×
×

الصوم في الديانات القديمة… من اليونان والرومان إلى الصابئة 3/4

الصوم عند اليونان، كان سلوكا يؤهل المرء للنظر الفلسفي الصحيح، وحميةً طبيةً لحفظ الأبدان أكثر منه شعيرة دينية. وتناقل الرومان عبادة الصوم اليونانية ومزجوها مع التقشف والزهد الهندوسي، فأمعنوا في حرمان أنفسهم من متع الطعام والشراب للتخلص من الذنوب والخطايا، أو طلبا للصفاء الذهني.
ويشكل الصوم عند الصابئة الركن الخامس من أركان ديانتهم، كما يحظى بقدسية عظيمة باعتباره أصلح الأعمال وأفضلها، ويتوزع على 36 يوما في السنة، منها أربعة أيام، توافق أياما مقدسة في الديانة الإسلامية: صيام يوم عرفات ويوم النحر واليوم الأول والأخير من شهر “ناتق” الموافق لرمضان.

وقفنا في الجزء الأول من هذا الملف، عند أهم حكايات التشابه بين المعتقدات المؤسسة للكثير من الديانات القديمة، واقتفينا نموذجا لذلك، من خلال قصة الميلاد المائي للكون وخلق الإنسان من طين.

وقدمنا في الجزء الثاني، عرضا مفصلا لشعيرة الصوم في الديانات الشرق ــ أوسطية القديمة في بلاد الرافدين، وعند الفراعنة… وفي الحضارة الهندية.

في هذا الجزء الثالث، نقتفي أثر هذه الشعيرة العابرة للديانات، من خلال صوم اليونان والرومان… والصابئة.

 

.    الصوم في الديانة اليونانية والرومانية

لا يمكن الحديث عن الصوم في العقائد والتصورات اليونانية دون الحديث عن خليفتها الحضارة الرومانية التي ورثت عنها الكثير من المظاهر الحضارية والميثولوجية.

يقول الدكتور عبد الرزاق رحيم صلال في كتابه العبادات في الأديان السماوية: “إذا ألمّ  القارئ بتاريخ اليونان وبتراثه الديني والأدبي، يغنيه ذلك عن مراجعة الفكر الديني الروماني، فالأدوار الدينية بين البلدين واحدة، وعناصرها الأولية موجودة بكل من مصر وبابل والهند”.

الصوم في التصورات الروحية عند اليونان، كان ينحو إلى اعتباره سلوكا يؤهل المرء للنظر الفلسفي الصحيح، وحميةً طبيةً لحفظ الأبدان أكثر منه شعيرة دينية. يقول الباحث حمد بن علي الصفيان في كتابه “الريان في مفهوم الصيام بين الأديان: حقائق علمية – صحية طبية – رؤى نفسية”: “الصيام عند الإغريق القدماء كان مميزا لأنه وُجِد في بيئة حاضنة يميزها التفكير الفلسفي بشكل أساس، ولذلك في الأدبيات الإغريقية أجد أن كبار الفلاسفة كانوا صوامين، فسقراط كان كثير الصوم وأبقراط أيضا.

وكان أبقراط ينصح اليونانيين بألا يلجؤوا إلى الدواء المادي إلا في آخر مرحلة من مراحل التشافي، ففي اليونان القديمة كان يعتقد أن يوم صوم أفضل من تعاطي العلاج بحسب ما أشار إليه المؤرخ اليوناني هيرودوس، كما كان رجال أفذاذ مثل سقراط وأفلاطون وفيثاغورس يعمدون للصيام للوصول لذروة الإتقان الذهني والتخلص من طغيان الجسد، فكانوا يعنون بالصوم لأسباب صحية ونفسية وجسدية وفكرية”.

وكان الكهان في أثينا القديمة يحتفلون بيوم فطر طلابهم بعد حيازتهم الأسرار الكبرى والصغرى في عشاء ديني حيث يتناولون عشاء ربانيًا؛ إحياء لذكرى الإله “رملتر”.

وتناقل الرومان عبادة الصوم اليونانية ومزجوها مع التقشف والزهد الهندوسي، فأمعنوا في حرمان أنفسهم من متع الطعام والشراب للتخلص من الذنوب والخطايا، أو طلبا للصفاء الذهني كما كان يفعل الفيلسوف والرياضي “فيتاغورس”. وكان من عادة عامة الشعب اليوناني والروماني الصوم استعدادا للحروب لتدريب النفس على الصبر والتحمل، أو الصوم عند النوازل والخطر، أو تمهيدا لتلقي النبوءات الغيبية، أو صوم النساء لليوم الثالث من شهر  تهسموفيريا” .

.    الصوم عند الصابئة

الصابئة هم الذين ذكرهم القرآن في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، ويشكل الصوم عندهم الركن الخامس من أركان ديانتهم، كما يحظى بقدسية عظيمة باعتباره أصلح الأعمال وأفضلها، وينقسم إلى قسمين اثنين: الصوم الكبير والصوم الصغير.

أما الصوم الكبير (صوم النفس)، فهو الصيام عن الفواحش والمنكرات، وصيام الجوارح عن اللغو والغيبة واقتراف المحرمات، وصيام القلب والضمير عن كل ما سوى التبتل والضراعة لله، إنه الصوم الذي يتمثل في ضبط النفس وتهذيبها عن مقارفة المعاصي، والنزوع للصفاء الروحي وقمع الرغبات الغرائز. جاء في كتابهم المقدس “كنزا رَبَّا”: ﴿ صُومُوا الصَّوْمَ الْكَبِير، صَوْمَ الْقَلْبِ وَالْعَقلِ وَالضَّمِير، لِتَصُمْ عُيُونكُمْ، وَأفْوَاهُكُمْ، وَأيْدِيكُمْ.. لَا تَغْمِزواُ وَلَا تَلْمِزوا، لَا تَنْظُرُوا إِلَىٰ الشَّرِّ وَلَا تَفْعَلُوه، وَالْبَاطِلَ لَا تَسْمَعُوه، وَلَا تُنصِتُوا خَلْفَ الْأَبْوَاب، وَنَزِّهُوا أَفْوَاهَكُمْ عَنْ الْكَذِب، وَالزَّيفَ لَا تَقْرَبُوه، أمْسِكُوا قلوبَكُمْ عَنْ الضَّغينةِ وَالْحَسَدِ وَالتَّفْرِقَة، أمْسِكُوا أيْديَكُمْ عَنْ الْقَتلِ وَالْسَّرقةِ، أمْسِكُوا أجسَادَكُمْ عَنْ مُعَاشَرَةِ أَزْوَاجِ غَيْرِكُمْ، فتِلْكَ هِيَ النَّارُ الْمُحْرِقَة، أمْسِكُوا رُكَبَكُمْ عَنْ السّجُودِ لِلشَّيْطَانِ وَلِأَصْنَامِ الزَّيفِ، أمْسِكُوا أَرْجُلَكُمْ عَنْ السَّيْرِ إِلَىٰ مَا لَيْسَ لَكُمْ، إنَّهُ الصَّوْمُ الْكَبِيرُ فَلاَ تَكْسِرُوه حَتّىٰ تُفَارقُوا هَـٰذَه الدُّنِيا، مَنْ أَخْطَأَ ثمَّ تَاب، ثمَّ إِلَىٰ رُشدِهِ ثَاب، فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ، هُوَ مَلِكُ النُّورِ الْحَنَّانُ التَّوَّابُ الْكَرِيم ﴾.

وأما الصوم الصغير (صوم الجسد)، فهو الإمساك عن الملذات الحسية كالجماع وأكل اللحوم ومشتقاتها، وشرب الخمور والامتناع عن قتل الحيوان.

يصوم الصابئة 36 يوما موزعة على أشهر السنة وتسمى بالإمساكات، وتنقسم إلى أيام ثابتة وفق التقويم الشمسي، وأيام متحركة وفق التقويم القمري. فأما الثابتة، فاثنان وثلاثون يوما، موزعة على شهور السنة الميلادية، وأما المتحركة فأربعة أيام، توافق كلها أياما مقدسة في الديانة الإسلامية:

صيام يوم عرفات ويوم النحر واليوم الأول والأخير من شهر “ناتق” الموافق لرمضان.

ويختتم الصابئة أيام صومهم بالاحتفال وذبح الأضاحي. وقد توعد كتابهم “كنز ربا” المهملين في صيامهم بالحرق الأبدي في جنهم: ﴿الْحَيُّ الْمُدْرِكُ “مَنْدَا ادْ هَيِّي” قَائِلًا بِنِدَاءِهِ وَمُنَادِيًا بِصَوْتٍ سَنِيٍّ: مَنْ سَمِعَ وَآمَنَ بِأَقْوَالِهِ وَتَعَالِيمِهِ “كنْزَا رَبَّا”، وَالتَّزَمَ بِتَعَالِيمِهِ، وَتَمَسَّكَ بِأَقْوَالِهِ، سَوْفَ يَصْعَدُ وَيَرَىٰ بَلَدَ النُّورِ، أَمَّا الْفَاسِقُونَ الْمُتَكَاسِلُونَ وَالَّذِينَ اغْفَلُوا مُتَرَاخِينَ عَنْ أدَاءِ صِيَامِهِمْ فَلَنْ يَرَوْا بَلَدَ النُّورِ…. فِي هَـٰذَا الْمَطْهَر يَجْثُمُ أُولَـٰئِكَ الْمُنَافِقُونَ فِي صَومِهِم مِنْ الصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْمُصَلِّينَ الَّذِينَ أَقَامُوا الصَّلَاةَ كَاذِبِينَ، أُولَـٰئِكَ جِيَاعًا لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ يَأْكُلُونْ، وَعِطَاشًا لَّيْسَ لَهُمْ مَاءٌ يَشْرَبُونْ، يُتْرَكُونَ نَائِحِينَ وَمُتَأَلِّمِينَ، رُؤُوسُهُمْ حَاسِرَة، وَسَلامًا لُا يُحْيِيهِمْ، مُقِيمُونَ فِي هَـٰذَا الْمَطْهَر، وَبِالْكَلاَلِيبِ يُعَلِّقُونَ وَفِي النَّارِ وَالْحَمِيمِ يُسْجَرُونَ إلَىٰ يَوْمِ الدِّين﴾.

 

في الجزء الرابع نتابع: الصوم في الديانات القديمة: صوم اليهود والمسيحيين… وعرب ما قبل الإسلام 4/4

 

لقراءة الجزء الأول: الصوم في الديانات القديمة: في البدء… الولادة من الماء 1/4

لقراءة الجزء الثاني: في بلاد الرافدين، عند الفراعنة والهنود… الصوم شريعة عابرة للديانات 2/4

لقراءة الجزء الرابع: الصوم في الديانات القديمة: صوم اليهود والمسيحيين… وعرب ما قبل الإسلام 4/4

مقالات قد تهمك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *