×
×

وثائق بانادورا… التّحقيقات الصّحافية التي هزّت عالم “الأثرياء”… وفضَحت جناتهم الضّريبية! 1/2

التهرب الضريبي الذي كشفت عنه وثائق بانادورا، يضرّ ببقية المجتمع الذي ينتمي إليه هؤلاء الأغنياء، حيث أن القدرة على إخفاء الأموال، لها تأثير مباشر على حياة المواطنين… فهي تؤثر على وصول الأطفال إلى التّعليم، ووصول العامة إلى الصّحة، والوصول إلى الحقوق الأساسية، كالحق في السكن وخلق الاستثمارات وفرص الشغل …

منذ ليلة الأحد 2 أكتوبر 2021، وعناوين الصحافة الدولية تسلّط الضوء على تحقيقات صحافية صادمة، تمكنت من إحداث تصدع لدى أثرياء العالم. هذه التحقيقات كان عنوانها الأبرز هو “وثائق بانادورا” PANADORA PAPERS.

اسم باندورا تمّ استلهامه من الأسطورة اليُونانية، التي تقول إن البانادورا هي جرة مغلقة تحتوي على شرُور العالم… فهل يخبرنا التّحقيق أنّ أثرياء العالم جزء من الشّر؟

لا شكّ أن الشر الذي يلاحقُ جل الشّخصيات المذكورة في التّحقيق، له علاقة بالجشع والتّهرب الضّريبي وتهريب الأموال للخارج وغَسل الأموال والتحايل على القانون.

تمّ وصفُ الوثائق بأنها تعبيرٌ عن “أشمل تحقيق حول السرية المالية حتى الآن”… لذلك، مرايانا في هذا الملف، تقدم مشاهداً من هذه الوثائق.

ما هي وثائق بانادورا؟ 

وثائق بانادورا هي تحقيقات صحفية كشفت عن “الصفقات السرية” والمُمتلكات “المَخفية”، لبعضِ أغنى الشّخصيات في العالم، ومنها مسؤولون ورؤساء دول ووزراء وفنانون، وشخصيات في أعلى المَراتب السّياسية في دول أخرى.

الاستثمار بشكل وهمي في الجنات الضريبية، أمر قانوني في غالب الأحيان، لكنه غير أخلاقي، لأنه يفوت على الدول موارد مالية مهمة.

عمل على إنجاز التحقيق أكثر من 600 صحفي في 117 دولة، اشتغلوا لشهور على ملفات ووثائق من 14 مصدرا، وتوصلوا إلى قصص تنشر تباعاً منذ الأحد 02 أكتوبر 2021.

الوصول إلى هذه البيانات تمّ من قبل الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين (ICIJ) في واشنطن، والذي كان يعمل مع أكثر من 140 مؤسسة إعلامية، في إطار”أكبر تحقِيق عالمي من نوعه على الإطلاق”.

اعتبرت صحيفة النيويورك تايمز الأمريكية أن أهمية هذا التحقيق تكمن في كونه أُنجز على خلفية الفجوة المتزايدة بين الأغنياء والفقراء في العالم، والتي تعمّقت بسبب وباء كورونا، مما زاد من الاستياء من امتيازات الأثرياء في العديد من البلدان حول العالم.

كما أنّ أهميته، تردف الصحيفة، تتمثل في قدرته على إحداث رجة سياسية في أذهان الناس، خصوصاً في البلدان التي يكون فيها القادة لديهم “مساءلة محدودة”من طرف الشعوب، مثل روسيا، التي لديها زعيم استبدادي، والأردن، الذي يتمتع بنظام ملكي. لذلك، فإن هذا التحقيق يعطي معلومات عامة، رغم دقّتها، ويسمح لبعض القادة السياسيين بإدراك أن بعض ممارستهم قد تكون مضرّة وذات أثر عكسيّ على النظام السّياسي.

على نحو دقيق، تكشف وثائِق بانادورا عن الأعمَال الداخلية لما يعرف بـ”عالم الظل المالي”، الذي يتيح مسلكيات نادرة للعمليات الخفية للاقتِصاد العالمي الخارجي… ذاك الظلّ الذي ساعد أغنياء العالم على إخفاء ثرواتهم، وفي بعض الحالات ساعدهم على دفع ضرائب قليلة أو منعدمة.

الملفّات والوثائق المعتمد عليها في التحقيق، تناهز الـ12 مليون ملف، وتتعلق ببيانات الشركات التي أنشأها بعض أثرياء العالم، لخلق هياكل مالية خارجية وصناديق ائتمانية في الجنّات الضّريبية، خصوصاً في بلدان مثل قبرص وسنغافورة وباناما ودبي وموناكو وسويسرا وجزر كايمان وجزر فيرجن البريطانية.

ضمن التحقيق، تم الكشف عن مراسلات البريد الإلكتروني وسندات البيع والشراء وسجلات تأسيس وعقود شراكة، وتقارير امتثال ورسوم بيانية معقدة توضح هياكل تلك الشركات… لكن المشترك بينها، هذه المرة، أنها تسمح، بشكل حصري، بالتعرف على المالكين الحقيقيين لشركات صورية ووهمية خارج الحدود.

استخدام الملاذات الضريبية يكلف الحكومات، في جميع أنحاء العالم، ما يصل إلى 600 مليار دولار من الضرائب المفقودة كل عام.

علّق باحثون على أنّ هذه الطريقة المعتمدة من طرف الأثرياء، تجعل التّحقق من الأصُول المالية مسألة جدّ صعبة، وتجعل مهمة التعرف على مصادر تلك الأموال ومتابعة حركتها أمراً شبه مستحيل، وذلك في إطار “شبهات” تتراوح بين الفساد وغسيل أموال والتهرب الضريبي، رغم أن الأمور تتم بوجه قانوني في غالب الأحيان.

صحيفة البي بي السي البريطانية أوردت أنّ ما كشفه التحقيق يتعلق بإنشاء شركة وهمية في إحدى البلدان أو الولايات القضائية التي تمنح درجة عالية من السرية، حيثُ توجد هذه الشركة بالاسم فقط، ولا مكاتب لديها ولا موظفين.

إلاّ أن هذا الأمر، تضيف الصحيفة، يكلّف بعض المال، إذ يتم الدفع لشركات متخصصة لإنشاء وإدارة شركات وهمية بالنيابة عن صاحبها الحقيقي، وتقوم هذه الشركات المتخصصة بتوفير عناوين وأسماء لمدراء يتلقون رواتب، وهو ما يعني طمس أي أثر لمن يقف حقيقة وراء الشركة الوهمية.

بانادورا… خلف عالم الظل

توضح المعطيات المسربة أنّ عائلة علييف الحاكمة في أذربيجان، قد تداولت ما يقرب من 400 مليون جنيه إسترليني من العقارات في المملكة المتحدة في السنوات الأخيرة. وتم بيع أحد ممتلكاتهم إلى شركة Queen’s Crown، “والتي تسعى الآن في كيفية دفع 67 مليون جنيه إسترليني، لشركة كانت تعمل كواجهة للعائلة التي تدير دولة متهمة بشكل روتيني بالفساد”. لكن علييف يمتنع إلى الآن عن التعليق، وفق صحيفة الغارديان.

هناك تكهنات أن وثائق باندورا ستربك المسار السياسي لاثنين من زعماء الاتحاد الأوروبي، إذ سيواجه رئيس وزراء جمهورية التشيك، أندريه بابيس، الذي سيخوض الانتخابات هذا الأسبوع، تساؤلات حول سبب استخدامه لشركة استثمار خارجية للحصول على قصر بقيمة 22 مليون دولار (حوالي 12 مليون جنيه إسترليني) في جنوب فرنسا. وهو، إلى حدود الساعة، يرفض الرد على الأمر، حسب الغارديان.

ما كشفه تحقيق وثائق بانادورا يتعلق بإنشاء شركة وهمية في إحدى البلدان أو الولايات القضائية التي تمنح درجة عالية من السرية، حيثُ توجد هذه الشركة بالاسم فقط، ولا مكاتب لديها ولا موظفين.

أما قبرص، التي تعد نفسها مركزاً خارجيا للشركات الصورية، فقد يُطلب فيها من الرئيس نيكوس أناستاسيادس أن يشرح سبب اتهام شركة محاماة أسّسها، بإخفاء أصول ملياردير روسي مثير للجدل، في ظل الشركات الوهمية.

تنفي الشركة ارتكاب أي مخالفات، بينما يقول الرئيس القبرصي إنه توقف عن نشاطه فيها، بعد أن أصبح زعيما للمعارضة عام 1997.

بينما الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، الذي تشتبه الولايات المتحدة في امتلاكه ثروة سرية، فلم يظهر في وثائق بانادورا بالاسم أو بشكل مباشر، إلا أنه تم ربطه ضمنياً بظهور أسماء وملفات بعض من المقربين منه، والذين يشتبه أنهم يقومون بذلك عوضاً عنه، بما في ذلك أفضل صديق له منذ الطفولة، الراحل بيتر كولبين، الذي وصفه متتبعون بأنه “محفظة” لثروة بوتين، فضلاً عن امرأة يذهب البعض إلى اعتبارها حبيبة سابقة لبوتين.

“عشيقة بوتين” السابقة سفيتلانا كريفونوغيخ، ورد في الوثائق أنها اشترت عام 2003 شقة بقيمة أربعة ملايين دولار في موناكو، من خلال حسابات مصرفية لشركات خارج الحدود “أوفشور” Offeshores.

رداً على ما جاء ضمن تحقيق “وثائق باندورا”، قال الناطق باسم الكرملين دميتري بيسكوف: “حين تصدر منشورات جدية مبنية على أمور أو تشير إلى أمور جدية، سنطّلع عليها باهتمام”.

الوثائق كشفت، أيضا، كيف تمكن رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير وزوجته، من التهرب من دفع 312 ألف جنيه إسترليني من الرسوم المفروضة على المعاملات، عندما اشتريا مكتبا في لندن.

سؤال القانون؟

قالت صحيفة النيويورك تايمز الأمريكية إنه قد يكون لدى العديد من الأثرياء أسباب وجيهة لإخفاء ممتلكاتهم قانونياً، بغية حمايتها من شركاء غير موثوق فيهم، أو تحصين الثروة من الهجمات الإجرامية أو حماية الممتلكات من الأوضاع العامة بالحكومات غير المستقرة، أو درء محاولات الابتزاز، أو لضمان الميراث لأحفادهم…

لكن المدافعين عن مزيد من الشفافية المالية، يقولون إن النظام يتعرض لسوء الاستخدام، ويغدو بمثابة أرض خصبة للفساد المبني على الجشع ومراكمة الثروات والتهرب الضريبي.

الاستثمار بشكل وهمي في الجنات الضريبية، أمر قانوني في غالب الأحيان، لكنه غير أخلاقي، لأنه يفوت على الدول موارد مالية مهمة.

من المُستحيل الجزم بالأموال الموجودة في الخارج، لكن التقديرات تراوحت بين 5.6 تريليون دولار و32 تريليون دولار، بحسب تقدير ICIJ.

صندوق النقد الدولي قال إن استخدام الملاذات الضريبية يكلف الحكومات، في جميع أنحاء العالم، ما يصل إلى 600 مليار دولار من الضرائب المفقودة كل عام.

البعض الآخر اعتبر أن التهرب الضريبي الذي كشفت عنه وثائق بانادورا، يضرّ ببقية المجتمع الذي ينتمي إليه هؤلاء الأغنياء، حيث أن القدرة على إخفاء الأموال، لها تأثير مباشر على حياة المواطنين… فهي تؤثر على وصول الأطفال إلى التّعليم، ووصول العامة إلى الصّحة، والوصول إلى الحقوق الأساسية، كالحق في السكن وخلق الاستثمارات وفرص الشغل … مثلاً!

في الجزء الثاني من هذا الملف، نرصد بعض الشخصيات المغربية والعربية الواردة في التحقيق.

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *