×
×

معركة بوگافر: الحرب بين الفرنسيين وقبائل آيت عطا غير متكافئة… ولكن! 2\2

السؤال الذي حيّر الكثير من المؤرخين للواقعة، هو ما الذي كانت تريده فرنسا بهذا الإسراف في قتل البهائم والنساء والشيوخ؟
ما الدافع لكل الفظاعات من قبيل تفخيخ الدّواب ورمي القذائف على الآبار التي يرتوي منها المقاومون؟
إلى اليوم، وبعد رفع السّرية عن الوثائق الفرنسية التي أرّخت للمعركة، فالأجوبة غير متوفرة.

بعد أن تعرفنا في الجزء الأول على عسو أوباسلام زعيم معركة بوگافر، وتطرقنا إلى حيثيات دخول الفرنسيين إلى صاغرو، وكيف وجدوا معارضة قوية من القبائل، عنيدة وبالتالي، انعدام أية فرصة نجاح أمام الأفق مسدود بوجه المفاوضات، في هذا الجزء الثاني، نعاينُ كيف بدأ الجيش الفرنسي، مباشرة، حشد البرطيزة (الأنصار، وهم مغاربة يقاتلون في صف الاستعمار: Les partisans).

تم اللجوء إلى البرطيزة بعدما فرضت الطبيعة الفوضوية للمنطقة العدول عن استخدام القوات النظامية، الثقيلة والبطيئة جداً وصعبة التّموين. وبالتالي، ستتم العملية من طرف حركات أهلية قوية، تعززها فرق الگوم المغربي المختلطة، كما أورد جورج سبيلمان.

رغم كلّ العتاد الفرنسي المحيط ببوگافر، إلاّ أنّ المقاومين ظلوا يرددون بالصراخ: “إننا لم نصعد هذا الجبل لنناقش معكم إمكانية استسلامنا. ذلك أمر مستبعد. نحن لا نملك سوى أرواحنا، ومستعدون لتقديمها قرابين من أجل أن نعيش أحرارا في صاغرو”. [1]

عن البداية الحقيقية… المعركة!

دقت طبُول حرب معركة بوگافر، عملياً، في مطلع شهر فبراير من سنة 1933. توافدت الأسر من كل فج عميق، ملبية نداء مناد في الأسواق والمداشر: أن هبوا لمقاتلة النصاری وطردهم من هذه البلاد، فإن من يفعل ذلك فعداده من المجاهدين، ومن يتقاعس فهو محصي مع المستعمر وخدامه، يقول الباحث في تاريخ المنطقة ميمون أم العيد.

استجابت الأسر محملة دوابَّها وجمالَها بكل ممتلكاتها، مستجيبة لنداء الجبل، الملاذ الأخير لكل الرافضين للتواجد الاستعماري بمنطقة أسامر.[2]

تشير الوثائق الفرنسية أنّ آيت مرغاد، بدورهم، شاركوا في معركة بوگافر، ولم يكن الأمر حكراً على آيت عطا. يذهبُ ميمون أمّ العيد في كتابه، “أوراق بوكافر السرية”، إلى أنّ المعركة شارك فيها أيضاً “الشرفا”، “إما بالقتال المباشر أو بتحريض المجاهدين وتبشيرهم بجنات الخلد. وظلت وثائق الفرنسين تنعت هؤلاء الشرفا المشاركين في الملحمة بالدجالين والمحرضين”. فضلاً عن مشاركة إقبلين وإملوان من ذوي البشرة السمراء، وقبائل أخرى غير عطاوية، آمنت بضرورة مجابهة “النصارى” والدفاع عن الثغور.

يقول أمّ العيد إنّ فرنسا لجأت لإخضاع بوگافر، إلى جانب جنودها، لمجموعة من المقاتلين غير النظاميين الذين تسميهم بالأنصار (les partisans)، وهم مغاربة ومن أبناء المنطقة. فيهم من أرغم ليقاتل تحت راية فرنسية إخوانه المغاربة، فيحاول أن يجنب أشقاءه الطلقات؛ وفيهم من شجعته عداوة قديمة بينه وبين مجاهدي بوگافر ليبلي حسنا، ويجتهد في قتل مقاومي بوگافر.

بحسب مطبوع معنون بـ“تطهير صاغرو”، عثر عليه ميمون أم العيد ضمن وثائق الأرشيف الفرنسي، يشيرُ إلى أنّ التّركيبة العَسكرية الفرنسِية كانَت كالتّالي:

  • التجمع الغربي: يقوده الجنيرال كاترو. يضم “حْركات يقودها جميعا العقيد شاردون؛ حركة “تاغصّا” بقيادة القبطان باریو، تضم 500 مقاتلا مغربيا من بومالن، 700 مقاتلا مغربيا من قلعة مكونة والفرقتين 14 من الگوم بقيادة الملازم روش، و39 بقيادة الملازم دوبييسيس. حركة “تين إورگان” بقيادة القبطان لاكروا، تضم 600 مقاتلا مغربيا من ورزازات، و400 مقاتلا من إمغران والفرقة 32 من الكوم… إضافة إلى حركة احتياطية تضم 300 مقاتلاً من کلاوة”.
  • التجمع الشرقي: تحت قيادة الجنيرال جيرو، يتشكل “من حركة درعة، بقيادة القبطان جورج سپیلمان، وتضم 800 مقاتلا من المغاربة أتباع فرنسا بدرعة، و200 مقاتلا من تازارين. حركة الرك بقيادة القبطان پولان، تضم 600 مقاتلا مغربيا من أنصار الفرنسيين المنحدرين من وادي إميضر وسافلة تودغی، و200 مقاتلا من إمغران والفرقتين 10 و49 من الگوم”.

إضافة إلى سريتين من الفرسان تابعتين للفيلقين الثاني والثالث من اللفيف الأجنبي.

سرية محمولة على الشاحنات “تابعة للفيلق الأول من اللفيف الأجنبي. سریتان تابعتان للفيلق الثامن من السباهي الجزائري. الفرق 7، 16، 17، 28 و33 المغربية المختلطة من الگوم. سرية زيز الصحراوية. هذا بالإضافة إلى 4 طائرات”.[3]

هكذا، وبهذه القُوة البشرية الهامة والعتاد الكبير، استمرّت الغارات على المقاومة في جبل بوگافر. غير أنّ المُقاومة أيضاً، كانت تبلي بلاءً حسناً وترفض الخضوع رغم الحصار.

في 13 فبراير، نفَذَت الحْركات المتجمعة حول صاغرو من دادس وإيميضر وتودغا في الشمال، ومن منطقة عمار – ألنيف في الشّرق ومن ملال جنوبا. [4]

تقدّمت القوات وهي تقاتل وتتجه كلها نحو منخفض إيمساعدن في قلب صاغرو. ورغم عنف المقاومة، ذهب الثوار إلى أعلى جبل بوگافر ونصبوا مخيماتهم في أعلاه.[5]

حينئذٍ، استسلمت نحو ثلاثين أسرة من آیت إيعزا لمجموعة الشرق.

وفي 21 فبراير بدأ الهجوم على بوكافر، حيث أصيب في نفس اليوم المقدم شاردون بجروح بليغة، وتوالت هجمات عديدة دون جدوى أيام 21 و24 و25 و28 فبراير.

أصبحت الخسائر، القليلة إلى غاية 21 فبراير، ثقيلة بمقتل الكثير من الضباط أبرزهم النقيب هنري دو ليسبيناس بورنازيل في الثامن والعشرين من فبراير… وكان مقتلهُ هو نقطة التّحول.

نقطة التّحوّل…

يوم 28 فبراير 1933 صوّب “أحد مقاتلي أيت عطا طلقة أصابت بورنازيل في بطنه وخلفت جرحا غائرا. خَرّ الرجل الأحمر طريح الأرض. لكنه لم يمت وقتها. تحدى الموت بشجاعة رجل خاض معارك كثيرة. تحسس موضع الجرح وسال الدم مندفعا بين أصابعه، ابتسم ابتسامة رجل أَلفَ رؤية الموت عيانا”. [6]

و… توفي بورنازيل، وجُنّت فرنسا لذلك. بدأ الاستعمار، حينها، يكشف عن فظاعته حين أحسّ أن مقتل أفضل ضبّاطه، هو إهانة لا يغفرها التاريخ.

ضربت فرنسا على المقاومين أشدّ أنواع الحصار. لم يعد بإمكانهم التزود ولا الحصول على التموين.

بعد مقتل بورنازيل، عانى الثوار من قلة النوم، قذائف من السماء ومن الأرض، جوع وماء ملوث بجثث الحَيوانات ودماء الدواب المجروحة بشظايا قذائف المدفعية.

في 10 مارس، استسلمت مائة وخمسون أسرة من آيت إيعزا وآيت أونبكي لمجموعة الشرق، بينما واصل رجال الأخوين أوبسلام الكفاح.

خلال الثالث والعشرين من مارس، نجح الملازم أول لانيك Laennec، من الشؤون الأهلية لدرعة، في ربط اتصال مع آیت عيسي وبراهيم الثوار، بوساطة إخوانهم الخاضعين في فنزواطة والشاوش حميدة من مكتب زاكورة، وبعد أربع وعشرين ساعة من المحادثات التي أجريت بدهاء، وضع مائة محارب من أيت عيسى وبراهيم أسلحتهم. [7]

أمام هذا الارتداد، وحقناً للدماء، وحفاظاً على حياة من تبقى، قرر الأخوان أوبسلام أخيراً، التفاوض يوم 24 مارس. وفي الغد، استسلم آخر المدافعين عن بوگافر. تمّ إحصاء المستسلمين بنحو 490 أسرة تمثل 2900 شخصاً، مسلحين ب 195 بندقية ذات طلقات سريعة و174 بندقية نموذج 1874. [8]

المترجم محمد بوكبوط يرى أنّ سبیلمان يمرّ سریعاً على عدد الأسر المستسلمة، تفاديا لذكر الخسائر التي تكبدها المجاهدون… “فاعتمادا على الرقم التقريبي الذي أورده عن عدد المعتصمين في صاغرو وهو 800 أسرة، وحتى إذا اخذنا بعين الاعتبار 150 أسرة ممن استسلموا، نقف على أن العمليات العسكرية الفرنسية أبادت 160 أسرة على الأقل، أي زهاء 1000 شخص، أغلبهم من النساء والصبيان والشيوخ، دون ذكر الخسائر المادية المتمثلة في إبادة قطعان الماشية”.

طيلة الأيام التي تلت وفاة بورنازيل، عاش بوگافر أكبر حمام دم يمكن تخيّله. مارس الاستعمار الفرنسي عملية إبادة جماعية من صنف جرائم الحرب؛ تورد مؤلفات بعض الضباط الفرنسيين أنفسهم جوانباً منها.

يقول المترجم محمد بوكبوط في تعليق على معطيات أوردها جورج سبيلمان: إن ما سكت عنه سبيلمان كشف عنه قائده الأعلى، الجنرال هوري في معرض حديثه عن الخطة الكفيلة بكسر عزيمة مقاومة أيت عطا في بوگافر، باعتماد وسيلتين؛ حيث يقول: أولا حصار قاس، يمنع بشكل مطلق أي اتصال للمدافعين مع الخارج، وأي استعمال للعيون والمنابع في أقّا ن أوليلي وأقّا ن خویا براهيم، التي لا يزالون يحاولون الإرتواء منها، ثم قصف عنيف تقوم به نهارا المدفعية وآليات المشاة والطيران، ويواصل دون انقطاع لیلا بواسطة المدفعية على نقاط الماء الموجودة داخل بوكافر وعلى المسالك التي اعتاد المعاصرون اتخاذها وعلى المخابئ التي يأوون إليها.

بعد كلّ ما حدث، وصل الطرفان إلى هدنة يوم 26 مارس 1933.

أنصت أوبسلام إلى ضميره الذي يخاطبه بأنّ الحرب ينبغي أن تضع أوزارها، لأنها غير متكافئة، والطائرات تدمّر الإنسَان والماشِية. نزل عسو من الجبل، غير عابئ بالأصوات العطّاوية التي تصدح: لا هدنة بدون نصر!

لمّا انتهت المعركة، يقول ميمون أم العيد، عاد كلّ مقاوم ببوگافر إلى دواره الأصلي إن كان من المستقرين، أو إلى مناطق انتجاعه إن كان من الرحل، يبحث عن مرعي لما تبقى من ماشية لم تهلك بسبب العطش والقذائف.

في النهاية، معركة بوگافر معركة مشرّفة في السجّل التاريخي لقبائل آيت عطّا الأمازيغية. هي معركة تحيلُ على الصّمود. هي معركة غير مشروعة أصلاً، وغير متكافئة أساساً.

السؤال الذي حيّر الكثير من المؤرخين للواقعة، هو ما الذي كانت تريده فرنسا بهذا الإسراف في قتل البهائم والنساء والشيوخ؟

ما الدافع لكل الفظاعات من قبيل تفخيخ الدّواب ورمي القذائف على الآبار التي يرتوي منها المقاومون؟

إلى اليوم، وبعد رفع السّرية عن الوثائق الفرنسية التي أرّخت للمعركة، فالأجوبة غير متوفرة.

هوامش:

[1]ميمون أم العيد، أوراق بوگافر السرية، المطبعة والوراقة الوطنية، الطبعة الثانية 2019.

[2] المرجع نفسه.

[3]نفسه.

[4]جورج سبيلمان، آيت عطا الصحراء وتهدئة آفلاَّ نْ دْرا –تعريب محمد بوكبوط، المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، 2007.

[5] المرجع نفسه.

[6]ميمون أم العيد، عن مقاله: “بورنازيل .. الرجل الأحمر الذي رصد الخطابي مكافاة مُقابل رأسه”

[7] جورج سبيلمان، المرجع السابق.

[8] نفسه.

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *