×
×

حرية التازي صادق لمرايانا: قطاع الماء في المغرب يعيشُ ضعفاً في التنسيق، والبلد يحتاج إلى ثقافة جديدة! 2\2

في هذا الحوار مع الخبيرة في الشأن المائي حرية التازي صادق، نستقصي الخطط والمشاريع التي وضعها المغرب لمقاومة الندرة، وتبيان محدوديّتها في الوقت الراهن، وضرورة الإسراع وتكثيف الاشتغال لتجاوز ما تسميه التازي “التراخي” الذي طبع القطاع منذ 10 سنوات.

في الجزء الأول من هذا الحوار، شرحت لنا رئيسة الائتلاف المغربي للماء أنّ المغرب انخرط في تحلية مياه البحر وإعادة تدوير المياه العادمة وإعادة استخدامها لمقاومة التبذير والتلوث…
لكن، هل كان بناء المزيد من السدود ضروريا، إذا كانت سياسة السدود قد كشفت محدوديّتها في مقاومة النّدرة؟ هذا ما تجيبنا عنه حرية التازي صادق، معتبرةً أنّ المغرب يحتاج إلى خارطة طريق وإلى ثقافة جديدة… تتعلّق بالماء.

  • في ظلّ البرنامج الوطني للماء، تم اعطاء الانطلاقة لإنجاز 11 سدا كبيرا بسعة 4.25 ملايين متر مكعّب في السنة وكلفة إجمالية تبلغ 15.5 مليار درهم وذلك من أصل 20 سدا مبرمجاً، حسب وزير التجهيز والماء. غير أن الجفاف، على ما يبدو، أصبح هيكليًّا ربّما بسبب نقص التساقطات المطرية من موسم إلى آخر، وهو ما يجعل السّدود ذات محدودية في أداء أدوارها. هل يعني بناء مزيد من السدود محاربةً فعلية لندرة المياه؟

بالفعل، هناك نقاشٌ بخصوص موضوع السدود. إلا أن للسّدود دورا لا يمكنُ إنكاره، رغم أنّه يبقى محدوداً وغير كافٍ. هذه المحدوديّة دفعت المغرب إلى وضع المخططات التي سبق وأشرت إليها، كتحلية المياه وإعادة تدوير المياه العادمة، إلخ. لقد ساعد هذا المغرب في خلق تنوّع في الحلول؛ تتظافر لمقاوَمة شبح العطش والعجز.

تثمين المياه المستعملة والعادمة من خلال معالجتها في المحطات وإعادة استعمالها، تبقى عملية مهمة جدا في الوقت الحاليّ وتحتاج إلى تعميم سريع.

  • لكن، نجد أن هناك من يرجعُ أصل ما يعيشه المغرب من ندرة في المياه إلى القطاع الفلاحي، الذي يستهلك حوالي 85%، بشكل غير عقلاني يؤدي إلى استنزاف الفُرشة المائية. خصوصاً، الزّراعات المستهلكة للمياه وبطرق تقليدية لا تسمح بتوفيره كالبطّيخ الأحمر والطّماطم والبُرتقال. هل هذا صحيح؟

دعني أقول لك إنني ضدّ التّعميم. لماذا؟ ببساطة، لأن هناك أحواضًا يمكن أن تتحمل بعض الكميات المطلوبة للفلاحة، وأخرى لا تستطيع. الحكومة وعت بالإشكال الذي كان يخلقه القطاع الفلاحي، وتعاملت معه. لقد وضعت سبلاً كفيلةً بإنهاء التبذير وعقلنة الاستعمال، في إطار برنامج المغرب الأخضر، مثل تقنية السّقي بالتّنقيط. وقد استفاد من هذه التّقنية كثير من الفلاحين. فضلاً عن المواكبة بالعمل التّحسيسي بأهمية الماء كثروة أساسيّة ضامنة لاستمرار الحياة في الفلاحة.

هل كان كلّ ذلك كافيًا؟ يمكن أن نعتبره كافيًّا إلى حد ما، لأن الأساسيّ أن تكون هناك خريطة توعويّة، تعكسُ ما راكمه المغرب من خبرة وتجربة لوضع أسس الممارسات الفضلى، لدى مختلف الفاعلين، بما فيهم القطاع الفلاحي. ذلك أنّ المياه الجوفية لم تكن تخضع لأي رقابة، وكانت هناك حرية مطلقة لاستغلالها بشكل مفرط وغير عقلاني.

عموماً، حين تثار مسألة الفلاحة والماء، تتبادر إلى ذهني كثير من التساؤلات: هل تُجرى دراسات قبلية لزراعة منتوج معين في منطقة معينة؟ كيف يمكنُ مواءمة المزُروعات مع كمية الماء في جهة معينة؟ وهل بعض المنتُوجات كان ضروريّا أن تكون في الجنوب؟

  • بالفعل، تطرّقتم للفلاحة في الكِتاب الأزرق الذي أصدره الائتلاف المغربي للماء في الشّهور الأخيرة. لكنكم أشرتم إلى المطالب المطروحة بضرورة إعادة تدوير المياه المستعملة أو العادمة واستخدامها في ريّ المساحات الخضراء. ما هو تقييمك لهذا المخطّط بعد اعتماده في الرباط وأكادير؟

هذا معطى مهم. وهي تقنية انخرط فيها المغرب وبينتُ أنها، كما أشرتُ قبل قليل، تحتاج إلى تعميم فوري. حين نستعملُ الماء مرة واحدة، ثمّ نتركه يضيعُ في البيئة، فإننا سنكون أمام مشكلين أساسيين: التبذير والتّلوث. هناك استنزاف الآن للفرشة المائية والمياه الجوفيّة. لذلك، فالدولة لابدّ أن تسرع في هذه العمليّة، دون أن تتجاهل المخططات الأخرى.

حين تأخذ الجهات المختصّة الماء المستعمَل وتقوم بمعالجته وتنقيته لاستعماله مرة أخرى، فهي تنفّذ أحد أكثر السبل نجاعة في الحفاظ على الماء كميًّا وكيفيًّا: الاقتصاد في الماء.

تعميم هذه التقنية يحتاج إلى تكوين مستمر لدى الأطر المشتَغلة في قطاع الماء بمختلف الجهات، ويحتاج أيضاً لخلق مهن جديدة ووسائل جديدة في هذا الصدد، لأنها تقنيّة جديدة في المغرب. هناكَ فرق بين التصور والبرمجة ومن سيعنى بالتّطبيق، وهذا لا ينبغي أن يتمّ تجاهلهُ حتى لا نتأخر ونصل إلى الهدف.

المغرب في حاجة ماسة إلى توفير الموارد المائية بالكمية والجودة اللازمتين، لأنه، حتى من الناحية العملية، سيقينا الأمر أمراضاً صحية خطيرة ناتجة عن تلوّث المياه؛ أو مشاكل قطاعيّة ومجتمعيّة بسبب ندرتها.

  • (مقاطعاً) يحتاج الأمر إلى تنسيق بين المؤسّسات المعنيّة بالشأن المائي، والقطاع يشهد ضعفاً في هذا الجانب؟

أتفق معك تماماً. وأنا أتأسف لهذا الأمر كثيراً، لأنه يؤخرنا ويجعل كثيراً من الجهود تتعثّر. لقد وجّهنا طلبًا لرئيس الحكومة السّابقة، سعد الدين العثماني، لإعادة تفعيل لجنة وزارية للتنسيق بين الوزارات بخصوص الماء. يعود أصل هذه اللجنة إلى ولاية عبد الرحمن اليوسفي. حين غادر اليوسفي الحكومة، تراجعت أدوار اللّجنة، ثمّ أعيد تفعيلها مجدّدا فيما بعد، لكنّها لم تحتضن أطرافاً أخرى فاعلة وخبيرة وذات كفاءة من خارج الحكومة للتّشاور وتبادل وجهات النظر المختلفة.

الائتلاف المغربي للماء على سبيل الذّكر لا الحصر، رغم خبرته في المجال، لم يتم أخذ رأيه من طرف هذه اللجنة. مثلاً، وإلى غاية إجراء هذا الحوار، لم نحصل على أي ردّ من الحكُومة بهذا الخصوص، وسنعيدُ صياغة الطّلب ونوجهه للوزير الجديد نزار بركة، وزير التّجهيز والنقل واللوجستيك والماء.

هذا من ناحية السّياسات العموميّة، لكن مشكِل التّنسيق، ربّما، شامل. إنه يمتدّ من القطاع العام إلى القطاع الخاص. ليست الدولة وحدها الفاعلة اليوم في قطاع الماء، بل هناك الخواص أيضاً. لنأخذ مثلاً محطة أكادير لتحلية مياه البحر، فهي عبارة عن شراكة بين القطاعين الخاص والعام. هناك مشاريع تحتاج إلى تمويلات من خارج ميزانيّة المال العام، وهي إجراءات رأسماليّة معمول بها في مختلف دول العالم.

لكن، أريد أن أضيف أنّ التّنسيق ليس فقط مشكلاً مطروحاً على الصعيد الوطني، بل كذلك على الصعيد الجهوي. لذلك، نحنُ سندخل، وهذا إيجابيّ، إلى شق التدبير الجهوي للماء، وهي ممارسة فضلى في الحقيقة. كما أنّ وكالات الأحواض المائية والمجالس المنتخبة تضمّ، اليوم، أصواتاً جمعويّة ومدنيّة لتدارك ضعف التّنسيق. لقد تعثر تفعيل بعض الإنجازات المهمة بسبب الجائحة، لكن وجود مثل هذه الأفكار ينبئنا باقتراب تجاوز مشكل التّنسيق.

  • هناك إشكالات كثيرة تتعلّق بغياب العَدالة المجاليّة فيما يتعلّق بالماء، لاسيما أنّ عدة مناطق في الجنوب الشّرقي تشهدُ موجةً من العطَش، كلّ صيف، رغم المجهودات المتواصلة للمكتب الوطني للماء الصالح للشرب. ما هي مقتَرحاتك، كخبيرة في الماء، لضمان وصول الماء بكميات معقولة وعادلة إلى هذه المناطق؟

جغرافيًّا، العدَالة غير موجودَة حين نتحدّث عن موقع المغرب. المناخ في المملكة جاف وشبه جاف. وتدبير مشكل الماء أحيانًا صعب في بعض الجهات، الصّحراوية على وجه الخصُوص، مثل زاكورة ومختلف مناطق الجنوب الشّرقي. لكن الحقّ في الماء يظلّ قائماً لتحفظ لهؤلاء السكان كرامتهم وحقّهم في عيش كريم داخل وطنهم.

النّداء مرفوع لوصول الماء بكميّات معقولة إلى الهوامِش. كميات تخول لساكنة المناطق القروية ممارسة أبسط حقوقهم كمواطنين من ناحية الماء، كالشّرب والغسل والتنظيف، إلخ. هناك جهود تبذل لا ينبغي تبخيسها. لنقارن مثلاً سنة 2004 حين كانت فقط 14% من القُرى تتوفر على الماء، بينما الآن تمت تغطية حوالي 85% من المناطق النائية. وهناك أماكن تصلها شاحنات محمّلة بالماء لأن ثمّة وعي بأن الماء حقّ من حقوق أي مواطن مغربي، وفي أي رقعة جغرافية من تراب الوَطن.

الحقّ أننا، مع ذلك، سنبقى بحاجَة إلى تحيين الدّراسات الميدانية والعلمية للوضع بشكل شموليّ، ثمّ بعدها ينبغي على الدولة التوجه لحلّ مثل هذه المشاكل المتعلقة بالماء في القُرى. كما أنّ التوعية والتّحسيس ينبغي أن يلعبا دوراً كبيراً للحفاظ على الكمّيات المتوفرة من الماء.

  • يعيشُ المغرب، إذن، فترة انتقال من وضعية نقص في موارده المائية إلى مرحلة الشّح أو الندرة، وهو الشيء الذي يتهدّد الأمن المائي للمملكة… أليس ذلك زرّ إنذار بأننا بحاجة إلى ترشيد وعقلنة استعمال الماء والحفاظ على الموارد المائيّة كحاجة مصيريّة؟

ما أعتقده، حقًّا، أنّها فرصة لنقول بوضوح إننا بحاجة إلى ثقافة جديدة بخصوص الماء، لاسيما في المدن، لأن النّاس في القرى يعرفون قيمة الماء أكثر. هذه الثقافة ينبغي أن تكون كليّة وشاملة، يُعبّؤ لها الإعلام والدّعاية والبحث العلمي ومختلف الموارد الممكنة.

الثقافة تقصد السلوك المباشر للناس وللفاعلين. وتلك الأهمية التي يوليها الملك محمد السادس للماء لابد أن تصبح عقيدة لدى أي فرد مغربي. ينبغي أن يقتنع المغاربة أن الماء قبل أن يكون حاجة أساسية للعيش، فهو دعامة أساسيّة للتنمية ككل؛ وأنّ كل مجالات الحياة تحتاجُ إلى الماء. أزمة الماء تخلق أزمات أخرى. لابد أن نحسم مع التوعية الموسميّة، التي تطفو حين لا تكون هناك تساقطات مطريّة، بل يجب أن تتحوّل إلى عادة يوميّة وبشكل دائم.

العاملون في قطاع الماء من الضروريّ أن يخضعوا لتكوين من الناحية الإنسانية، وأن تترسّخ لديهم قناعة ذاتيّة بأنهم يشتغلون مع أحد أهم الحقوق الإنسانيّة، ولا يؤدون وظائف تقنية نظير أجرة شهريّة فقط.

هناك اليوم حروب سياسيّة من أجل الماء، ومشاكل الندرة قد تؤدي إلى مشاكل بين المواطنين فيما بينهم، وقد يخلق الأمر احتجاجات، وقد يكون هناك خلاف حاد بين القِطاعات الاقتصادية حول من يتوفّر على الماء أوّلاً. كما قد تحدثُ نقاشات بين الجهات حول الكمية المتوفّرة وضرورة تزويد جهات أخرى تعاني من عجز…

لا يجب أن نهمل أهمية الماء في النزاعات، لأن الماء بذاته قد يخلق نزاعات خطيرة وقاتلة… بسبب الندرة.

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *