×
×

من مصر، أحمد حجاب يكتب: مركب صغير من ورق: أولادنا ونحن!

حكى لنا الكاتب والروائي عزت القمحاوي ذات مرة عن شخص من إحدى قرى محافظة الشرقية. كان هذا الرجل يأخذ عزاء ابنه الذي غرق في البحر أثناء محاولة تهريبه إلى إيطاليا. خلال العزاء، حضر ابن قريته، وقد كان مندوب مافيا التهريب، فانخرط معه الأب الذي فقد لتوه طفلا غرقاً، في حديث جانبي للاتفاق على إرسال ابنه الآخر إلى نفس الرحلة.

أحمد حجاب، مدون وباحث مصري

كنت شاردا عندما طلب مني إبني الصغير أن ألعب معه. نظرت له وابتسمت، قبل أن تتحول ابتسامتي إلى ضحكات مسرحية بينما كنت أطارده ونحن نلعب لعبة الشرطي والشرير.

توقف فجأة عن الجري وقلب الأدوار ببساطة شديدة، ليصبح هو “الشرطي” وأنا الشرير. كنا نجري ثم نجري لنجلس بعدها قليلاً نلتقط أنفاسنا. التقطت ورقة بيضاء وأخبرته أنني أستطيع أن أصنع له مركبا صغيرا من الورق…

أريه خطوة خطوة من تطبيق الورق، لكنه لا يبالي بالخطوات… يريد أن يرى المركب التي سيصنعها له بابا. أنتهي من فتح التطبيقة الأخيرة للورقة كساحر ينهي عرضه أمام جمهور غفير لتصبح الورقة المطوية مركبا ورقيا جاهزا للإبحار… ينبهر الصغير ويحملها في يده ويدور بها بينما يجري وكأنه يقودها وينقذها من عواصف وموجات عالية في بحر بعيد.

في دردشة مع صديقي الذي يسكن إحدى القرى الخضراء في محافظة من محافظات الدلتا في مصر، أخبرني بشيء من التوجس عن طفل في قريتهم ستتبناه عائلة في إيطاليا. الطفل يبلغ من العمر 12 عاماً. استغربت القصة قليلاً وأخبرته أن التبني ليس بتلك السهولة في إيطاليا. بل حتى في مصر، يمر التبني بعمليات معقدة جداً، وفكرة تبني عائلة إيطالية لطفل مصري تبدو فكرة غير واقعية.

فكرت جديا أن الأمر يبدو وكأنه جريمة اتجار بالبشر… أخبرته بمخاوفي فرد بدوره أن الطفل يعيش مع عائلته بالفعل وأن والده هو الشخص الذي يدور في القرية ليخبر الجميع أن ابنه سيسافر إلى إيطاليا بشكل شرعي وسليم ليعيش في مستوى آخر، حيث أن تبنيه من عائلة في إيطاليا سيكون أفضل لمستقبله. يبدو صديقي مُتشككاً وهو يحكي القصة، وربما أراد اقتاسمها مع شخص آخر.

أنصح صديقي بالاتصال بخط نجدة الطفل على رقم 16000 ليحكى قصة التبني المزعومة لأنها تتشابه مع قصص أخرى لعصابات دولية تستغل الأطفال في دوائر تهريب البشر أو من خلال الاستغلال الجنسي والامتهان المنظم للجنس. تخوف صديقي من تأثير عائلة الطفل إذا افتضح أمر البلاغ فتراجع عن فكرة التبليغ… يسافر الطفل وسط وداع إخوته وعائلته وأهل الشارع، ويتوجه موكب الوداع نحو المطار…

لم تمر بضعة أيام ليعود الطفل الصغير إلى قريته… يبدو وكأنه كبر أعواماً فوق عمره. تنتقل الأخبار سريعاً في القرية عن حقيقة ما حدث: الطفل الصغير كان ضمن مجموعة حاولت السفر على مركب بشكل غير شرعي إلى إيطاليا. تم اكتشاف الأمر من قبل قوات خفر السواحل بينما كان المركب يتأهب للحركة. تركهم المهربون وهربوا… عاد الطفل الصغير إلى قريته. عاد بعد أول محاولة من عائلته لاستغلاله مادياً لبضع سنوات قادمة. تكلفة محاولة تهريب الطفل تصل إلى حوالي 100 ألف جنية مصري، أي ما يتجاوز الستة آلاف دولار أمريكي تقريباً. لا أحد في العائلة يبدو عليه الحرج من اختلاق قصة تبنى الطفل الذي قاده حظه التعيس أن يعيش مع عائلة كل ما يمثله لها هذا الطفل أنه “محاولة” قد تنجح وقد تموت للوصول إلى الضفة الثانية حيث القليل من أموال الرجل الأبيض التي تكفي للحفاظ على مكانة العائلة في القرية.

حكى لنا الكاتب والروائي عزت القمحاوي ذات مرة عن شخص من إحدى قرى محافظة الشرقية. كان هذا الرجل يأخذ عزاء ابنه الذي غرق في البحر أثناء محاولة تهريبه إلى إيطاليا. خلال العزاء، حضر ابن قريته، وقد كان مندوب مافيا التهريب، فانخرط معه الأب الذي فقد لتوه طفلا غرقاً، في حديث جانبي للاتفاق على إرسال ابنه الآخر إلى نفس الرحلة.

يعود طفلي الصغير بالمركب ليقفز فوقي طالباً مني أن أحضر الكثير من الماء ليلعب بمركبه. أعود بالذاكرة قليلا لقرار الإنجاب التي اتخذته مع زوجتي و نقاشاتنا والكثير من الأسئلة حول قدرتنا على أن نربي طفلا صغيراً. كنا و مازلنا نرى أنها مسؤولية عظيمة. نتساءل كل يوم إذا كان ما نفعله صحيحا، نبحث، نتعلم ونحاول، إذ أن الأمر يحتاج إلى الكثير من المجهود والوقت والطاقة. أتذكر دائما مقولة جبران خليل جبران:

“أولادكم ليسوا لكم، أولادكم أبناء الحياة المشتاقة إلى نفسها، بكم يأتون إلى العالم، ولكن ليس منكم… ومع أنهم يعيشون معكم، فهم ليسوا ملكاً لكم. أنتم تستطيعون أن تمنحوهم محبتكم. لكنكم لا تقدرون أن تغرسوا فيهم بذور أفكاركم، لأن لهم أفكارأً خاصةً بهم”.

قبلت بذلك الدور في حياة ابني قبل أن يأتي إلى العالم. قبلت أن أحميه وأوفر له بيئة طبيعية للنمو، لكي يختار طريقه بناء على أفكاره الشخصية لا أن أصب كل أفكاري وتجاربي في عقله ليصبح نسخة مكررة باهته مني، بل ليصبح النسخه الأفضل من نفسه كما يرى هو.

طوال سنين طفولتي ومراهقتي، كنت أتابع نادية بائعة الخضر وزوجها التائه الذي يشبه إحدى شخصيات عرائس الليلة الكبيرة. نادية كانت تحمل كل عامين تقريبا في طفل جديد. لا أذكر أنني رأيتها يوماً بغير طفل تحمله بين يديها أو طفل تحمله داخلها. كانت أمي تسألها: أين طفلك الأخير؟ فكانت الإجابة تنحصر بين: “مع جدته في البلد”، أو “ربنا افتكره بعيد عن السامعين”.

كرهت نادية وزوجها ووالد الطفل الذي وضعه على المركب وكرهت ذلك الوضع الذي يتحول فيه الأطفال إلى أي شيء غير كونهم أطفالا، مجموعة من الفرص لزيادة دخل الأسرة، عمالة زراعية رخيصة، تزويج مُبكر لطفلة أو ربما يسعفه الحظ في الحفاظ على حياته في رحلة الموت إلى أوروبا ليرسل أموالا في المستقبل، لا يهم كيف حصل عليها، لا يهم كيف يعيش، من يدعمه كطفل، لا شئ مهم… حتى حياته نفسها إن ضاعت لا تهم… هناك الكثير منهم في البيت، سنرسل أحدهم على مركب أخر.

ذلك القبول المجتمعي الهادئ تجاه عمالة الأطفال واستغلالهم من قبل عصابات الاتجار بالبشر تحت إشراف عائلاتهم، في رأيي، هو نتيجة طبيعية لاعتبار هؤلاء الأطفال ملكا لعائلاتهم، وهو ما نراه يوميا في حوادث العنف عندما لا يتدخل أحد لوقف تعنيف طفل بداعي أن من يضربه أمه او أبوه.

نحتاج أن نتحرك كأفراد لحماية الأطفال والتدخل لوقف العنف تجاههم، سواء بالتدخل المباشر أو التبليغ عن أي شخص يحاول أن يستغل طفلا أو طفلة.

تذكروا أن سلامة الأفراد مسؤولية المجتمع، وأن الأطفال ليسوا ملكاً خاصا لعائلاتهم.

مواضيع قد تهمك:

تعليقات

  1. Eman Zaki salim

    كلام من ذهب وياليت قومى يعلمون…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *