×
×

كيف تسيّدت الإنجليزية لُغات العالم؟ وهل ستظلّ مُتسيّدةً إلى الأبد؟

ما زال الكثيرون يعتقدون بأن الإنجليزية لغة تفتح أبواب النجاح، ولا يتردّدون في تعليمها لأبنائهم كلغة أولى.
صحيحٌ أنّه يوجد احتمال لتقلّص الدور الذي تلعبه. لكنّ كلمةُ السر في تجنب الإنجليزية لخطر التراجع الكلّي يكمن في كونها تتكيف مع جميع التغيرات، مهما كانت مُتسارعة…
على عكس اللغات الأخرى!

تتسيّد الإنجليزية لغات العالم. إنّها اللغة الأم لنحو 400 مليون شخص، ويتحدث بها حوالي مليار ونصف شخص آخر بوصفها لغة أجنبية.

للمفارقة، ولاعتبارات ديمغرافية، يوجد في الصين وحدها نحو 350 مليون متحدّث بهذه اللغة… أكثر من الولايات المتحدة الأمريكية!

خُمس الأمريكيين، بالمناسبة، يتحادثون بلغات أخرى غير الإنجليزية في بيوتهم.

يبدو اليوم أنّ من لا يتحدّث، يقرأ، ويكتب بالإنجليزية… أُمّيّ لغويا. حتّى من يبرع في لُغة أخرى، يجد نفسه أبكماً حين يسافر إلى بلد لا يتحدث بها.

الإنجليزية، ببساطة، لغةُ تواصلٍ توحّد العالم، فحيثما رُحتَ تجعلُ لصوتك معنى. كيف سيتحادثُ عربيّ وصينيّ على سبيل المثال؟ بالإنجليزية على الأرجح.

… كثيرٌ منّا قد يتساءل: كيف اعتلت هذه المكانة؟

القاموس الإنجليزي برمّته لم يظل جامدا، كما فعلت حضارات أخرى بلغاتها. إنّه قاموسٌ مرن، يرحّب بأي جديد… وليس لفظ “السيلفي” إلا مثالا عى ذلك.

إلى غاية بدايات القرن الـ19م، لم تكن توجد لغة مُتسيّدة إلى هذا الحد، خاصة في العلم، الذي كان يُكتب بلغات عديدة، من بينها الإنجليزية، الفرنسية وأساسا الألمانية.

قبل هذه اللغات كلّها، كانت اللاتينية هي الأصل. من كتبَ في حقل علمي ما بلغة بلده، كان عليه أن يُترجم إلى اللاتينية حتى يصل إلى الآخرين.

ثمّ تسيّدت اللغة الألمانية. لو عدنا إلى مُعظم الفلاسفة والعلماء في العصر الحديث، وجدناهم ألمانا، نمساويين… وفي ذلك ما يُبدّد سؤال “لماذا”.

كان لهذه اللغة، رغم نبرتها القاسية، أن تتسيد إلى يومنا هذا اللغات في العلوم. لكنّها انكسرت منذ اندلاع فتيل الحرب العالمية الأولى.

ثمّ… شيئا فشيئا، أخذت الإنجليزية تُصبح الأكثر انتشارا في العالم… ولأسباب واضحة.

لغةٌ… لا تغيب عنها الشمس!

عُرفت بريطانيا بالإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس. غطّت، إلى حدود 1920م، 35.5 مليون كلم مربع من مساحة العالم، أي ما يُعادل نحو ربع الكرة الأرضية.

ما معناه أيضا أنّها كانت تبسط سلطتها على نحو 412 مليون شخص… هذا الرقم، الذي يبدو ضئيلا اليوم، كان يُعادل يومها 23 بالمائة من سُكّان العالم.

إذا كان يُفترض أنّ هؤلاء وحدهم تحدّثوا بالإنجليزية، فماذا إذن حين نعرف أنّ الإمبراطورية كانت على تعاملات تجارية كبيرة مع آسيا وإفريقيا؟

صحيح أن أهل التّجارة من السكان المحليين كانوا يتحدّثون بلغاتهم الأم وحسب. لكنّ الإنجليزيةَ كانت براقة تُمثّل للمتعلّمين هناك لغة الحضارة التي ينبغي التّحدث بها.

بعد الحربين العالميتين، الأولى والثانية، لم يعد العالم يحمل هيأته القديمة. لحُسن حظ الإنجليزية، أنّ من استأسد بعدها العالمَ… كان الولايات المتحدة الأمريكية.

انتشرت الاستثمارات الأمريكية في معظم أنحاء العالم، ولم تكتف الولايات المُتّحدة بالبحث عن الازدهار تجاريا فقط، بل عملت أيضا على تصدير ثقافتها، على نحو أسهم في تألّق لُغتها.

غزت العالمَ بالروك والجاز وغيرها من الألوان الموسيقية، وصدّرت هوليوود إنتاجاتها السينمائية إلى أقاصي الأرض… كلّ هذا ساعد الإنجليزية على تبوئ مكانتها كأولى لغات العالم.

تطبيقات الترجمة هذه قد تُغني المرء عن تعلم لغات أخرى. إلى وقت قريب، لتقرأ أي بحث بأي لغة كانت، كان يفرض أن تتعلّم هذه اللغة. بينما يُمكن اليوم ترجمته إلى أي لغة نقرأها في رمشة عين.

لم تَعُدْ مجرّد لغة بعد ذلك، إنّما ثقافة تُعبر عن نمط حياة مُتفرّد لمن يتحدث بها… عن الحُلم الأمريكي!

من أراد أن يُصبح من المشاهير، في شتى المجالات، كان عليه أن يُقدّم أعماله باللغة الإنجليزية لكي تصل إلى عدد أكبر من الناس.

كان البعض على وعي بأنّ العولمة، كمصطلح برز مع نهايات القرن الماضي، لا تعني سوى توحيد العالم على ثقافة الولايات المتحدة.

لم تكن تُصدّر ثقافتها وحسب، بل عملت، بالموازاة، على ريادة العالم علميا ومن ثم اقتصاديا… حتى أدخلَته، من حيث لا يدري، في عصر التكنولوجيا الرقمية.

ابتُكرت هذه التكنولوجيا في الولايات المتحدة، ما يعني أنّ جميع الكلمات والمفردات في القاموس التكنولوجي إنجليزية.

القاموس الإنجليزي برمّته لم يظل جامدا في الواقع، كما فعلت حضارات أخرى بلغاتها. إنّه قاموسٌ مرن، يرحّب بأي جديد… وليس لفظ “السيلفي” إلا مثالا عى ذلك.

ثمّ وفوق كلّ هذا، فإن الإنجليزية لُغة سهلٌ تعلّمها؛ لا تنطوي على أي تعقيدات مُعجمية، نحوية، أو صرفية… مع بعض الاستثناءات بالتأكيد.

حسب قوائم أسهل اللغات التي يمكن للمرء أن يتعلّمها، تأتي الإنجليزية في المقدّمة.

إلى متى؟

يُخبرنا التاريخ أنّ لكل لغة عصرا ذهبيا تتسيّد فيه العالم، ثمّ تبدأ في التراجع لتخلي مكانتها للغة أخرى.

مُقدّم برنامج مستقبل اللغة الإنجليزية على بي بي سي، روبين لاستيغ، يرى أن التكنولوجيا الرقمية يُمكن أن تكبح تقدّم استعمال هذه اللغة في المستقبل القريب.

في المثال الذي قدّمناه بدايةَ الملف عن العربي والصيني، هما في الواقع اليوم ليسا بحاجة إلى اللغة الإنجليزية.

يكفي أن يُحمّلا تطبيق غوغل للترجمة الفورية، وسيتحدّث كلّ منهما إلى الآخر بلغته الأم.

تطبيقات الترجمة هذه قد تُغني المرء عن تعلم لغات أخرى. إلى وقت قريب، لتقرأ أي بحث بأي لغة كانت، كان يفرض أن تتعلّم هذه اللغة. بينما يُمكن اليوم ترجمته إلى أي لغة نقرأها في رمشة عين.

التطور التكنولوجي، بما يأتي به من ذكاء اصطناعي، سيُلغي مستقبلا الحاجة إلى المترجمين من البشر.

يعكف المبرمجون اليوم على تطوير تقنيات ترجمة رقمية، تضاهي جودة ترجمة البشر أو أكثر جودة.

لكن، ومع ذلك، ما زال الكثيرون يعتقدون بأن الإنجليزية لغة تفتح أبواب النجاح، ولا يتردّدون في تعليمها لأبنائهم كلغة أولى.

صحيحٌ أنّه يوجد احتمال لتقلّص الدور الذي تلعبه. لكنّ كلمةُ السر في تجنب الإنجليزية لخطر التراجع الكلّي يكمن في كونها تتكيف مع جميع التغيرات، مهما كانت مُتسارعة…

على عكس اللغات الأخرى!

مقالات قد تهمك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *