×
×

حربُ الثلاثين عاما: أزماتُ الشّرق الأوسط… نُسخةٌ أوروبية؟ 3/3

من ينظر إلى الحروب في سوريا، العراق، اليمن، ليبيا، يجد أنه ما من علاقة تجمع بينها… لكنّه من زاوية أخرى، نجدُ أنّ الفاعلين والمؤثرين في هذه الحروب، جميعها، هم أنفسهم!
هذه الحروب تتقاطع كصراعات بين العقائد الدينية والمصالح الجيواستراتيجية…

نُتابع في هذا الملف حكاية الحرب التي أتت على أوروبا بين عامي 1618 و1648م؛ تلك الحربُ التي تُعرف تاريخيا باسم “حرب الثلاثين عاما”.

بعد النبش في أسباب هذه الحرب وبداياتها خلال الجزء الأول، طالعنا في الجزء الثاني سير أحداثها إلى خط النهاية… كانت البداية في صورة صراع طائفي، كما تابعنا، وكانت السنوات الثلاثون كفيلة بأن تُنهيها صراعا بين الدول على الأرض والسيادة.

حربٌ كانت فارقة في تاريخ أوروبا، ولا يزال المختصون يشبهون الدمار الذي سبّبته بما يحدث اليوم في الشرق الأوسط.

فهل تكون النهاية سيّان؟ معاهدة تمثّل نقطة التحول في تاريخ المنطقة!  

أفضى صلح وستفاليا، عام 1648م، إلى نتائج سياسية مباشرة كأي مُعاهدة أخرى تعقب الحرب…

سنتخطى هذه النتائج مع الإشارة إلى أن ألمانيا كانت الأكثر تضررا، ذلك أنها كانت مسرحا لأحداث هذه الحرب الطاحنة.

من أوجه التشابه بين الحرب الأوروبية وحروب الشرق الأوسط، عدم وضوح التحالفات والعداوات… حليفُ اليوم، يقول مونكلر، قد يتحوّل غدا إلى عدو! في كلتا الحالين، تحرّكت أو تتحرّك القوى الإقليمية الكبيرة من وراء الكواليس… فرنسا وإسبانيا في القرن السابع عشر، وتركيا، إيران، السعودية ودول أخرى اليوم.

تُشكّل معاهدة وستفاليا تاريخيا إحدى أهم الوثائق السياسية لأنها أرست منذ ذاك ثلاثة مبادئ: سيادة الدول، عدم التدخّل في الشؤون الداخلية للدول، وأنّ للدول أمنا قوميّا.

أمّا دينيا، فكان أن شملت بنود المعاهدة تسويةً تمنح الحرية الدينية للمذاهب المسيحية على حد سواء.

… وتظلّ أهمّ النتائج الخفيّة لهذه المعاهدة، والحرب عمليا، تراجعَ سلطة الكنيسة!

إن كانت الحرب قد كشفت مستوراً ما، فدوافعُ السّلطة السياسية والاقتصادية التي تستّرت تحت عباءة الديني

رغم أن العصر ذاك كان بعدُ مظلماً في أوروبا… إلا أن الناس، بعد الحرب، ولّوا وجوههم صوب العلم والفلسفة للبحث عن إجابات أقلّ دموية من تلك التي سعت العقائد إلى فرضها بالعنف.

صلحُ وستفاليا كان لحظة فارقة في تاريخ أوروبا… والعالم بعدها!

أنهى سيطرةَ اللاهوت على العقل الأوروبي، وأوجد الطريق للعقل والاجتهاد… طريقٌ غير معبّد يومها، لكنه في الأخير… طريق!

لماذا وكيف تتشابه الأزمات في الشرق الأوسط وحرب الثلاثين عاما؟

تلك في الواقع فكرةٌ شائعة؛ وقد أفرد لها عالم السياسي الألماني هيرفريد مونكلر كِتاباً بأكمله تحت عنوان “حرب الثلاثين عاما – كارثة أوروبية، صدمة ألمانية“.

الصّراعات في المنطقة أخذت منذ زمن أبعادا تُشبه تلك التي تخللت حرب الثلاثين عاما… أبعادٌ سياسية، طائفية، مدنية ودولية.

كانت المنطقة، على مدى سنوات طويلة، مسرحا للمواجهة المباشرة، أو بالوكالة، بين جيوش نظامية، وبين ميليشيات المرتزقة، وللتطهير العرقي أو الطائفي، والتهجير، وأسفرت عن مآس عديدة[1].

على أنّ من ينظر إلى الحروب في سوريا، العراق، اليمن، ليبيا، يجد وفق مونكلر أنه ما من علاقة تجمع بينها… لكنّه من زاوية أخرى، نجدُ أنّ الفاعلين والمؤثرين في هذه الحروب، جميعها، هم أنفسهم!

هذه الحروب تتقاطع كصراعات بين العقائد الدينية والمصالح الجيواستراتيجية بحسب الباحث السوري محمد السلوم [2].

كانت القوى في حرب الثلاثين عاما متداخلةً… طائفيا، على سبيل المثال، كان واضحا وجود صراع كاثوليكي بروتستانتي، الأمر ذاته ينطبق في الشرق الأوسط على من هبوا من مختلف أنحاء العالم لدعم أبناء طوائفهم…

لكن، يقول السلوم، تَبيّن على المدى الطّويل أنّ المصالح السياسية كانت أكثر أهمية بالنسبة للجميع.

مونكلر[3] يرى أن هذه الحروب ما لم تتوقّف، فإن الحديث مُستقبلا سيكون عن حرب واحدة متشابكة

كما في حالة حرب الثلاثين عاما، بدأت على عدة جبهات، إلا أنها تنامت وتكاملت حتى تحوّلت إلى حربٍ واحدة كبيرة… بفضل قوّتها، ديناميتها الذاتية، وتدخل قوى أخرى.

كانت القوى في حرب الثلاثين عاما متداخلةً… طائفيا، على سبيل المثال، كان واضحا وجود صراع كاثوليكي بروتستانتي، الأمر ذاته ينطبق في الشرق الأوسط على من هبوا من مختلف أنحاء العالم لدعم أبناء طوائفهم…

من أوجه التشابه أيضا بين الحرب الأوروبية تلك وحروب الشرق الأوسط، عدم وضوح التحالفات والعداوات… حليفُ اليوم، يقول مونكلر، قد يتحوّل غدا إلى عدو!

في كلتا الحالين، تحرّكت أو تتحرّك القوى الإقليمية الكبيرة من وراء الكواليس… فرنسا وإسبانيا في القرن السابع عشر، وتركيا، إيران، السعودية ودول أخرى اليوم.

فهل تكون حرب الثلاثين عاما درساً للقوى المتحاربة في الشرق الأوسط؟

يرى مونكلر أنه كان بالإمكان التوصل إلى صلح وستفاليا قبل عام 1648م بكثير… لكنّ كلا من القوى المتحاربة كان يعتقد بأن الحرب سوف تنتهي بالنصر، وتصرفوا جميعهم على هذا الأساس.

ذلك ما أثار أعداءً جددا باستمرار، ولم يؤد في النهاية إلى أي تغييرات استراتيجية كبيرة مهمة.

… ولمّا أنهكت الدول بسبب الدمار الذي لحق بها مؤديا إلى تهجير السكان، اقتنعت أخيرا بضرورة إنهاء الحرب…

مونكلر يرى أن هذا الطريق لا يشكل رسالة جيدة إلى المتحاربين في الشرق الأوسط، ذلك أن بلوغ مرحلة الإنهاك هناك… لا يزال بعيدا!

… يصدق على أزمات المنطقة، يقول السلّوم، أحد أوصاف الحرب قديما: “لا تحترق ولا تتبخر”!

[1]  عن ترجمة مقال لـ”إبراهيم تابت” ، بعنوان: “فوضى حرب الثلاثين في أوروبا هل تتكرر اليوم في الشرق الأوسط؟”، ترجمة “مدني قصري”، منشور في موقع “حفريات”.
[2]  عن مقال للباحث بعنوان: “حرب الثلاثين عاما في أوروبا والثورة السورية واتفاقية وستفاليا”، منشور بموقع “جيرون”.
[3]  من حوار له لموقع دوتشلاند.دي.

 

لقراءة الجزء الأول: حربُ الثلاثين عاما… حينَ حوّلت الطائفيّةُ أوروبا إلى قارة جرداء! 1/3
 لقراءة الجزء الثاني: حربُ الثلاثين عاما… الحربُ التي أرست أركانَ الدّولة الحديثة! 2/3

مقالات قد تهمك:

 

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *