×
×

ما الذي يجري في إيران؟ ثورة ضد دولة ظل الله

بدأت حكاية الاحتجاجات في إيران يوم 13 شتنبر 2022، حين كانت مهسا أميني، وهي امرأة كردية إيرانية تبلغ من العمر 22 ربيعا، متوجهة إلى العاصمة طهران لزيارة أقاربها. تم القبض عليها من قبل ما يسمى بـ”شرطة الأخلاق” بسبب ارتدائها الحجاب الإجباري، في “الدولة الشيعية”، بـ”شكل غير لائق”.

لكنّ المثير في الحكاية أن هناك اتهامات لأعضاء هذه الشرطة بأنهم “عرّضوا الفتاة للضرب المبرح في عربتهم”. دخلت الشابة مهسا أميني في غيبوبة. بعد أيام قليلة، فارقت الحياة في أحد مستشفيات العاصمة طهران، يوم 16 شتنبر 2022.

وكالات أنباء تابعة للدولة الإيرانية قالت إن الشابة مهسا أميني تعرضت لنوبة قلبية في مركز الشرطة، بينما قال نشطاء إنها تعرضت للضرب أثناء احتجازها. يقول أفراد عائلة أميني إن النوبة القلبية لا تفسر إصاباتها والرضوض والجروح المنتشرة في جسدها؛ كما أنهم رفضوا نتائج التشريح الأولي للجثة، الذي ورد فيه أنه لم يظهر أي نزيف داخلي أو علامات لصدمة في رأس الراحلة.

هكذا، كانت وفاة أميني بمثابة الفتيل الذي أجج لهيب الغضب لدى الإيرانيين، لتغزو الاحتجاجات مختلف مناطق دولة إيران “الإسلامية”. كانت وفاة أميني تفجيرا لمكبوتات دامت لزهاء أربعين سنة من حكم ولاية الفقيه في إيران، أي منذ 1979 بعد نجاح الثورة الإيرانية بقيادة روح الله الخميني… 40 عاما من القمع والإكراه في حقّ النساء والحريات والأقليات بشكل عام.

احتجاجات عارمة 

اتصل الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي بعائلة أميني ووعد بالتحقيق في سبب وفاتها. في الوقت نفسه، قال سياسيون ووسائل إعلام موالية للحكومة الإيرانية إن الراحلة “كانت في حالة صحية سيئة، وكان لديها ورم في المخ عندما كانت طفلة”، لكن عائلتها نفت هذا الأمر بالمطلق.

تبعا لذلك، انتشرت الاحتجاجات في جميع أنحاء البلاد، والحكومة تقاوم بالطريقة الوحيدة التي عرفت على إيران منذ تظاهرات 2009: الوحشية والعنف.

اتّسعت رقعة الاحتجاجات المتواصلة في جميع أنحاء إيران، وتسربت صراخات المتظاهرين من المدن الغربية إلى أغلب المحافظات. لكنها لازالت تنطلق من مسقط رأس المقتولة أميني: مدينة سفز، إضافة لباقي المدن الكردية المجاورة والقريبة: مريوان وسنندج وكرمانشاه غربي البلاد.

كما عرفت محافظات أخرى احتجاجات عارمة، على غرار ما حدث في إيلام وهمدان وأراك، وكذلك كرج وقزوين وزنجان وأردبيل وأورومية وتبريز (شمال غرب)، فضلاً عن رشت وساري (شمال) إضافة لجنورد وبيرجند ومشهد (شمال شرق)، وصولا إلى شيراز وكرمان وبندر عباس وجزيرة كيش جنوبي إيران.

الاحتجاجات لم تكن سلميّة بالمرّة، بل تضمنت اشتباكات وعنفا بين المتظاهرين وقوات الأمن بالدولة الإسلامية، يقول متابعون إنها أسفرت عن “مقتل أكثر من 41 شخصا، من بينهم أطفال، واعتُقل العديد منهم”. كما تغذّت هذه الاحتجاجات من الرقمية لنقل صورة ما يجري في إيران للعالم، وحينها بدأ الدعم الدولي للمتظاهرين، ما دفع الحكومة الإيرانية إلى الإغلاق الفعلي للأنترنيت.

وبما أنّ إيران تعتبر من الأنظمة الشّمولية، التي “تبتكر” طرقا وآليات لفرض رقابة على الأنترنيت وتوجيه المحتوى، فإنّ الإيرانيين “ابتكروا” أيضا طرقهم في إيصال صوتهم إلى العالم. لقد لجأ المتظاهرون والمتعاطفون في إيران إلى استخدام تقنية VPN وطرق أخرى متطورة للوصول إلى المواقع المحظورة في البلد، بما في ذلك إنستغرام وواتساب، وهي للإشارة الوسائل التي جرى تسخيرها لتنظيم الاحتجاجات في البداية.

دخل إيلون ماسك على الخطّ، وقال إنّه سيوفر الأنترنت لكافة الإيرانيين انطلاقا من قمره الصناعي ستارلينك.

احتجاجات بخلفيات أعمق 

قال الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي، في مقابلة بثها التلفزيون الرسمي في أواخر شتنبر 2022، إنّ الاحتجاجات ليست بسبب مقتل الشابة مهسا أميني، بل هي تحريض وسيناريو رتّبه الغرب. وسعى الرئيس إلى تصوير الاحتجاجات على أنها عنيفة إلى حد كبير، قائلاً: “يريدون خلق الفوضى وتعريض الأمن للخطر في هذا البلد”، في إشارة عدها الكثيرون موجّهة للولايات المتحدة.

لازالت إيران تلقي باللائمة، كالعادة، في الاحتجاجات على “أعداء خارجيين”، من أجل إفراغ الاحتجاجات من محتواها الشعبي، في حين تحدثت مصادر رسمية عن اعتقال أجانب بتهمة “التحريض على إثارة الشغب”، كما رجحت وسائل إعلام دولية أن السلطات الإيرانية اعتقلت في 30 شتنبر، تسعة مواطنين أوروبيين، قالت إيران إنهم جواسيس يثيرون الاضطرابات.

في العديد من المسيرات التي نظمتها الدولة في 23 شتنبر، دعا إيرانيون إلى إعدام مرتكبي أعمال العنف المزعومة ضد قوات الأمن. وتقول صحيفة الواشنطن بوست الأمريكية إنه كانت هناك مؤشرات على احتمال تصعيد الحملة، حين دعا الحرس الثوري القضاء الإيراني إلى محاكمة المتظاهرين، وأصدر الجيش الإيراني بيانا قال فيه إنه “سيواجه مؤامرات الأعداء المختلفة لضمان الأمن”.

لكن، يبدو أنّ توقيت الاحتجاجات يوحي بشيء ما، فالخبراء أعادوا هذا الغضب الهائج إلى تدهور الظّروف المعيشية الناجمة عن عوامل مثل التضخم وارتفاع معدلات البطالة، ونقص الموارد مثل الأدوية، بسبب العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة على البلاد، إضافة إلى التدبير الكارثي للجائحة، حيث كانت إيران من أكثر الدول تضرراً من الفيروس، خاصة في أيامه الأولى.

هذا إضافة إلى رغبة الشعب الإيراني في التخلص من الحكم الإسلاموي للبلاد ومن حكم رجال الدين، حيث أبرزت ذلك الهتافات والدعوات المطالبة بتغيير النظام. ردد المتظاهرون هتاف “الموت للديكتاتور!”، في إشارة إلى المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، إضافة إلى شعارات أخرى صريحة: “الموت لخامنئي”، “خامنئي قاتل، وصايته باطلة”، “أنا لا أريد، لا أريد جمهورية إسلامية”، “هذا العام دموي، سيد علي خامنئي سيتم الإطاحة به”، أو “سأقاتل، سأموت، سأستعيد إيران”. ومما عدّه المتابعون ملفتا في هذه الاحتجاجات، أنها تشمل إيرانيين من خلفيات اقتصادية وجغرافية مختلفة وكذلك مجموعات عرقية مختلفة.

لم تتوقف خيوط الاحتجاج هنا، بل عمدت العديد من الإيرانيات إلى قص أو حلق شعرهنّ، وخلعن الحجاب وحرقنه ومزّقنه، تحديا للفرض الإجباري لارتدائه، وقامت نساء أخريات من الخارج بنفس الأمر، تضامناً مع النساء في إيران. ومن الواضح أنّ الحركة الاحتجاجية هذه المرة تقودها نساء.

تقول صحيفة الواشنطن بوست الأمريكية إن إيران أكدت مقتل العشرات من المتظاهرين وأفراد قوات الأمن، رغم أن هيئات حقوقية تقول إن عدد الضحايا أعلى بكثير مما تم الإعلان عنه رسميا، وتكمن قوة هذه الاحتجاجات في استهداف بعض المتظاهرين لأقسام الشرطة ودوريات الحرس الثوري. وقد تم اعتقال أكثر من عشرين صحفيا إيرانيا، وفقا للجنة حماية الصحفيين الموجود مقرها بنيويورك، بالولايات المتحدة الأمريكية.

لكن، ما هو المآل الذي ستكون عليه هذه الاحتجاجات في المستقبل القريب؟ وهل سيستمر رفض الشباب الإيراني أن تحكمهم مؤسسة مسنّة: ولاية الفقيه؟ وهل ستستمرّ السلطة الإيرانية في القمع والضرب والإكراه؟

أسئلة لن يجيب عنها سوى الواقع، سوى المستقبل…

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *