×
×

الفن التشكيلي: تعبير عن المجتمع؟

تمر منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بحالة غير مستقرة وبأوضاع اقتصادية وسياسية وفكرية مضطربة تنعكس سلباً على الإنتاج الفني، حيث عاش ومازال يعيش العديد من الهزائم والانكسارات والصراعات الداخلية كانت نتيجة لنظام استبدادي يغيب الحرية والتعددية الثقافية والفنية والفكرية، فتأخر حضور المجتمع المدني واهتمامه بالفنون، ثم تأخر الإبداع عموماً وتمَّ تغييبه، ليصير واقعنا الفني في النهاية غريباً في مجتمعه، اللهم بعض المبادرات الشخصية من فنانين غيورين على ثقافتهم وأوطانهم، والذين أبدعوا لوحات تشكيلية يرمزون فيها إلى واقعهم المجتمعي وما يحصل فيه من صراعات وتطاحنات أو ما يميزه من صفحات بيضاء وصور مضيئة ولو كانت قليلة ونادرة.

إن الفهم الاجتماعي والمادي الحقيقي للإنسان يتطلب رؤية منطقية لبيئته، حيث تنطوي على نوع جديد من الدراما. نوع مختلف عن التراجيديا الكلاسيكية. إنه لا يدل على نزول مكانة البطل فقط، وإنما يجعل نفس إمكان الدراما بالمعنى القديم أمراً مشكوكاً فيه بالمطلق، مادام يحرم الإنسان من كل استقلال شخصي، وبالتالي جعله غير مسؤول عن أفعاله في أغلب الأحيان؛ ذلك لأنه إذا كانت النفس الإنسانية مجرد ساحة تتقاتل فيها قوى متصارعة مجهولة الأصل والنوع، فكيف سيكون مسؤولاً عنه هو ذاته؟[1].

إننا، إذا نظرنا بشيء من الجدية إلى الأخلاق الإنسانية في تشكلها ومجموعها، لما وجدناها أقل خصوبة من الوجهة الدرامية من الأخلاق الإقطاعية الأرستقراطية في التراجيديا القديمة. حيث إن هذه الأخيرة “لم تكن تعرف واجبات سوى تلك التي يدين بها المرء للسيد الإقطاعي وللشرف، وكانت تكشف لنا عن منظر رائع لصراعات تثور فيها شخصيات قوية عنيفة على نفسها وعلى بعضها البعض”[2]. إنه، كإنسان، يتصف بنوع من الأخلاق يدين في شخصيته للمجتمع، سواء كان إنساناً عادياً أم كان فناناً بشكل من الأشكال. من هنا، يبقى على الإنسان المرتبط بالفن والمجتمع أن يكون حاضراً، نوعاً ما، بمخيلته المتقدة وهو يبدع أو يكتب شيئاً يرغب في إيصاله إلى جمهوره ومتلقيه.

إن الفنان المهووس بالشخصيات في لوحته التشكيلية يعمل على تحييدها شيئاً ما عن محورها، لأنه يدرك مدى حركتها وانفعالاتها هدفاً في التحرر من ذاكرتها الضيقة لجعلها رموزاً تمثل واقع مجتمع مغرق في المعاناة والآلام. فالفنان يرغب بكل حب وإحساس مرهف تخليص هذه الشخصيات من ذاكرتها السديمية والمشروخة من خلال لمسته الخطية واللونية ذات المرجعية الثقافية والحضارية التي يؤمن بها. من هنا، تبرز لنا هذه الشخصيات كمرجعيات مجتمعية يمكن القياس عليها للوصول إلى نتائج معينة للحكم على مدى تطور المجتمع وديناميته.

يعتقد الفنان في أغلب الأحيان، نفسه مختبراً تتم فيه معالجة عواطفه الأساسية من خلال منظومة فنية وإبداعية من الأيقونات والعلامات والرموز. شخصياته، في أكثر الأحوال، وحيدة متفردة تبدو عليها أمارات الحزن وقليل من الأمل في المستقبل الغامض. الإحالة على الظلام أو الغموض أو العمى أو الانكسار النفسي تذكر المتلقي المتذوق بصعوبة التأويل وتفرض عليه الاجتهاد أكثر للخروج من تيهه وتشتت أفكاره. إن فناناً يهتم لواقعه ويبحث عن التفاصيل الدقيقة في مجتمعه وأفراده، يحلم بمستقبل مشرق رغم رسمه المغرق في الأحزان والآلام والمعاناة. إنه مثقف من طراز مختلف يستكشف بسخرية سوداء مدى حاجة المجتمع إلى التغيير والتطوير والخروج من تخلفه ودوخته.

يقول المفكر المغربي الراحل عبد الكبير الخطيبي إن الفن “يخرج الإنسان من كارثته الأصلية ويضعه مجدداً في حركة فعل الحياة، يعيده للعبة العلامات والأشكال المتجانسة مع حركة الجسد وحكاية حياته، كما حكاية بقائه على قيد الحياة”[3].

إن الفنان، وهو يمارس عمله، يعمل على محاكاة العالم بكل سحره وتشكلاته وتنويعاته بشكل ممتع كأنه يرافع في محكمة خاصة. إنه ناقد من طراز مختلف يحلم بشكل مختلف عن باقي أنواع المبدعين والفنانين الآخرين، يحلم بجنة من حرير وجمال متعة وإنسانية وعدالة. إنه مرهف الحس فيصور لنا كل شيء بطريقة رائعة. اعتقادنا الأولي، ونحن نشاهد ألوانه وشخصياته الحزينة والسوداوية، أنه يحلم بغير ذلك. هنا تتجلى المفارقة بين ما يراه الفنان نفسه، وبين ما يراه المتلقي للوحته.

تتجلى رغبة الفنان بكل بساطة في تحويل كل شيء، كيفما كان شكله أو حقيقته، إلى بناء مفارق ومتعة مختلفة لعوالم الخلود المتشظية والهاربة. فهو أولاً وقبل كل شيء “يسعى إلى تحويل الصور إلى التصوير والتمثيل، وذلك بفضل التنويع في المظاهر التي تنسجها العلامة والشكل واللون والمادة. والواقع الذي يتماوج في عينيه هو أولاً واقعه، بعاطفيته وحسيته المشدودة في الغالب إلى الحنين والكآبة وجاذبية الوحدة. فالإبداع يقاوم الموت بإعادة ابتكار الحياة، وهو ما يسمى بعثاً، كما يقول الفيلسوف ميشيل سيّر”[4].

يقوم كل فنان مغترب داخلياً أو خارجياً من مجتمعه ووطنه بمحاولة إعادة بنائه وتشكيله في منطقة نور تنسجها الممارسة الفنية ذاتها، حيث إن الطبيعة “تكشف خلف كل مظهر جذاب من مشهدها قيم الرموز السرية والهوية التعليمية. ومن حينها، يبدأ النظر المتأمل لهذه اللوحة أو تلك في السعي إلى الترحال خارج الزمن، انطلاقاً من انطباعاته الأولية. ونحن نعتقد أن اللون الأكثر تمزقاً والأكثر اجتراحاً يحافظ على تأليف أخير يُزرَع في غرائزنا أو يُخاط عليها. وثمة يكمن لغز الفن الذي يصطدم باستعصائه التجريد والتشخيص معاً”[5]. الفنان العربي، وفي إطار وعيه الخاص بقضايا مجتمعه، يحاول تملُّك ثقافة مجتمعه وتراثه وأشكال تنظيماته حتى يعبر عنها بطريقة تشكيلية قادرة على إحداث الصدمة في المتلقي المشاهد.

في هذا الإطار، برز في الأفق تيار فني سمي بفن البوب آرت  Pop Art، بمعنى الفن الشعبي الذي يتميز بكونه تعبيراً عن استكمال واستيحاء لمواضيع الإعلانات التجارية. وقد ظهر أول ما ظهر بالولايات المتحدة الأمريكية، حيث كانت هذه التعبيرات من أهم مظاهر الحياة الأمريكية (جيم دين) والكوارث اليومية أو غيرها. لقد كان الهدف البارز لهذه المدرسة هو العمل على تجاوز العامل الذاتي والإحساس الخاص، والبحث عن التوجه “نحو المجتمع والحياة كما هي، أي أن الموضوع حل محل الذاتية أو الشخصانية. ولا ننكر أن هذا الاتجاه قد تمّ عبر تأثير الدادائية التي تسربت إلى الولايات المتحدة، متمثلة بالمصور جاسبر جونس وروبرت راوشبورغ اللذين مهدا لظهور المدرسة الشعبية التي بدت مستفيدة من الصور الفوتوغرافية أو من الأشياء ذاتها، الوسادة، الطير المحنط والعنزة… إلخ”[6].

لكن، حقيقة، لم يكن الفن الشعبي قادراً على حمل قضية اجتماعية، ولم يكن مسبوقاً بنظرية إيديولوجية محددة كما تمّ بالنسبة للواقعية الاجتماعية التي انتشرت في الاتحاد السوفياتي سابقاً والدول الاشتراكية وانتقلت إلى أوربا الغربية “غوتّوزو”. لذلك، لم تستطع الصمود كمدرسة يدعمها الشعب (الشعب) أو السلطة. ومن ثمة ظهرت الواقعية التي اعتمدت على آلة التصوير والتأثر بالاتجاه الما-بعد حداثي، فبدأت تعمل على قراءة الواقع قراءة ذاتية على الرغم من الدقة في نقله. مراد الفنان من هذه الواقعية لم يكن الهدف منه هو عرض مقدرته وبراعته، وإنما كان “تسليط الضوء والانتباه على واقع معين من زاوية نقدية اجتماعية أو سياسية (ماكلين Maclean)”[7].

إن هذه النقلة الكبيرة في الفن جعلت من جميع المبدعين سواء كانوا فنانين أم معماريين أم مؤلفين، جماعة متضامنة لإعادة النظر في طبيعة الإبداع. فهذا الأخير لا يمكنه “أن يعنى فقط بالشيء غير النفعي، ولا بد أن يدخل الإبداع في نطاق جميع مظاهر الحياة. ويعيش مع جميع الناس، متجلياً في أشيائهم ومنازلهم، وهكذا فإن الفنان والحرفي كلاهما مبدع على طريقته، وإنتاجهما موضع تكريم وتذوق”[8].

رغم اعتقاد الفنان منذ بداية القرن العشرين أنه اكتسب حرية الإبداع، حرية ممارسة الفن الصافي، مهما أوصلته الحرية للانقطاع عن المجتمع، ومهما أدت به لفقدان المجد والضياع في بحر الهامشية، فإنه “يعتقد أن الفن الخالص ليس حيادياً، وكثير من الطلائعيين كانوا سياسيين ولكن رؤيتهم للمجتمع تمت من خلال طابع هذا العصر الصناعي، وهم إذ قبلوا تسمية الطلائع فإنهم فعلاً يخوضون معركة خطيرة في المجتمع والتاريخ (…). فالفن بالنسبة إليهم هو في حد ذاته ثورة ومبادهة واندفاع وحماسة، وضياع في المطلق ونضال ضد كل العبوديات”[9]. لقد كانت الطلائعية عنواناً لحركة فنية جديدة ولمجموعة اتجاهات حرة تتفق في معارضتها للتصوير الواقعي والمدرسة الكلاسية، وباعتبارها أيضاً مجموعة من التجارب التي تتابع فيها مسائل إشكالية إنسانية تتجه نحو العصر الذي يتسم بالمكننة والتمدين فيقدم صوراً غير مألوفة في كل المجالات ويرفض الرومانتية التي تلجأ إليها الذاتية المنفتحة على الوهم[10].

تمر منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بحالة غير مستقرة وبأوضاع اقتصادية وسياسية وفكرية مضطربة تنعكس سلباً على الإنتاج الفني، حيث عاش ومازال يعيش العديد من الهزائم والانكسارات والصراعات الداخلية كانت نتيجة لنظام استبدادي يغيب الحرية والتعددية الثقافية والفنية والفكرية، فتأخر حضور المجتمع المدني واهتمامه بالفنون، ثم تأخر الإبداع عموماً وتمَّ تغييبه، ليصير واقعنا الفني في النهاية غريباً في مجتمعه، اللهم بعض المبادرات الشخصية من فنانين غيورين على ثقافتهم وأوطانهم، والذين أبدعوا لوحات تشكيلية يرمزون فيها إلى واقعهم المجتمعي وما يحصل فيه من صراعات وتطاحنات أو ما يميزه من صفحات بيضاء وصور مضيئة ولو كانت قليلة ونادرة.

إن الفن التشكيلي من أهم الفنون وأخطرها بالنسبة لعلاقتها بالمجتمع وتطوره ونموه الاجتماعي والاقتصادي، فوظيفته هي العمل على تغيير المجتمع والمساهمة في خلق تحوّل اجتماعي وتغيّر مجتمعي مهم. فتغيير المجتمع هنا يعني بالضرورة تغيير مدركاته (الفنان) بالنسبة لقضايا اجتماعية وثقافية عديدة مثل قضية الجمال وتطبيقه على الحياة اليومية[11].

إن اللوحة التشكيلية هي تلك المواد المنتشرة في الطبيعة والبيئة المحيطة بالفنان داخل مجتمعه، حيث يستغلها بذكائه وخياله الفني مستمداًّ من شخصيته موقفه ووعيه الفكري، وثقافته المتنوعة، وعلاقاته الاجتماعية، لإبداعها (اللوحة) بأسلوبه الخاص. إنه يتفاعل مع المجتمع وبه، فيتأثر بما يقع فيه ويؤمن بأهميته ودوره في إحداث التغيير المطلوب. لقد أبدع العديد من الفنانين العرب في لوحاتهم التشكيلية وتفاعلوا مع ما يحصل في مجتمعاتهم وما يشعرون به تجاهه وتجاه أفراده، من خلال رؤيتهم النقدية والجمالية التي أسست لفن تشكيلي عربي مميز وقادر على تكريس نوع من الثقافة الفنية الراقية.

 

الهوامش والمراجع

[1] – أرنولد هاوزر، الفن والمجتمع عبر التاريخ، ترجمة: فؤاد زكرياء، الجزء الثاني، دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر، الإسكندرية، ط. 1، 2005، ص. 106.
[2] – انظر: أرنولد هاوزر، الفن والمجتمع عبر التاريخ، المرجع السابق، ص. 109.
[3]- عبد الكبير الخطيبي، الفن العربي المعاصر: مقدمات، ترجمة: فريد الزاهي، منشورات عكاظ، الرباط، 2003، ص. 64.
[4] – عبد الكبير الخطيبي، المرجع السابق نفسه، ص. 74.
[5] – عبد الكبير الخطيبي، المرجع السابق، ص. 97
[6] – عفيف البهنسي، من الحداثة إلى ما بعد الحداثة في الفن، دار الكتاب العربي، القاهرة، ط. 1، 1997، ص. 18- 19.
[7] – عفيف البهنسي، المرجع السابق نفسه، ص. 20.
[8] – عفبف البهنسي، المرجع السابق، ص. 69.
[9] – المرجع نفسه، ص. 77- 78.
[10] – المرجع نفسه، ص. 78.
[11]- كلود عبيد، الفن التشكيلي: نقد الإبداع وإبداع النقد، دار  الفكر اللبناني، بيروت، ط. 1، 2005، ص. 31.

مواضيع قد تهمك:

 

 

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *