×
×

من مصر، أحمد حجاب يكتب: عزيزي المجتمع: هل أنت ميزوجيني؟محاولة لفهم جرائم قتل الفتيات والنساء

إن نسيج مجتمعاتنا تمر فيه كراهية النساء والفتيات كخيوط متشابكة تعبر من خلال كل شيء حولنا: نحترم أمهاتنا، لكننا نهين أمهات أصدقائنا. نعطف على إخوتنا في صغرهن ونسرق ميراثهن عندما يشتد عودنا. نلوم الضحية ونتعاطف مع المجرم.

أحمد حجاب، مدون وباحث مصري

بعد تسليط الضوء ونشر أخبار متتالية عن حوادث قتل الفتيات والنساء، ومع نشر بعض الفيديوهات التي توثق لتلك الجرائم، دخلت معظم مجتمعات منطقتنا الشرق أوسطية في حالة من الصدمة والاستنكار.

معظمنا كنا في حالة من الغضب الشديد. ملأنا الدنيا صراخاً، كتبنا. شجبنا. دخلنا في نقاشات متشابكة عن الأسباب، وتطورت علاقتنا بدوائرنا الشخصية بناء على مواقفهم من تلك الجرائم.

هنا تحديداً، أتحدث عن من يهتم فعلاً بمنع تلك الجرائم أو التقليل منها؛ لأننا، مع مرور الوقت، نكتشف أن هناك “فئة” من الرجال تؤيد استمرار تلك الجرائم وحماية مرتكبيها لأن إدانتهم تعني هزيمتهم. هؤلاء الرجال يسيطرون على من حولهم بتخويفهم وتهديدهم بشكل مستمر، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. هذا يعني أن إدانة القتل بشكل علني، تعني نهاية العيش في خوف ضمن تلك العائلات التي لا تملك إلا البلطجة للسيطرة على أفرادها، وخصوصاً الفتيات والنساء، للحفاظ على مكانة تلك العائلات ضمن محيطها الاجتماعي.

لكن، هل توقفت موجة جرائم القتل ضد النساء والفتيات؟

أذكر تلك المزحة السمجة التي كان يحفرها الطلبة السيكوباتيين على مناضد الدراسة، مع رسم زر دائري بائس: “اضغط على الزر، يختفي المدرس”… هذه بالضبط طريقة تعاملنا مع جرائم قتل النساء والفتيات. نحن نتعامل مع تلك القضايا على أنها موضة. نتفاعل معها ثم تخفت عزيمتنا لتعود لتنهض من جديد مع جريمة قتل مشهورة أخرى بين كل فترة والأخرى.

في بداية العام 2020، أصدر مكتب الأمم المتحدة للجريمة والمخدرات الذي ترأسه الوزيرة المصرية السابقة غادة والي، إحصائيات عن جرائم قتل النساء والفتيات في العالم. هذه الإحصائيات بينت أن سيدة أو فتاة تُقتل كل 11 دقيقة علي يد شريكها أو أحد أفراد أسرتها. إن جرائم قتل النساء والفتيات ليست جرائم فردية. ليست جرائم تحدث بمحض الصدفة أو العشوائية… هي جرائم تحدث بشكل مستمر نتيجة العديد من الأسباب التي تختلف تماماً عن جرائم القتل العادية.

في حوار نشر على الأنترنيت مع محققة شرطة عقب الحكم في قضية مقتل سيدة على يد زوجها، استخدمت فيه المُحققة كلمة فيمينيسايد /femenicide لوصف جريمة القتل بدلاً من كلمة homicide المتعارف عليها كوصف تقليدي لجرائم القتل العادية. بحث سريع عن المصطلح يجعلنا ندرك أنه يصف قتل الإناث، في المقام الأول، بسبب كونهن إناثا؛ وهو المصطلح المعترف به دوليًا من قبل الأمم المتحدة باعتباره أكثر أشكال العنف والتمييز ضد النساء والفتيات، وأكثرهم تطرفاً.

جرائم قتل الفتيات والنساء لا تتوقف ولن تتوقف بعد “توقف” نشر الأخبار عنها على السوشيال ميديا. كما أنها لم تتوقف قبل بدء الحديث عنها في وسائل الإعلام والتواصل… كل ما في الأمر أن كل فترة زمنية، تحدث جريمة تشغل الرأي العام لعدة أسباب، لكن في نفس اليوم الذي حدثت فيه الجريمة المشهورة، تحدث عدة جرائم قتل لنساء و فتيات أخريات لا نسمع بها أو لا ترقى للتغطية الإعلامية؛ نتيجة عدم رغبة الإعلام في تكرار نفسه أو حتى عدم وصول الإعلام لها أو بسبب منع النشر أو حتى عزوف المتابعين عن متابعة أخبار جرائم القتل.

لكن، هل تظهر جرائم القتل من العدم؟ الإجابة بشكل قاطع هي “لا”. كل يوم تحدث عشرات أو ربما مئات الآلاف من الجرائم المؤدية إلى جرائم قتل النساء والفتيات.  دعنا هنا نستعرض بعض المُقدمات السابقة لقتل النساء والفتيات التي حددها مكتب الأمم المتحدة للجريمة والمخدرات، والتي يمكن أن توضح لنا المسار الذي تتجه إليه تلك الجرائم:

  • وجود تحرش أو تتبع سابق،
  • وجود سوابق من العنف داخل المنزل،
  • الحرمان غير القانوني لحرية الضحية من التنقل أو الحركة،
  • استخدام القوة و / أو التشويه،
  • ارتكاب العنف الجنسي من قبل،
  • ضحية تقع تحت أحد أشكال الاستغلال غير المشروع،
  • جريمة كراهية (جريمة قتل الموجهة ضد النساء والفتيات لكونهم نساء وفتيات فقط).

عندما أذكر جرائم الكراهية ضد النساء والفتيات، لا ننسى مثلا جرائم رش النساء بمواد كيماوية أو جرائم طعن النساء العشوائية، مثل التي حدثت في مصر في 2017 والتي انتهت، في غشت/أغسطس 2017، بالقبض على المجرم، الذي كان يطعن النساء في الشارع ثم يستقل سيارته ويرحل.

من الهند إلى أوروبا إلى الصين إلى الولايات المتحدة الأمريكية، نجد جرائم الكراهية ضد الفتيات والنساء تظهر على السطح. أذكر خبرا من مدينة طوكيو عن رجل يدعى “يوسوكي تسوشيما” أستقل القطار وطعن وجرح عشر نساء؛ وعندما تم القبض عليه، أخبر الشرطة إنه أراد قتل النساء اللواتي تبدين سعيدات وناجحات في حياتهن”. جيران يوسوكي قالوا حينها إنه شخص هادئ لا يثير المتاعب، وهو نفس ما ذكره أحد جيران المجرم محمد عادل، قاتل الفتاة  المصرية نيرة أشرف حين صرح أن “محمد شاب محترم وأن الجيران لم يكونوا يسمعون له صوتا، إلا عندما  يضرب أمه وأخواته البنات“.

البروفيسور مايكل جي فلود، عالم الاجتماع الأسترالي والأستاذ المشارك في كلية العدل بجامعة كوينزلاند، قام بتعريف كراهية النساء أو (الميزوجينية) بأنه “نظام فكري وإيديولوجي صاحب المجتمعات الأبوية أو الذكورية منذ آلاف السنين؛ ومازالت المرأة توضع في مناصب ثانوية وتحد من فرص حصولها على السلطة وصناعة القرار. وعلى الرغم من انتشار كراهية النساء بين الرجال على وجه التحديد، إلا أنها تمارس أيضًا من قبل النساء تجاه بعضهن البعض، أو حتى تجاه أنفسهن. حيث اعتبر أرسطو على سبيل المثال أن النساء عبارة عن تشوهات طبيعية أو رجال ناقصين. منذ ذلك الوقت، كانت المرأة هي كبش الفداء في مجتمعها، وزاد من ذلك تأثير إعلام القرن الواحد والعشرين في تشييء المرأة الذي عزز بدوره نشأة ثقافة كراهية الذات والتركيز على عمليات التجميل وفقدان الشهية والشره المرضي”.

إن نسيج مجتمعاتنا تمر فيه كراهية النساء والفتيات كخيوط متشابكة تعبر من خلال كل شيء حولنا: نحترم أمهاتنا، لكننا نهين أمهات أصدقائنا. نعطف على إخوتنا في صغرهن ونسرق ميراثهن عندما يشتد عودنا. نلوم الضحية ونتعاطف مع المجرم.

أكثرنا يعي تماماً ما يفعله؛ أما بعضنا الآخر، فهو لا يعي كراهيته للنساء لأن هؤلاء… يرأسون عصابات كراهية النساء! لكنهم سائرون في ركب الكراهية دون أن يعلنوا اعتراضهم… يختبئون خلف القول الدارج إن هذا ما وجدوا عليه عائلاتهم أو دوائرهم الاجتماعية. إن أخطر ما في الوضع السائد حولنا الآن هو أن كراهية النساء والفتيات متوطنة داخل كل شيء حولنا، وللأسف هو نفس الوضع الذي نستفيد منه كل يوم سواء عن طريق صلاحياتنا كرجال، أو بالمزايا الطبيعية التي تجعلنا نتحكم في الكثير من ما حولنا سواء في البيت، العمل أو الشارع وما يتبعه من مساحات عامة.

نظام إنذار مبكر

لا نريد وقوع ضحايا يمكن إنقاذهن لو طبقنا نظام إنذار مُبكر… نعم، يمكننا نحن أن ننقذ الكثير من الفتيات والنساء من القتل إذا انتبهنا إلى العنف الذي يحدث حولنا وتدخلنا في الوقت المناسب.

على مستوى الأفراد:

من منطلق كون مسؤولية الأفراد هي مسؤولية المجتمع، دعنا نستعرض بعض الطرق التي من الممكن أن تنقذ حياة إحداهن أو أحدهم :

في معظم القصص التي نسمع عنها يوميا، فإن المجتمع يعتبر أن الاطفال ملك لأهلهم، ويعتبر النساء والفتيات ملكا للرجل سواء كان الأب أو الأبن أو العم أو الخال أو الجد…

بالتالي، لا يمكن التدخل لأنهم عائلة. دعونا نؤكد هنا أنه من اللازم كسر العادات الاجتماعية القائمة التي تخبرنا بشكل صارم أن التدخل في وسط العائلة شيء شبه مستحيل. القانون يجب أن يكون المظلة الحامية لجميع الأفراد، ينظر للجميع بشكل مجرد. نعم، إن التدخل لوقف العنف، خصوصاً في الأحياء المتقاربة، شيء في منتهى الصعوبة، لكنه ممكن والنتيجة أننا يمكن أن ننقذ حياة.

وهو ما يمكننا فعله بطرق مختلفة، مثلا بمجرد سماعنا  صوت سيدة تستغيث، يجب أن نعلم أننا وقعنا تحت المسؤولية وأصبحت سلامة من تستغيث من مسؤوليتنا.

يمكننا أن نتدخل بشرط حماية أنفسنا دون اللجوء للعنف:

  1. إبلاغ الشرطة بالواقعة على أي أرقام متاحة لهم: قسم الشرطة بشكل مباشر، النجدة، مديرية الأمن، وحدات مكافحة العنف ضد النساء، إن وجدت في بلدك.
  2. الصراخ في وجه الشخص المعنِّف لإخباره أنك قمت بإبلاغ الشرطة، لتشتيت انتباهه إذا كانت الضحية في خطر.
  3. في حالة الاعتداء بالضرب أو بأي شكل على أطفال، يجب إبلاغ خط حماية الطفل في بلدك إن وجد.
  4. المتابعة مع بلاغ الشرطة بالهاتف حتى إن لم يكن هناك استجابة في المرة الأولى.
  5. وصم العنف ومن يقومون به في دوائرنا.
  6. أن نتعهد بأن لا نسمح بالعنف بأن يحدث في وجودنا أبداً، سواء كان تحرشا، عنفا جسديا، إطلاق شائعات عن أشخاص، إلخ.

على مستوى الدول:

ما نحتاجه فعلياً كدول هو تفعيل وتمويل استراتيجيات وطنية لمواجهة الجرائم تجاه النساء والفتيات، ودعنا نتذكر أن وجود استراتيجيات بدون تمويلها لن يأخذنا إلى دعم ملاجئ آمنة للنساء والفتيات التي تواجه العنف، نزع الولاية القانونية من العائلات التي تمارس العنف ضد أطفالها وإعادة دمجهم مع عائلات تحترمهم.

يمكن لجيلنا أن يوصم جرائم قتل النساء ويحد منها بدلاً من أن تكون شهرة بلادنا بأنها بلاد تكره نساءَها وتكرهها نساؤُها.

صورة الغلاف: رسومات Pablo Stanley وتنسيق أحمد حجاب

مواضيع قد تهمك

 

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *