×
×

فاروق سلوم من السويد يكتب: أوهام الهجرة والاندماج. بداوة عربية في أرض المهجر

كانت هناك بقايا وجوه باسمة وقلوب رحيمة حين وصلت الى أوربا قبل أكثر من عشر سنوات. لكن كل شيء تغير جراء الخيبات التي  أحدثناها في نفوس مجتمعات دول اللجوء. تغير …

كانت هناك بقايا وجوه باسمة وقلوب رحيمة حين وصلت الى أوربا قبل أكثر من عشر سنوات.

لكن كل شيء تغير جراء الخيبات التي  أحدثناها في نفوس مجتمعات دول اللجوء. تغير كل شيء، من ملامح الوجوه الشاحبة إلى نظرات العينيين الجاحظة إلى المواقف والتصرفات ومواقف الأحزاب والأفراد معا. بالمقابل، تنصرف جمهرة اللاجئين للحديث عن العنصرية في دول اللجوء، دون مراجعة للنفس أو الضمير من قبل مجموعات لاجئة لاترى عليها أي التزام.

منذ اللحظة الأولى التي يضع فيها اللاجيء الأجنبي والعربي قدمه على أرض الدولة المضيـفة، تبدأ رحلة الإعداد الجديدة التي يتفرغ لها موظفون في مصلحة الهجرة ومنظومات المساعدة الاجتماعية في دول اللجوء من أجل تسهيل عملية التدريب والتعلم والاندماج للمجموعات القادمة.

مجموعات اللجوء لاتفتأ تتعامل مع عنصر الزمن المديني والحضاري المخطط، بمزاج الزمن الريفي المسترخي والمستسلم للقدرية

بالرغم من أن بعض موظفي الهجرة والخدمة الأجتماعية في تلك الدول، مليئون بالإحباط إزاء هذه العملية، لكنهم يبتسمون ويهيؤون الأجواء والإمكانات لخدمة اللاجيء وعائلته، التزاما وظيفيا ومسايرة لنظام قبول اللاجئين في تلك الدول.

كما نعرف، فإن مجتمعات دول اللجوء تعيش في إطار منظم للزمن والحركة والعلاقات وقياس الزمن الحضاري وجدواه. لكن مجموعات اللجوء لاتفتأ تتعامل مع عنصر الزمن المديني والحضاري المخطط، بمزاج الزمن الريفي المسترخي والمستسلم للقدرية.

فإن تأخر اللاجيء عن موعد اجتماعه وعائلته مع مسؤولة الرعاية الأجتماعية، أو تأخر عن موعد المحاضرات أو موعد طبيب الأسنان، فإن كل تلك القدرية التي أخرته عن التزامه تحصل بإرادة ربانية لاطاقة لأحد من اللاجئين لمنعها بسبب قدسيتها !!

إن تعليق تقويم العام الجديد وتأشير أيام السنة على الحائط عند عوائل اللاجئين، أو ارتداء ساعة تشير الى الوقت أو شراء دفتر لكتابة المواعيد والتوقيتات وأمور الحسابات، ووضعه في مكان بارز لتنظيم الحياة في الغربة، يعتبر بالنسبة لجمهرة اللجوء أمرا نفسيا ضاغطا يثير العصبية والأنفعال، وهو غير متبع لديه وفي ثقافته.

إن ما قالته معلمة اللغة من أهمية تنظيم أوقات مشاهدة التلفاز وعدم الإسراف في استهلاك الطاقة بأعتماد الأضاءة الخافته وفتح ستائر النوافذ ليدخل ضوء النهار أو بأعتماد قائمة برامج التلفاز في الصحف والمواقع، لهو أمر يتعارض مع الأستعمال الشائع لجهاز التلفاز الذي يفتح منذ الفجر ويظل يهدر طوال الوقت.

يزيد اللاجيء، المسلم بشكل خاص، في طرح أسئلة الحلال والحرام، وإمكانية تحجيب الفتاة الطفلة، وعدم تناول أطفاله طعام المدرسة، وهل يعد دخول قاعة الكنيسة في دعوة عامة في بلد اللجوء ولأسباب احتفالية وليس دينية ممكن أم نجاسة؟

كما أن الدعوة لتنظيم الإضاءة القليلة بفتح الستائر، ما هي إلا عملية مضادة لفكرة ستر نساء المنزل ورجاله، بينما هي في جوهرها عملية تنظيم اقتصادية تحاول أن تجعل اللاجيء يتعرف إلى أن صرف الطاقة في هدر الماء الساخن والإضاءة الفاقعة ليل نهار، هما إهدار لدخله المحدود الذي سرعان مايتحول الى ضغط من ضغوط سوء التخطيط الأقتصادي وعدم الاستجابة لدعاوى الأندماج التي تهدف لجعل حياة اللاجيء وبقائه أكثر راحة ونظاما.

اقرأ لنفس الكاتب: الشخصية الدينية النمطية كما رسمتها الأحزاب والحركات الدينية

المسلسلات المحلية العربية ومسلسلات رمضان وخطب الدعاة وأحاديث المعممين وتوجيهات رجل الدين الذي يؤم اللاجئين في ركن اختاره ليصبح مصلى بمعونة من الدولة المضيفة وبمشروعية دستورية لحرية العبادات؛ كلها تشكل علامات ومراحل فصام يعيشها اللاجيء بعيدا عن كل فرصة اندماج تقوم على مبدأ الالتزام الأدبي الذي أعلنه اللاجيء منذ لحظة وصوله، بأنه سيلتزم القواعد السلوكية والقوانين المنظمة للبلد المضيف، واحترام نصوص الدستور والحريات العامة.

لكن، مع مرور الأيام، يزيد اللاجيء، المسلم بشكل خاص، في طرح أسئلة الحلال والحرام، وإمكانية تحجيب الفتاة الطفلة، وعدم تناول أطفاله طعام المدرسة، وهل يعد دخول قاعة الكنيسة في دعوة عامة في بلد اللجوء ولأسباب احتفالية وليس دينية ممكن أم نجاسة؟

والحق أن اللاجئين العرب والمسلمين هم من حولوا فكرة الاندماج هنا الى وهم من أوهام الهجرة، واستبدلوا ذلك الضيق الذي عانوه في بلدانهم سياسيا واقتصاديا وإنسانيا، والذي دفعهم للهجرة؛ بضيق جديد.

والحق أن اللاجئين العرب والمسلمين هم من حولوا فكرة الاندماج هنا الى وهم من أوهام الهجرة، واستبدلوا ذلك الضيق الذي عانوه في بلدانهم سياسيا واقتصاديا وإنسانيا، والذي دفعهم للهجرة؛ بضيق جديد. جعلوا من بلدان اللجوء مجرد سجون صغيرة تحت سطوة قوائم التحليل والتحريم؛ لدرجة أنهم يسألون الدعاة وأئمة المساجد هل يعتبر راتب المعونه الأجتماعية الذي هو نتاج نظام ضريبي يشمل استلام ضرائب محلات التجارة والمخابز والأفراد والبارات والنوادي ودور السينما ومحلات بيع الكتب وغيرها، هل هو حلال أم حرام؟

من أمثلة انغلاق أفق التعايش او الاندماج أنه، في عيد الحب، جاءت معلمة اللغة في إحدى المدارس بعلبة حلويات حمراء، محتوياتها على شكل قلوب. بدأت المعلمة توزع على الطلاب قطع الحلويات، بعد تقديم بسيط لدلالة عيد الحب الدينية والأجتماعية والإنسانية، فتناول الأفريقي والهندي والكورية الشمالية والأفغاني وغيرهم حبة واحدة من حلوى قلوب عيد الحب، ما عدا الطالب المسلم العربي؛ الذي سحب العلبة كلها من يد المعلمة وبدأ يقلبها ويقرأ هنا ويقرأ هناك. احمر وجه المعلمة، وسألته عن ما ينوي فعله. هنا، رد الطالب بكل صفاقة وقلة اخلاق: “إنني اريد التأكد من أن الزيت الذي صنعت منه الحلوى ليس زيت خنزير”.

أسقط في يد المعلمة وتركت قاعة الدرس محمرة الوجه لبعض الوقت أمام ذلك الموقف الذي يمكن أن يقال فيه الكثير عن أخلاق اللجوء الغريبة وعدم التزام بعض اللاجئين والمهاجرين، ولا جدوى برامج الأندماج التي تخطط ميزانيتها بلدان اللجوء ومجتمعاتها، بهدف إعداد مواطنين جدد.

 

* فاروق سلوم كاتب وشاعر عراقي مقيم بالسويد

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *