مع المتنبي، الطبعة 2، القاهرة، دار المعارف، 1980.

[3]شفيقة العمراوي، المرجع السابق.

[4]سامية محجوب، عن ورقتها البحثية :النّرجسية في شعر المتنبي، مقاربة نفسية اجتماعية.

[5]المرجع نفسه.

[6]نفسه.

[7]نفسه.

[8] البغدادي، خزانة الأدب ولب لسان العرب، تحقيق عبد السلام محمد هازون، مكتبة الخانجي، القاهرة، 1997.

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *