×
×

جرائم قتل النساء في بعض التّشريعات”العربية”: عن القوانين… التي فشلت أن تكون قانوناً! 2/2

إلى متى ستبقى هذه القوانين الصديقة للقتلة والجناة على قيد الحياة؟ متى تشدّد العقوبة لتتناسب مع الجرم المرتكب؟ ومتى تتعامل العدالة في هذه البلدان مع قتل النساء كجريمة قتل ضد بشر؟

في هذا الملف، نتابع بعض المواد القانونية التي تتصالح مع جرائم قتل النساء، بدافع “الشرف”، وتميّزها عن جرائم القتل العمد.

رأينا في الجزء الأول نموذجي مصر التي قد تتحوّل الجريمة فيها إلى جنحة، والأردن التي يمكن أن تسقط أسرة الجاني (التي هي أسرة الضحية بالضّرورة) ما يعرفُ في القانون الأردني بالحق الشخصي.

في هذا الجزء الثاني نقدّم نموذجي اليمن والكويت، وكيف أن البلدين يتضمّنان، بدورهما، تشريعات، قد تكون في العمق “معادية لحقّ النساء في الحياة”، حين يتعلّق الأمر… “بجرائم الشرف”.

الكويت: شرعنة القتل

تنص المادة 153 من قانون الجزاء الكويتي لعام 1960م على أنه: “إذا فاجأ الرجل زوجته في حال تلبّس بالزنا أو ابنته أو أمه أو أخته وقتلها في الحال أو قتل من يزني بها أو قتلهما معاً، فإنه يعاقب بالحبس مدة لا تتجاوز ثلاثة أعوام وبغرامة لا تتجاوز ثلاثة آلاف روبية (تعادل 45 دولاراً) ، أو بإحدى العقوبتين”.

اعتبر حقوقيون أنّ هذه المادة، هي رخصة قانونية لقتل النساء فيما يعرف بـ“الجرائم الأسرية” أو “جرائم الشرف”. وأنها تناهض في العمق الحراك الذي تبديه دولة الكويت في ركوب قطار المعاهدات والاتفاقيات الدولية، الداعية إلى المناصفة وتحصين حقوق النساء ووقف التمييز والعنصرية ضدهن.

نسائيات من الكويت ومن العالم، يناضلن من أجل نسف هذه المادة، على اعتبار أنها تغتال المفهوم الكوني للعدالة، التي غايتها حماية حق الإنسان في الحياة. المرأة الكويتية هي ضحيّة بهذا المعنى. لذلك، يصفها حقوقيون كويتيون بأنها شرعنة لقتل النساء.

غرابة القانون الكويتي، أنه يسمحُ بمعاقبة القاتل بالغرامة المالية فقط وليس الحبس بالضّرورة.

لا تزال مناقشات تعديل هذه المادة، في أفق بترها تماماً، في مجلس الأمة منذ عام 2017، لأن هناك بعض القوى الاجتماعية تقاوم لبقائها، رغم إثارتها للجدل وسط ناشطات نسائيات وفاعلين قانونيين وحقوقيين.

أستاذة القانون الخاص في كلية الحقوق بجامعة الكويت، مشاعل الهاجري، في تصريح صحافي لوسائل إعلام دولية، قالت إن “الإبقاء على هذه النصوص جريمة تبيح القتل بلا عقاب. برغم تحديد النص لحالة التلبس، إلا أنه، في ظل غياب التعريفات القانونية الواضحة، فإن كل ما تفعله النساء يمكن أن يعتبر تهديدا لشرف الرجال، ككشف شعرها أو الخروج من البيت، أو استخدام مواقع التواصل الاجتماعي للمحادثة أو لنشر صور”.

نهيلة، طالبة صحافية كويتية مقيمة بالمغرب، تقول في تصريح لمرايانا إنّها تعرف فتاةً قتلها شقيقها بتهمة “الشرف”، بعد أن ضبطها تواعد شاباً كويتيا، وتمّ التّخلص من جثتها ولا تعرف صديقاتها عنها أيّة أخبار.

نهيلة تضيفُ أنها بدأت تحسّ بحرية أكبر وارتياح مضاعف بعد هجرتها إلى المغرب، لأنها “حين كانت في الكويت، كان يمكن أن تقتلها عائلتها إن رأت في سلوكها أي تصرف قد تعتبره مخلا بالأخلاق، حسب تقدير العائلة نفسها للأخلاق، تقول المتحدثة.

اليمن: لا يقتصّ من الأصل بفرعه!

الناشطة النسائية عبير محسن، ترى أنّ الجرائم المرتكبة باسم الشّرف زادت بشكل كبير جدا في اليمن. كل يوم يخرج إلى أسماعنا خبر مقتل إمرأة ولا أحد يلاحق المجرمين. هذا القدر الذي ينفذُ إلى العلن مهمّ أن نعرف أنه مجرّد نطفة من بحر، فإن التبليغ عن جرائم مماثلة في اليمن يعد عاراً أيضاً.

بحسب ما توضحه عبير محسن لمرايانا، فإنّ الزيادة في وتيرة هذه الجرائم تعود لعدة أسباب منها الحرب التي تعيشها اليمن منذ سنوات والتي أسفرت عن انفلات أمني وفساد في كل مؤسسات الدولة بما فيها القضاء. وسبب آخر هو الإفلات من العقاب الذي يشجع الرجال على قتل ذويهن من النساء دون رادع.

في أوقات كثيرة “تحدثُ الجَريمة لأسباب أخرى كالإرث أو أي شيء آخر. لكن يتم تغطيتها باسم الشرف لحماية المجرمين. صفة جريمة الشرف هي طوق نجاة حقيقي للجناة في اليمن”، تقول المتحدّثة.

أمّا القانون اليمني، فواضح أنه يميز ضد المرأة في محطات كثيرة ويسلبها بثغراته أهم حق للإنسان وهو حق الحياة. في قانون الجرائم والعقوبات اليمني المادة رقم 42 تنص على أن “دية المرأة نصف دية الرجل وإرشها (*) مثل إرش الرجل إلى قدر ثلث دية الرجل وينصف ما زاد ويعتمد في تحديد نوع الإصابة”، ولا شك أنّ هذه المادة تقلّل من آدمية المرأة وتجعل دمها مهدوراً.

ثمّ، المادة 232 من قانون الجرائم تقول: “إذا قتل الزوج زوجته هي ومن يزني بها حال تلبسهما بالزنا، أو اعتدى عليهما اعتداء أفضى إلى موت أو عاهة، فلا قصاص في ذلك، وإنما يعزر الزوج بالحبس مدة لا تزيد على سنه أو بالغرامة، ويسري ذات الحكم على من فاجأ إحدى أصوله أو فروعه أو أخواته متلبسة بجريمة الزنا”.

كما تنصّ المادة 59: “لا يقتص من الأصل بفرعه، وإنما يحكم بالدية أو الإرش على حسب الأحوال”، وهو ما تعلّق عليه الباحثة بكونه مطيّة قانونية للإجهاز على حقّ النساء في الحياة من طرف الآباء.

أي حل يمكنُ في اليمن إذن؟

وفق عبير محسن، فإنّ حتى التوصيات والنضالات الحقوقية والمقترحات، يبقى تنفيذها صعباً نتيجة الحرب الدائرة رحاها في اليمن.

تقول: حاولنا كثير رفع مقترحات بتعديل القانون وقامت مجموعة من الناشطات اليمنيات، كنت من بينهم، بكتابة تقرير عن وضع النساء في اليمن بالمجمل، شاركناه مع المختصين في الأمم المتحدة. لكن بلا فائدة، لأن أكثر من 90% من أعضاء مجلس النواب هم عبارة عن رجال قبليين، غير متعلمين بل ومتزمتين ومتمسكين بالعادات والتقاليد الظالمة.

بالتالي هذه الخلفية تؤثر على التشريعات القانونية التي يسنها مجلس النواب، والآن يواجه البلدُ معضلة انقسام مجلس النّواب إلى قسمين بفعل الحرب!

تجملُ عبير محسن حديثها لمرايانا، معتقدةً أنّه لا يمكن الحديث عن الحقوق في اليمن، بما فيها حقوق النساء، إلا بعد أن تضع هذه الحرب أوزارها. حينئذٍ سنراهن على نشر الوعي.

في أفق تحقيق ذلك، “ستبقى التوصيات النسائية والنضالات مستمرة، حتى تجد من يمثّلها رسمياً في مؤسسات الدولة والمجتمع الدولي. ممثلات مؤثرات في القرار فعلاً، وليس مجرد رقم وضع بلا فائدة فقط لتحسين شكل الدولة أو أي ذرعة شكلية أخرى”.

في النهاية، تكون معظم النّساء في عدد من البلدان العربية، على شفير القتل… هنّ، بكل برودة، عرضة لاغتيال مفاجئ في كلّ ما يمكن أن يبدو لفرد من العائلة “مسًّا بالشرف”.

حتى القانون الذي يفترض أن يحميهنّ، تركَ ثغرات قانونية وضمّن مواداً جنائيةً، تجعلُ قتلة النساء في مأمن أو ينجون من العقاب أو يحصلون على حكم مخفف أو… يظلّون أحراراً… ضمن حرّية مقرونة بالدّم والنّجاسة.

فإلى متى ستبقى هذه القوانين الصديقة للقتلة والجناة على قيد الحياة؟ متى تشدّد العقوبة لتتناسب مع الجرم المرتكب؟ ومتى تتعامل العدالة في هذه البلدان مع قتل النساء كجريمة قتل ضد بشر؟

(*) الأرش، في الاصطلاح العام، هو الضمان الذي يلتزمه الشخص لقاء مسؤوليته عن تعدِّ، أو نقص، أو عيب. وفي الاصطلاح الفقهي، يعني المال الواجب في الجناية على مادون النفس.

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *