×
×

العبودية الإسلامية المديدة: عندما تنتهي العبودية في الواقع وتبقى حية في النص المقدس! 1/3

الرأي الذي لا يزال يرى أن العبودية حكم قائم وغير ملغي، ليسوا فقهاء صغارا أو معزولين، بل هم الجمهرة الواسعة من رجال الدين والممثلين للمرجعيات الإسلامية الكبرى.
في ذروة الجرائم التي ارتكبتها داعش ضد اليزيديين والمسيحيين في العراق وانتشار القصص المفزعة لسبي واغتصاب اليزيديات، خرج صالح الفوزان عضو هيئة العلماء السعودية ليقول إن السبي حكم إلهي ومن يعترض عليه كافر، وخرجت الدكتورة سعاد صالح من الأزهر لتدافع في لقاء تلفزيوني عن حق المنتصر في سبي نساء المهزوم واغتصابهن.

Hussein Wadii حسين الوادعي
حسين الوادعي، كاتب يمني

لماذا نتحدث عن العبودية الإسلامية؟

أليس هذا بعثا للجوانب السلبية في تاريخنا ونقاشا عبثيا لقضية انتهت ولم يعد لها وجود؟ ألم يحرر الإسلام العبيد ويحصر مصادر العبودية في مصدر واحد فقط هو أسرى الحرب؟ ألم تمارس كل الحضارات والديانات الاستعباد؟ فلماذا التركيز على الإسلام؟

اعترف أن قضية العبودية شكلت لي نوعا من أزمة الضمير فترة طويلة من حياتي. أتحدث هنا عن أزمة ضمير جمعي، باعتباري إبنا للحضارة الإسلامية التي مارست العبودية؛ ومنتميا (من الناحية الثقافية على الأقل) للإسلام، ذلك الدين الذي مارسها ووسع مصادرها ولم يضيقها حسب القول الشائع.

كتابتي هذه عن العبودية نوع من “التطهر” من أدران ماضينا السلبية. فكما نفتخر بمنجزات ماضينا، يجب أن نتطهر من سلبياته ونرفضها. الكتابة عن العبودية الإسلامية برؤية نقدية هي من ناحية أخرى “تصفية حساب” من شخص يعتبر نفسه حداثيا وعلمانيا ومؤمنا بحقوق الإنسان، وأهمها حقه في الحرية والكرامة؛ الحقان اللذان يتعارضان تعارضا مبدئيا شاملا مع أي ممارسة للعبودية صراحة أو ضمنا.

عندما كتب كريستوفر هتشنز عن حركة تحرير العبيد في أمريكا في عهد الرئيس توماس جيفرسون، لفت نظرنا إلى أن الرئيس الأمريكي كان مضطرا لمواجهة نوعين من العبودية. العبودية الممارسة في الداخل الأمريكي من قبل المواطنين الامريكيين ومالكي العبيد، وعبودية القراصنة البحريين الذين كانوا يخطفون الناس من سواحل أمريكا ومن سفنها المبحرة ليبعوهم عبيدا في العالم الإسلامي، وكان تجار العبيد هؤلاء من المسلمين.

من الحقائق التي ذكرها هتشنز أنه، في نفس فترة الاستعباد الغربي للأفارقة، فإن القراصنة المسلمين مارسوا تجارة العبيد في المحيد الأطلسي واستعبدوا أكثر من مليون أوروبي وأمريكي بين الأعوام 1530 و1780م. استمرت ممارسة المسلمين للعبودية حتى ستينات القرن العشرين وكانت الثورة الوطنية التنزانية التي كانت أحد أسباب هروب الروائي الفائز بنوبل عبد الرزاق قرنح ووالده من تنزانيا، ثورةً ضد العبودية التي مارسها العرب ضد سكان تنزانيا منذ العصر الأموي.

إن أبرز أشكال التطهر القيمي في الغرب كان حركة الاعتذار عن الفترة الاستعمارية وفظائعها، التي قادها المثقفون الغربيون في البداية، ثم توسعت لتصل إلى الحكومات التي قطعت قطيعة تامة مع ماضيها الاستعماري سياسيا وثقافيا. بل إن الكنيسة الكاثوليكية نفسها قد دخلت في العملية وأدانت العبودية إدانة واضحة بلا تلفيق.

كنت أتمنى لو أن للمؤسسات الدينية الرسمية، وخاصة ضمن مرجعياتها الكبيرة (المرجعية السنية في الأزهر والسعودية، والمرجعية الشيعية في إيران والعراق)، كنت أتمنى لو أن لديها الشجاعة والوعي الحضاري لمراجعة تجربة ما يسمى بـ “الفتوحات” وسحب بساط التبرير عنها واعتبارها حروبا دنيوة سياسية لم تكن جزءًا من الدين.

إن هذه المراجعة ضمن الأفق الحضاري والديني الاسلامي تبدو مستحيلة، لأنها تنصدم مع مفاهيم صارت مقدسة مثل الجهاد والشهادة ونصرة الدين والدولة الاسلامية.

لا تخلو الأدبيات الإسلامية المعاصرة من إدانة لقضية العبودية واستعباد الغرب الاستعماري لسكان إفريقيا طوال 500 سنة. وغالبا ما يأتي هذا النقد في سياق الحديث عن مادية الغرب ووحشيته وزيف ادعاءاته الدفاع عن حقوق الانسان.

لكن هذه الأدبيات تتجاهل أن العبودية الإسلامية كانت مستمرة في نفس الفترة، وكانت تخطف الأبرياء وتستعبدهم وتبيعهم في أسواق النخاسة، التي كانت منتشرة في كل أقطار العالم الاسلامي. كان تدفق العبيد إلى العالم الاسلامي لا يقل كثافة عن تدفق العبيد إلى العالم الجديد، وبنفس الوحشية التي صورتها روايات مثل الجذور وأفلام مثل أميستاد. الفارق الوحيد أن الأدب الغربي وثق بشاعات العبودية الغربية بينما لا زال الأدب الإسلامي يتجاوزها ولا يزال الفكر الإسلامي يبررها ويمدحها!

كما أن موجة العبودية الإسلامية، في المدة الزمنية، أطول ثلاث مرات من العبودية الغربية. بدأت العبودية الغربية الحديثة التي ينتقدها المسلمون عام 1650 وانتهت قبل 1900م؛ بينما العبودية الإسلامية بدأت مع أول الغزوات في القرن السابع، واستمرت حتى النصف الثاني من القرن العشرين. في الولايات المتحدة، انتهت العبودية قبل نهايتها في العالم الإسلامي بمائة سنة، أي سنة 1865م.

لكن، هل فعلا انتهت العبودية في العالم الاسلامي؟

يمكن القول إنها انتهت ولم تنته!

أحد الاختلافات بين تجربة إنهاء العبودية في الغرب وإنهائها في العالم الإسلامي، أنها تمت في الغرب بدوافع وقناعات داخلية. لقد تطورت الحياة الاقتصادية والسياسية والقيم الإنسانية في الغرب لتصل إلى حد اعتبار العبودية ممارسة ضد الإنسانية يجب أن تنتهي مهما كلف الثمن.

ورغم وجود مصالح اقتصادية ضخمة تضررت من إلغاء العبودية، إلا أن القرار كان بالسير في الطريق التاريخي الصحيح. في الغرب، سبقت النظرية التطبيق. بمعنى أن الأفكار والقيم والمشاعر المناهضة للعبودية، تشكلت عبر مراحل تاريخية طويلة، متأثرة بأفكار الأنوار وحقوق الإنسان وفكرة العقد الاجتماعي والحقوق الطبيعية. عندما أصبحت الأرضية مهيئة لإلغاء العبودية، اتخذ القادة التاريخيون قرار المعركة رغم كل المخاطر.

في العالم الإسلامي، كان الوضع معكوسا، إذ أن التطبيق سبق النظرية والواقع سبق الفكرة. فقد تراجعت تجارة العبيد في العالم العربي في القرن العشرين وانخفضت قيمته الاقتصادية، لكن فكرة العبودية ظلت راسخة. لم تتطور داخل الثقافة الإسلامية أي قيم تستنكر العبودية أو تأسى على حال العبيد واضطهادهم أو تنظر لامتهان أجساد وأرواح الجواري والسبايا باعتباره سلوكا وحشيا ذميما. ظلت العبودية محمية بالنص الديني والضمير الأخلاقي الذي لم يمر بمرحلة التنوير، وبالتالي لم يتجاوز وعي العصور الوسطى بكل ممارساتها.

عندما تم إلغاء العبودية بضغط من الدول الغربية، انتهت الممارسة وظلت النظرية. وعندما أضافت الدول الإسلامية المواد التي تجرم العبودية والاتجار بالبشر إلى تشريعاتها، تجاهلت النصوص التي شرعنت لفكرة العبودية في الفقه والشريعة وتركتها على حالها. هكذا، لا يزال الضمير الإسلامي يعيش التناقض بين واقع انتهت فيه العبودية (أو أوشكت على الانتهاء) وبين نصوص دينية وأحكام فقهية وتشريعية تعتبر العبودية حكما قائما الى يوم القيامة.

لهذا، استمرت الفتوى الفقهية المعاصرة تجاه مسألة العبودية مراوغة. “المستنيرون” من رجال الدين يقولون إن العبودية انتهت واقعا، لكنها لا زالت مستمرة كحكم شرعي ويمكن العودة إليها إذا ما تغير الواقع! أما المتشددون، فيرون أن العبودية حكم إلهي يكفر من يرفضها وأنها لا زالت مباحة.

وحتى لا نغالط أنفسنا، فإن الرأي الذي لا يزال يرى أن العبودية حكم قائم وغير ملغي، ليسوا فقهاء صغارا أو معزولين، بل هم الجمهرة الواسعة من رجال الدين والممثلين للمرجعيات الإسلامية الكبرى.

في ذروة الجرائم التي ارتكبتها داعش ضد اليزيديين والمسيحيين في العراق وانتشار القصص المفزعة لسبي واغتصاب اليزيديات، خرج صالح الفوزان عضو هيئة العلماء السعودية ليقول إن السبي حكم إلهي ومن يعترض عليه كافر، وخرجت الدكتورة سعاد صالح من الأزهر لتدافع في لقاء تلفزيوني عن حق المنتصر في سبي نساء المهزوم واغتصابهن.

لعله ذو دلالة كبيرة أنه لم تخرج مظاهرة واحدة في العالم العربي والاسلامي للاحتجاج على جرائم سبي واغتصاب اليزيديات من قبل داعش. بل الأسوأ من ذلك أن داعش تمتعت بتأييد أغلب السلفيين الذين لم ينتقدوها إلا في جزئيات بسيطة وشكلية من ضمنها “الاستعجال” في تطبيق الإسلام، وحظيت أيضا بتأييد الجناح السلفي الواسع في الإخوان. حتى الأزهر، لم يدع أن داعش خارجة عن الإسلام، لكنه انتقدها فقط لأنها خارجة على القانون.

أتذكر أنني في تلك الفترة دخلت في نقاشات مع أصدقاء إسلاميين وليبراليين ويساريين، كان من بينهم من رفض العبودية ورفض تبريرها، وكان من بينهم أغلبية مريحة لا زالت ترى أن العبودية ممارسة مقبولة في بعض الظروف اليوم.

من ضمن الظروف التي يرونها مبررة للعبودية اليوم، استعباد الآخرين من أجل دفعهم لاعتناق الإسلام، او استعبادهم بدلا من قتلهم في حالة الحرب. ولست أخفي سرا لو قلت إن صدمتي بهذه التبريرات من قبل أناس يعيشون القرن الحادي والعشرين لم تنته آثارها حتى اليوم.

 

 

مقالات قد تهمك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *