×
×

من الولايات المتحدة الأمريكية، مونية مناور تكتب: تساؤلات مهاجِرة… بين الهُويّة والوهم!

على الرغم من دهشتي أنّ الكثير من الناس في الغرب يعرفون القليل عما هو خارج البحار، إلا أنني أغتنم الفرصة من خلال هذه التّعليقات لتصحيح أي مفاهيم خاطئة. لكني أتعب… لا أستطيع أن أكون الشخص الوحيد الذي يعلّم أو يصحّح باستمرار. إنه ليس عملي حصريّا. ومع ذلك، فإن الاضطرار إلى تصحيح الكليشيات عن بلدي أصبح وظيفتي بدوام كامل.

“من أنا؟”

سؤال ملحّ يظلّ يطاردك عندما تعيشين بعيدًا عن وطنك. في تلك الأرض الأجنبية ، أنت تتحققين من نفسك باستمرار. أنت ترحبين ببعض التغيرات… لكنك تقاومين أخرى. تحاولين التكيف مع سياق ثقافي جديد. ومع ذلك، فإنك تخشين ألا تتعرفي على نفسك. إنها أزمة مستمرة تعيش المهاجرة فيها، متاهة لا تنتهي عندما يكون الانسان بعيدًا عن وطنه، يصبح الوقت صديقًا وعدوًا أيضًا. صديق، بمعنى أن الوقت يسهّل عذاب الانفصال عن البلد، بحيث تكون المهاجرة متطلّعة إلى هذا “العالم الجديد”، وتفتخر بنفسها لأنها خرجت إلى الخارج لخوض مغامرة جديدة.

لكنّ الوقت يُصبح ايضا عدوّا لأنه يجعلها تتذوق ألم الفراق جرعة تلو الأخرى. شعور الانفصال، من ناحية المكان، يكون شعورا مزمنا لأن المهاجرة لا تستطيع رؤية أسرتها. حضنهم، أو خلق ذكريات جديدة معهم.

عندما قررت الذّهاب إلى الولايات المتحدة الأمريكية، كان تفكيري الساذج آنذاك يهمس إليّ: “مونية، ستحصلين على “تعليم أفضل””.

حينما غادرت وعشت في الولايات المتحدة الأمريكية لمدّة أحد عشر عاما، أدركت مدى سذاجتي. سعيي للحصول على التعليم في الولايات المتحدة الأمريكية جعلني أدرك كيف يتخيل المجتمع الغربي الشعوب غير الغربية. عندما أُخبر بعض الناس أنني من المغرب، غالبًا ما أحصل على إجابة نمطيّة أو مبتذلة من قبيل: “أنا أحب الكسكس” ، أو “أليس هذا هو البلد الذي تمارس فيها النساء السحر والشّعودة؟” ، أو “أحب لكنتك الإنجليزيّة ، إنها غريبة و جذّابة” أو “أين ركنت جملك؟”…

على الرغم من دهشتي أنّ الكثير من الناس في الغرب يعرفون القليل عما هو خارج البحار، إلا أنني أغتنم الفرصة من خلال هذه التّعليقات لتصحيح أي مفاهيم خاطئة. لكني أتعب… لا أستطيع أن أكون الشخص الوحيد الذي يعلّم أو يصحّح باستمرار. إنه ليس عملي حصريّا. ومع ذلك، فإن الاضطرار إلى تصحيح الكليشيات عن بلدي أصبح وظيفتي بدوام كامل.

على الرغم من ذلك، ما زلت أبحث عن هذا المكان المتخيّل الذي حلمت به قبل مغادرة أرضي. مكان لا تكون فيه المهاجرة هي من تتولى دور المعلّمة. مكان حيث يتم تقييم المعرفة الغربية وغير الغربية بالتساوي. مكان لا يعرف العنصرية أو التمييز الجنسي، والتمييز ضد المهاجرين. مكان الفرص المتكافئة للجميع.

قبل بضع سنوات، صديقي جيروم، الذي ولد ونشأ في الولايات المتحدة، وأنا قمنا برحلة إلى كاليفورنيا لزيارة جدّيه خلال يوم عطلة أمريكي. في طريق العودة إلى أريزونا بالسيارة، أوقفنا ضابط شرطة. أخبر ضابط الشرطة جيروم أنه كان يسرع قليلاً، و كان هذا هو الحال. بعد أن أظهر جيروم رخصة القيادة لضابط الشرطة، قرر الشرطي عدم كتابة مخالفة سرعة.

عوضا عن ذلك، طلب الشرطي من جيروم أن يخرج من السيارة. ثم شرع في تفتيش السيارة على أمل العثور على شيء يمكنه استخدامه ضدنا، أو هكذا بدا الأمر.

بعد ذلك، وبشكل صادم، طلب ضابط الشرطة من جيروم أن يضع يديه خلف ظهره. وضع الشرطي الأصفاد على جيروم. صدمت، وبدأت أشعر بالذعر. كانت أفكاري مشتّتة للغاية، ومع ذلك كانت واضحة: لماذا يضع ضابط الشرطة الأصفاد لشخص لمجرد أنه كان يتخطى الحد الأقصى للسرعة  قليلا؟ هل هذا السّلوك طبيعي في الولايات المتحدة؟

نظر اليّ ضابط الشرطة وقال: “عليك أن تقودي السيارة لتخرجي صديقك بكفالة من السجن”. كنت أخشى أن أسأل “لماذا السّجن؟”. حدقتُ في الشرطي بجو من الحيرة، ثم سأل عن هويتي. أريته جواز سفري المغربي مع ختم تأشيرة الطالب الدولي عليه. نظر إلي وقال بنبرة ساخرة: “أنت طالبة افريقية”!

بدأت أتوسل إلى ضابط الشرطة للسماح لنا بالرحيل. لا أعتقد أنني قد توسلت هكذا إلى أي شخص في حياتي.  لم أكن أتوسل للحصول على الطعام أو الشراب، بل توسلت من أجل الحرية. بطريقة ما، وجد الشرطي نوعا من الرضا في توسّلي… بدأ يحدّق في الفراغ لبضع ثوان، ثم فكّ قيود جيروم أخيرًا وأعطاه تذكرة مخالفة، وتركنا نذهب إلى حال سبيلنا.

جيروم رجل إفريقي أمريكي، وهذا ما على يبدو سبّب مشكلة للضابط. كان الأمر واضحًا لجيروم ولي. كنت مستاءة جدا ومحبطة. يا له من ظلم! يا لها من عنصريّة! بدأت أتأمل فكرة أن “الولايات المتحدة مجتمع تخطى العنصرية”… يا له من وهم استهلكت!  ما حدث لجيروم وَ لي في ذلك اليوم الصيفي بدأ يوقظني من هذه الفكرة المتخيلة عن الغرب حيث تتجول فكرة “الديمقراطية “، التّعليم الأفضل”. في نفس الليلة، بكيت حتى النوم.

منذ تلك الليلة الصيفية، بدأت سذاجتي تتحول إلى وعي. وعي بالحكايات الاستعمارية التي تهطل مثل الأمطار الغزيرة في أواخر أبريل؛ حكايات استعمارية عن أرض الحرية وتكافؤ الفرص. لم أرد أن أترك هذا الوعي يتحول إلى استياء ساخر. ومع ذلك، فإن هذا الاستياء يجد ممرًا إلى جسدي في بعض الأحيان عندما أسمع تعليقات عنصرية وتمييزيّة عن المهاجرين والمجموعات العرقية المختلفة في الولايات المتحدة، وعندما لا تعمل القوانين دائمًا لصالح هذه المجموعات.

في أوقات أخرى، أشعر بقوة تجري عبر عروقي. أنا، المهاجرة، تعلمت أن أكون مقاومة. أظن ذلك لأن عائلتي جهزتني بحاجز يحميني من الأذى – درع المهاجرة. تتجسد مقاومة المهاجرين في نمط البقاء على قيد الحياة. وهو وضع لا يأخذ يوم عطلة. وضع يُخفي الألم من العالم الخارجي حيث قد نعبر كمهاجرين في الغرب عن وهم القناعة بابتسامة صفراء. ولكن جانب المقاومة يأتي بجهد مستمر لوقف تمجيد الأيديولوجيات الغربية.

كنت أطارد الحلم الغربي باستمرار. أطارد مستقبلا متخيلا. مستقبلا يتعايش فيه أناس من أعراق وثقافات مختلفة في وئام. بعد ذلك، أظهرت لي تجربتي مع جيروم بُعدًا رفضت رؤيته في الماضي حتى حدث لي ولصديقي الذي تعرض للعنصرية في موطنه. بدأ هرمي المتخيل عن الغرب ينهار شيئا فشيئا، خاصة عندما تم إيقاف زوجي، الأبيض البشرة، في الطريق السيّار لنفس السبب، وسمح لنا ضابط الشرطة بالذهاب دون مشاكل أو أسئلة أو سيارات مفحوصة. يا له من مأزق! يا له من امتياز عرقي!

بينما واصلت تساؤلي عن الانسجام مع الغرب، بدأت أفقد انسجامي مع موطني. هل أنا في وئام مع موطني الأصلي؟ كان درع المهاجرة مجرد تذكرة ذهاب فقط. ما لم أتوقعه هو أن الخوف الذي شعرت به قبل مغادرة المغرب قد بدأ يأخذ شكلاً مختلفًا: ماذا لو لم تتعرف بلدي عني؟ ماذا لو أن لغتي الأمازيغية التي لا أستعملها يوميّا لا تسامحني؟ ماذا لو غبتُ عن بال أحبائي؟ ماذا لو أصبحتُ ضائعًة في وطني بنفس القدر الذي أنا عليه في العالم الغربي؟ لم أكن مُجهزًة بدرع يحميني من هذا النوع من الخوف، الخوف من أن أكون الغريبة بحقيبة سفر في موطني.

منذ عامين، في مكناس، المغرب، خرجت وزوجي للسوق. فجأة، صرخ في وجهي أولاد شباب سمعونا نتحدث بالإنجليزية قائلين: “لقد حالفك الحظ. لقد حصلت على “الغرين كارد””.

هذه العبارة تدل على أن هناك تفسيرا واحد فقط للسير في الشارع مع رجل أبيض، أمريكي، هو أنني على متن المركب فقط للحصول على بطاقة الهجرة الخضراء الأمريكية. تذكرتي إلى “الغرب المتخيل”. بدأت أسأل نفسي لماذا نطق الأولاد بمثل هذه العبارة: ربما نطقوها كنتاج مجتمع لديه أيضًا تصورّ يوتوبي عن الغرب؟ البطاقة لحياة أفضل؟ أو “لأنّ العبارة كانت نتاج مجتمع ذكوري تدان فيه المرأة بشكل كبير؟” لست متأكدًة. لكني أعلم أنني اعتُبِرت كغريبة في أرضي، المكان الذي أسميه الوطن.

عندما أعود إلى بلدي المغرب، فإن رأيي عما يجري في البلاد مع العائلة أو الأصدقاء في بعض الحالات غالبًا ما يكون غير مهم. “أنا أمريكية الآن”، لذا لا يمكنني أن أفهم ما يجري في بلدي الأم. أدرك أني لن أستطيع أن أفهم تمامًا تجارب مجتمعي في المغرب، لأنني لست موجودة فعليًا في المساحة. لكن، ماذا عن السبع وعشرين سنة التي قضيتها في المغرب حيث تعلمت الكثير عن الحياة؟ هل تحسب كلا شيء؟ هل اُحرَم من آرائي لأني هاجرت إلى الخارج ويجب أن أرضى بمصيري؟

كمهاجرين، يجب أن ندرك أننا بحاجة إلى إتاحة الوقت لبلدنا لإعادة التعرف علينا. فالوطن مثل الصّديق؛ على الرغم من وجود اختلافات بينكما، يمكنكما دائمًا معالجة الموقف لأنكما وفيان لبعضكما. مغادرة وطننا لمتابعة الدّراسة أو لإيجاد فرص للشغل لا يعني أننا لا نحب بلداننا الأصلية. لكن، كمهاجرين، نحن بحاجة إلى قبول صعوبة العودة والتحلي بالصبر. نحن بحاجة إلى بذل جهد مستمر لجعل بلدنا يرافقنا دائمًا بغض النظر عن مكان وجودنا.  إن أرضي الأصلية المتخيلة هي مكان تكون فيه الأسرة والأصدقاء واللغة الأم والتّربة هي خلاصي. كمهاجرين، مع ذلك، نحن بحاجة إلى أن تفهم مجتمعاتنا أننا في متاهة الهوية نسعى للانتماء باستمرار.

من أنا؟ أنا المهاجِرة. في عالمَين، أنا غريبة. أنا لست في وئام مع نفسي. سأكون دائمًا عضوة الأوركسترا غير المتناغمة مع الفرقة الموسيقية. أنا أناضل. وآمل أن يتم الوصول إلى ذلك المكان المتخيل يوما ما، مكان للإنصاف والعدالة، والتثاقف. أما الآن، أنا أجادل عالمَيَّ في متاهة الهوية هذه، لن أتوقف عن البحث عن نفسي، عن ذاتي. هذه معضلة المهاجرة!

مقالات قد تهمك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *