×
×

دور النشر في المغرب… انفراط عقد الثّقة بين الناشر والكاتب! 3\3

الصّيغة التّقليدية، المعتمدة لدى دور النّشر المتخصّصة أو العامة، ضمن بيئة ثقافية متطورة أو ناهضة، هي الاحتفاء بالكاتب، الذي يصبح علامة على طبيعة دار النّشر في كثير من الأحيان…

تابعنا في الجزء الأول والثاني بعض الاختلالات والإشكالات التي تعانيها دور النشر المغربية والعوامل المتحكمة فيها.

في هذا الجزء الثالث، نقدم لمحة عن نتائج كل تلك الاختلالات وكيف تساهم في فضّ الثقة الممكنة بين الكتّاب ودور النّشر.

أحياناً، نلاحظُ أن بعض الكتاب المغاربة يتنقلون بين دور نشر كثيرة، وكل إصدار يحمل رمز ناشر جديد، وهي في الغالب دور نشر عربية.

من بين الأسباب المباشرة في ذلك، والتي يوضحها يوسف كرماح، مدير دار أكورا لمرايانا، هي انفراط عقدُ الثّقة بين النّاشر والكاتب بالمغرب، لأن دور النشر المغربية، في بعض الأحيان، لا تفي بالتزاماتها الموقّعة في العقد مع الكاتب.

ضمن العوامل أيضاً، يضيفُ كرماح، التي تُفقد الكُتّاب الثقة في الناشرين المغاربة، أن دور النّشر قليلة جداً ولا ترضي جميع تطلّعات الكتاب. إذ هناك أقلّ من عشرين دار نشر في المَغرب بأكمله!

مقارنة خفيفة كفيلة بتوضيح الفجوة بين المغرب ومحيطه الإقليمي من حيثُ النّشر؛ ففي وقت يظهر أنّ دور النّشر التي تنشُر بشَكل مُستميت عددها خمسة أو ستة في المملكة، نجد الأمر مختلفا بالمرة عما هو عليه في الدول العربية الأخرى، كسوريا والعراق ولبنان والأردن… أو مصر.

مصر مثلا تشهد تواجد أكثر من 300 دار نشر، والقاهرة وحدها فيها أكثر من مائة مكتبة ودار نشر.

دور النشر النشيطة في المغرب حالياً، وفق الكاتب عبد القادر الشاوي، تتشدد كثيرا في نشر الكتاب، وحين تنشره لا يكون ذلك إلا بأعداد قليلة، لا تتجاوز الخمسمائة في الغَالب…

كيف انفرط عقد الثقة؟

هناك مشكل ثقة يطبعُ واقع النّشر بالمغرب، فالكتاب “الكبار” لا يثقون في إمكانات دور النشر المغربية المحدودة. ودور النشر المغربية بالمقابل، لا تثق في الكتاب الشّباب المغاربة.

الوضع الخاص للكاتب المغربي، الذي لا يحكمه أي تنظيم إداري أو قانوني، يزيد الوضع تفاقماً إلى جانب غياب السّوق الثّقافية وتطور مستوى الثقافة، المرتبط أساساً بتطور ونوعية النظام التعليمي برمّته.

من خلال الشهادات التي استقتها مرايانا من بعض الكتاب الشباب، فإنهم يعتقدون أنّ الكاتب المعروف يكون في مركز قوة، يجعله ينتقي دار النشر التي يشاء، لأنه يتوفر على شبكة تسويق كبيرة وعلاقات متينة مع الصحافيين ومع المنابر الصحافية.

جل الكتاب المغاربة يدركون هزالة جودة الطباعة في المغرب، ولذلك، فهم لا يثقون في النّاشر المغربي.

من بين الأسباب الأخرى التي عدّدها عبد القادر الشاوي لمرايانا، أن الدورة الحياتية للكتاب نفسه تطول في المغرب، فتتجَاوز نصف السّنة، حتى يصبح النّاشر قادراً على استخلاص المردودية المرتبطة بصناعة النشر والتوزيع.

هذا دون الحديث عن ارتفاع كلفة إنتاج الكتاب وكلفة توزيعه، سيما عندما يقبل الموزع الاحتكاري بتوزيعه.

أمّا السّعر الذي يعرض به في السوق، فهو في الغالب ما يكون بناء على قاعدة: “كلفة إنتاج النسخة الواحدة مضاعفةأربع أو خمس مرات”، وذلك لتغطية المصاريف وضمان شيء من الربح…

لكن الكاتب المغربي أنس محمد سعيد، في حديثه مع مرايانا، يستبعد الأمر تماماً في صفوف الكتاب الشّباب، فهم حتى في وطنهم لا يجدون فرصةً، إذ “من الصّعب جداً أن تغامر دار نشر بالتعامل مع كاتب مجهول أو مع أعمال لا تغازل تطلُّعات سوق القراءة، بغضِّ النظر عن جودة تلك التّطلعات. هنا، يجد الكاتب المغربي نفسه بين أمرين أحلاهما مرُّ، إذ يضطرُّ للموازنة والاختيار، ليس بين أفضل الفرص المتاحة، بل بين أخفِّ الأضرار”.

لذلك، فالنّشر مع دار خارجية، وفق محمد سعيد، قد يوفّر انتشاراً أوسَع لعمل الكاتب في البلدان العربية وحضوراً أقوى في معارض الكتاب المختلفة، وربما غلافاً أجمل وإخراجاً فنياً أكثر احترافية، وأيضاً قد تكون تكاليف النشر على حساب الناشر. لكن هذا كلَّه في مقابل التوزيع السيئ أو حتى عدم التوزيع في المغرب”… لهذا، يهاجر الكتاب أصحاب الأسماء الوازنة للخارج “العربي”.

أمّا النشر مع دار مغربية، يقول أنس محمد سعيد، “وحسب إفادات بعض أصدقائي الذين نشروا مع دور مغربية، فغالباً ما يكون على حساب الكاتب وربما يكلفه مبالغ ضخمة. ثم إن كل ما يستفيده الكاتب تقريباً، هو توزيعٌ أسرع وأكثر سلاسة في بعض مكتبات المغرب، وهذا نفسه قد يكون على المحك”ّ.

الإشكال في المغرب، والذي يخيف الكتّاب “الكِبار”، أنّ العمل، على الأغلب، سيظلُّ حبيسَ تلكَ المَكتبات، إذ لن يوزَّع في الخَارج ولن يكُون له حضُور قويّ في معارض الكِتاب العربية، وطبعاً يلاحَظ انعدام الجهود التسويقية، وأيضاً رداءة الأغلفة التي تفتقر لأبسط الجماليات الفنية وتعتمد على قوالب ساذجة ولَّى زمانها، يقول محمد سعيد.

بالنّسبة للمتحدث، فإنّ الكاتب الحقيقي عادةً ما يكُون منشغلاً بهمومه الإبداعية المتسامية على الاعتبارات التّجارية، لكنه عند النشر يجد نفسه مضطراً لمسايرة تلك الاعتبارات والموازنة بين أخفِّ الأضرار، والتعامل مع الناشر بمنطق ربحي متبادل.

الكاتب كـ”علامة

من وجهة نظر الكاتب المغربي عبد القادر الشّاوي، فإنّ الصّيغة التّقليدية، المعتمدة لدى دور النّشر المتخصّصة أو العامة، ضمن بيئة ثقافية متطورة أو ناهضة، هي الاحتفاء بالكاتب، الذي يصبح علامة على طبيعة دار النّشر في كثير من الأحيان.

النشر في المغرب، سواء فيما تعلق منه بالدّور المتخصصة في نشر الكتاب الثقافي والأدبي، أو ما تعلق أيضاً بالنشر على نفقة المؤلف، وهو الكثير في المغرب، لم يبلغ في تجاربه الكثيرة، إلا في حالتين أو ثلاثة، ذلك المستوى المطلوب للصيغة التقليدية الاحترافية المعتمدة.

هكذا، نفهم، حسب الشاوي، لماذا كانَت دُور النّشر في المغرب مقصورة على المبادرة التجارية الحرة… فلا يكون نشر الكتاب الثقافي والأدبي في نشاطها العام إلا أمرًا عرضياً.

هناك مشكل ثقة يطبعُ واقع النّشر بالمغرب، فالكتاب “الكبار” لا يثقون في إمكانات دور النشر المغربية المحدودة. ودور النشر المغربية بالمقابل، لا تثق في الكتاب الشّباب المغاربة.

المتحدّث يوضّح أن كثيرا من دور النّشر، التي تملك مطابع خاصة، هي مائلة إلى العمل التّجاري أقرب منه إلى الجانب الثّقافي.

لذلك، “تجد أن التجربة البارزة لنشر الكتاب الثقافي والأدبي، هي تجربة وزارة الشؤون الثقافية في العهود الماضية… وما ذلك إلا لأن عامل الربح لم يكن يُأخذ في الحسبان”.

يختم الشاوي حديثه لمرايانا معتبراً أنّ الوضع الخاص للكاتب المغربي، الذي لا يحكمه أي تنظيم إداري أو قانون، يزيد الوضع تفاقماً إلى جانب غياب السّوق الثّقافية وتطور مستوى الثقافة، المرتبط أساساً بتطور ونوعية النظام التعليمي برمّته.

في النهاية، يمثل هذا الملف إيضاحاً لما يمكن أن يلعبه قطاع النّشر في إبراز كتاب جدد لدمقرطة المشهد الثقافي، وفي تعضيد وتقوية الخطاب المعرفي والفكري والأدبي المغربي.

لكن… ليست الغاية تحميلها المسؤولية كاملةً، فواقع النشر في المغرب، حسب ما تبيّن وكما يقول الكاتب أنس محمد سعيد، لا يعدو أن يكُون نصف أعراض الداء فقط.

أما جوهره، فكامنٌ في رقبة شتّى الفاعِلين في الحقل الثقافي، بدءاً من الكتَّاب أنفسهم ومروراً بدُور النّشر وانتهاءً بأصحاب القَرار السّياسي.

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *