×
×

من قلب الأطلس… مرايانا تلتقطُ مشاهد مؤلمة لطفُولة مهمّشة! (صور) 1\2

ترافقُ مرايانا خمسة أطفال نحو المدرسة انطلاقاً من دوار إمتيغانمين بجماعة زاوية أحنصال إقليم أزيلال جهة بني ملال خنيفرة. هم عماد وعبد العزيز ومصطفى وعمر وسميّة. خمسةُ أطفال بأيادٍ مُشقّقة بفعل الصّقيع، ووجناتٌ عليها قشورٌ وتغزوها حمرةٌ شديدة بسببِ البرد القارس.

من البدَاهَات التي أخبرنا بها الأطلسُ بالمغرب مراراً، أنّ بلاغةَ الثّلوج أعلى الجبل، تخفي في العادة، فظاعات في حق الطفولة والإنسان. كما أطلعنا الجوّ الرّخو الذي يطلق دخّاناً وضبَاباً يخفي الشّجر والطّريق… أنّ استخراج أجمل ما فينا من شعور يبقى لحظيّا فحسب… ثُم يُقتل!

ببساطة، لم تكن رحلة مرايانا للأطلس الكبير سهلةً على الإطلاق. ضحكاتٌ عابرة تلتقطُ دموع البرد في وجوه تصادفها السّيارة في جنبات الطّريق. فرحٌ خفيفٌ تُفجعهُ حسرة الإنسان ووجعُ المصير. منعرجات خطيرة وطُرق جبليّة ملتوية، شبيهة بعمليّة ليّ الدولة لعنق التنمية في الهَوامش والقرى النّائية.

تضعُ مرايانا موطئ قدم في الأطلس الكبير الأوسط، وتزورُ ساكنة زاوية أحنصال لمعاينة مشهد الطّفولة حصراً. طريقٌ حافلٌ بالأنهَار والوديان والأخبار والقصص. التّحايا العفوية تُلقى على كلّ من في هذه السّيّارة رباعية الدّفع.

في رُكن ما، هناك رجلٌ كهلٌ تكفي ملامحه لتحكي قصّة. قهقهات شاردة لامرأة في الطريق تحكي بدورها قصّة. تسوّل الأطفال للحلوى من الزائر من أقسى القصَص التي يمكنُ أصلاً أن… تُروى.

مِحنة الطّريق

ترافقُ مرايانا خمسة أطفال نحو المدرسة انطلاقاً من دوار إم تيغانمين بجماعة زاوية أحنصال إقليم أزيلال جهة بني ملال خنيفرة. هم عماد وعبد العزيز ومصطفى وعمر وسميّة. خمسةُ أطفال بأيادٍ مُشقّقة بفعل الصّقيع، ووجناتٌ عليها قشورٌ وتغزوها حمرةٌ شديدة بسببِ البرد القارس.

لا أحد منهم يعرفُ سنّهُ ولا سنةَ ميلاده، حتى مصطفى أكبرهم سنًّا. لا أحدَ منهُم يعرفُ اسم الملك ولا اسم رئيس الحُكومة. أحاديثهم وأجوبتهم العفوية تشير إلى أنّهم يعيشون خارج الأحداث الطّارئة في البلد.

طفولة الأطلس

انطلقت “الرّحلة” في جوّ من الصّمت المُطلق، قبل أن تطرُده ملائكيّة الطّفولة وبراءتها. تمطرُ السّماء والأطفال مدثّرون بقطع بلاستيكية لدرء الأمطار عن الجسد والمحفظة والكتب. الطّبيعة خصبة في الجهة المقابلة للطّريق وأشجار الجوز تشهدُ على معاناة يوميّة يعيشها هؤلاء الأطفال… بينما أشجارُ الصّفصاف ورائحة الأرض تشهدان على طُرق مخيفة وغير آمنة بالمرّة؛ حيثُ يمكنُ أن ينزلق أي طِفل منهم نحو الحَافة.

زهاء الخمسين دقيقة مشيًا على الأقدام، لعبور مسافة تتجاوز 3 كيلومترات، ظلّت مرايانا خلالها ملازمة للأطْفال إلى غاية المدرَسة المركزية لزاوية أحنصال.

يقولُ مصطفى، الذي يدرسُ في المستوى السّادس، إنّه يصاب بالملل القاتل في الطّريق، إذ أنّه العامُ السادسِ الذي يذهبُ فيه إلى المدرسة سيراً على الأقدام قاطعاً كلّ تلك المسَافة الطّويلة.

مصطفى، المكلّف بقيادة حُفنة الملائكة هذه، نظراً لكونه أكبرهم سنا، يحكي لمرايانا أنّه “يصادفُ سيارات تمرّ فارغة في الطّريق، لكن، نادراً ما تقف إحدى العربات المارّة لتقلّ الأطفال أو حتى تقرّبهم لنقطة قريبة من المدرسة”.

التقينا خديجة، وهي أمّ أربعينيّة لأحد الأطفَال. تتوسّلُ بكل اللغات الممكنة، لترسم لمرايانا صورة قريبة مما يعيشهُ نجلُها بعد عَودته من المدرسة يوميًّا. تقول الوالدة إنّ ابنها غالباً ما يغفُو بمجرّد الوصول إلى البيت.

“لا أريدُ إزعاجه لأنّه مُرهق. أتركه يرتاح بعد أن يأكل شيئًا يسدّ به جوعَه. ينامُ أحياناً فوق كُتبه وهو يراجعُ، أو فوق دفاتره وهو ينجزُ تمارينه”.

ليسَ هناك من يؤمنُ بالمشقّة وأثرها السلبي على الحَصيلة والمردودية فحسب؛ فها هو سْعيد، من دوار إم تيغانمين، يصرّحُ لمرايانا أنّ “معاناة الطّريق التي يُصادفها الأطفَال، يمكنُ النّظر إليهَا كآلية تلقائية للتّربية على قيم الصّبر والتّحمّل والمُثابرة التي من الجيد أن ينشأ عليها الطّفل. بقطعهم لتلكَ المَسافة المُرهِقة، أطفالنا يدركون أهمية المَدرسة والتّمدرس، فالحياة ليست سهلة وينبغي التّعامل معَها بصَرامة”.

طفولة الأطلس

على الطّرف النّقيض، توجد مريم هربوز، وهي فاعلة جمعوية ومدنية زارت هذه المناطق وعاينت كثيراً من المشاهد القاسية هنا. في محاولة للردّ على سعيد، تقول هربوز لمرايانا “إننا في هذا السّياق نتحدّث عن أطفال. وهذه هي النّقطة التي لا ينبغي إغفالها. وبما أنّهم أطفال، فالأمر يستلزمُ حماية خاصّة لهم، لأنّ الطّرق جدّ خطيرة تقع على شفير حافات مرعبة”.

بخصُوص “الدفع بالنّاشئة في تلكَ البيئة الصّعبة لتحمّل مسؤوليتها في سنّ جد مبكّرة، فهي مُخاطرة”؛ لذلك، ترى هربوز أنّ الحديثَ عن قيم الصبر والتحمل، يمكنُ قولهُ في حقّ من هم في المستوى الخامس أو السادس ابتدائي مثلا، وليس طفل في الخامسَة أو السّادسة من عمره.

أمّا عائشة فريد، التي تُدَرِّس في المدرَسة المركزية لزاوية أحنصال، فتقولُ، من جهتها، إنّ الآباء في تلك المناطق لم يفهموا بعدُ تلك المعاناة، ولن يستوعبوا، أساساً، الخصاص النفسي والمادي والاجتماعي والتربوي الذي يعيشهُ هؤلاء الأطفال. نادراً جدًّا ما يهتمّون بتمدرس أبنائهم ويواكبونه، وهي نقطة سنعود لها بالتفصيل في الجزء الثاني من هذا الروبورتاج. لذلك، ينعكس العبء النفسيّ على الأستاذ الذي يحتكّ بتلك المعاناة ويعرفُ كيف تقتاتُ من كرامة أولئك الأطْفال.

تضيفُ عائشة فريد، في مقابلتها مع مرايانا، أنّه “قريباً سيصبحُ الوضعُ أكثرَ خطورةً حين يخرجُون في السّادسة مساءَ ويجدُون الليل قد أسدَل خيوطه. أليس من الخطورة أن نترك أطفالاً يغادرون وحدهم في هاتهِ الطّرق في جنح الظّلام؟ بالفعل، فغالبا ما يأتي أحد أولياء الأمور ليصطَحبُ معه كل أبناء الدوار، لكن ذلك لا يحدث دائماً”.

مشقّة… مُضاعفة

في طريق مرايانا بصُحبة الأطفال إلى المَدرسة، نصادفُ نفراً من الفتيات عائدات بثباتٍ وهنّ تحملن محافظهن فوق ظهورهنّ. تسألهنّ مرايانا: هل أنتنّ تلميذاتٌ بالمدرسة؟ فيجبن جماعة: “لا، نحنُ ندرسُ بالإعداديّة”.

لعلّ هذه مأساةٌ أخرى تستحقّ، حقًّا، أن تُروى. فهؤلاء التّلميذات يقلنَ إنّهنّ يقطعن ستّة كيلومِترات مشياً على الأقدام نحو الإعدادية من دوار إم تيغانمين. بعضهنّ صرحن علانيةً بأنهنّ سئمن التّمدرس بفعل هذا الكمّ من الأمتار التي لا تنتهي إلاّ بشقّ الأنفُس.

تعذّرت علينَا زيارة الإعدادية. لكنّ الفتيات لا تخفين حاجتهنّ إلى تقريب خدمة التّمدرس. يرددن أحلامهنّ ببراءة قاتلة: “أريدُ أن أصبح أستاذة للتربية البدنية، أحبّ الرّياضة”؛ ثمّ تقول أخرى: “أريدُ أن أصبح قاضِية، أشَاهد سلسلة مُداولة باستمرار”، وأخرى تفصح: أودّ أن أكون أستاذة للغة العربية، لغة القرآن”. إنّها أحلامٌ مؤجّلة تغفو خلف الجبال في الأطلس الكبير، تستمعُ إليها مرايانا باهتمام كبير… كِبرَ الأطلس تماماً.

كلّ المِحنة بفداحتها وفظاعتها، تتلخصُ في قول إحداهنّ: الدّراسة جميلة، لكنها مُتعِبة. أصل إلى الإعدادية متعَبة وأعود إلى البيت مُتعَبة… أحبّ أن أدرُس، لأني في المدرسة تعلمتُ أشياءً كثيرة وهائلة، كما أني أستريح قليلا من الأشغال الشاقّة بالبيت”.

… ملخّص الحكاية، أن لا صوت يعلو، هنا، على البؤس والفقر والمعاناة اليوميّة التي تشوّه طُفولة بأكملها. تتقاطَر علينا يوميًّا، وسنويًّا، قصصُ اليأس في الأطلس. لكن، ليس من رأى كمن سمع طبعاً.

بل… ولا حتى من رأى…

من رأى لساعات أو حتى أيام… لن يستطيع، مهما حاول، أن يدرك تجربة من عاش جبروت الخوف المُطلق في الأطلس الكبير: الخوفُ على الطفولة من المصير… ومن المجهول!

لذلك، في الجزء الثاني، نسائلُ مردودية هؤلاء الأطفال الدراسيّة، وسبب عدم توفرهم على النّقل المدرسي، والأسباب الحائلة دون تمكينهم من مدرسة فرعية قرب الدوار.

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

  1. Ahmed MOUSTAD

    Bravo au journaliste Ali
    Merci pour cette couverture remarquable
    Et voilà..une nation qui sacrifie ses ,enfants finit par tout sacrifier.je ne veux pas reprende le même ton lyrique dèsobligeant du reportage, mais c’est tragique de revoir les mêmes images après tant d’années….

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *