×
×

أعوان السلطة: تاريخ هامش المركز 1\2

من بين الأسباب التي لم تدفع الباحثين المعاصرين إلى الحفر في تاريخ أعوان السلطة، كونها تبدو فئة هامشية، وأداورها ثانوية وغير مؤثرة في النسق المخزني. لهذا، تم تجاهلها في أغلب الدراسات التي تناولت المخزن. عند تناول الأجهزة الإدارية المحلية، كان الاهتمام ينصب أساسا على القياد والباشوات، (رغم بعض الإشارات المصدرية لبعض شيوخ القبائل أو المساعدين، لكنها تظل شذرات فقط).

تجده في كل إدارة وكل دائرة، لا يمكن إنجاز أبسط الوثائق الإدارية دون أن يكون حاضرا بشكل مباشر أو غير مباشر…

عين السلطة في كل مكان. هو مركزها وهامشها في الآن نفسه، إنه المقدم أو “عون سلطة” بالتعبير الإداري.

في هذا الملف، تسلط مرايانا الضوء على تاريخ هذه الوظيفة، وتطورها منذ فترة ما قبل الحماية إلى اليوم.

المقدمين والنسق المخزني: إشكالية الدراسة

ليس من السهل الحديث عن فئة أعوان السلطة، فمحاولة دراستها تظل إشكالية متعددة المستويات، منها العام؛ أي بتناول ودراسة الدولة، أو المخزن، باعتبار أعوان السلطة جزء منها؛ ومنها ما هو خاص، أي ما يتعلق بشكل مباشر بفئة أعوان السلطة.

المصادر تحدثنا عن صراعات القياد مع القبائل أو مع السلطان، عن انتصاراتهم، عن انتكاساتهم، عن ولائهم للسلطة المركزية أو تمردهم عليها، عن هيمنتهم على المناطق المعينين عليها.

لكن، ماذا عن مساعديهم؟ أولئك الذين يجمعون لهم المعلومات وييسرون لهم مهامهم… من يجيشون الناس أو يثبطون هممهم؟ ماذا عن أعوان القياد والباشوات في القرى والمدن؟ لا شيء.

على المستوى الأول، فإن الدراسات المهتمة بالدولة، أو المخزن كمفهوم أو كبنية أو نسق، تعرف أعطاباً عدة؛ إذ أن أغلبها متأثر بالدراسات الكولونيالية، والتي كانت دائما تتوقف عند شخصيتين أساسيتين، هما: أحمد المنصور السعدي والمولى إسماعيل العلوي. هذه الدراسات كانت تعتبرهما مؤسسي المخزن ومطوريه بمفهومه الحديث. بالتالي، فإن ظهور المخزن لم يتم إلا انطلاقا من الفترة السعدية، وأن ما قبلها كان شكلا من الحكم القبلي.

لكن هذا التصور يظل محكوما بالمركزية الغربية، التي أطرت الدراسات الكولونيالية في تعاطيها مع المخزن.

استقراء المصادر التاريخية يجعلنا نخرج بفكرة مغايرة، فالبنية “المخزنية” قديمة. بل حتى أن بعض الممارسات والطقوس تعود إلى مراحل سابقة على الفترة السعدية (كحق العفو على المساجين مثلا، والذي نجد نصوصا بخصوصه ترجع للفترة الوسيطية، أو دخول وخروج المواكب السلطانية من المدن، أو المراسيم والظهائر…).

على المستوى الخاص، فرغم أهمية أعوان السلطة (الشيوخ والمقدمين على وجه الخصوص)، في النسق السياسي والإداري والاجتماعي المغربي (إن لم نقل كافة الأنساق)، فإننا لا نجد دراسات تتناولهم.

أثناء محاولتنا الحفر في تاريخ هذه الفئة، فإننا نجد غيابا للإشارات المصدرية، خاصة في فترة ما قبل الحماية.

تاريخ المقدمين: تاريخ هامش المركز

يمكن اعتبار تاريخ أعوان السلطة جزء من تاريخ الهامش. رغم أنهم جزء من المركز (السلطة)، إلا أنهم يعيشون على أطرافها، في تغييب تام.

المصادر تحدثنا عن صراعات القياد مع القبائل أو مع السلطان، عن انتصاراتهم، عن انتكاساتهم، عن ولائهم للسلطة المركزية أو تمردهم عليها، عن هيمنتهم على المناطق المعينين عليها.

لكن، ماذا عن مساعديهم؟ أولئك الذين يجمعون لهم المعلومات وييسرون لهم مهامهم… من يجيشون الناس أو يثبطون هممهم؟ ماذا عن أعوان القياد والباشوات في القرى والمدن؟ لا شيء.

كان التنظيم الإداري المحلي يقوم على الباشاوات في المدن (كلمة باشا كلمة تركية دخلت للمغرب في الفترة السعدية)، والقواد في البوادي؛ وكانت مهامهم تتمثل في تدبير المجال المسند إليهم من طرف السلطان، وفي نفس الوقت، تمثيل الساكنة لدى المخزن أو السلطان (وكان ثمة “جهاز إداري من الأشياخ أو المساعدين يساعده).

يمكن اعتبار تاريخهم تجليا للتركيز على الأشخاص، أو ثنائية المركز/الهامش، فحتى تاريخ السلطة أو المخزن، الذي يفترض أنه مركز، لديه هامش (أعوان السلطة).

تاريخ المقدمين: هامشية وهمية

من بين الأسباب التي لم تدفع الباحثين المعاصرين إلى الحفر في تاريخ أعوان السلطة، كونها تبدو فئة هامشية، وأداورها ثانوية وغير مؤثرة في النسق المخزني. لهذا، تم تجاهلها في أغلب الدراسات التي تناولت المخزن. عند تناول الأجهزة الإدارية المحلية، كان الاهتمام ينصب أساسا على القياد والباشوات، (رغم بعض الإشارات المصدرية لبعض شيوخ القبائل أو المساعدين، لكنها تظل شذرات فقط).

لقد جرى اختزال المغرب في الظاهرة القايدية، دون أن يتم تشريحها بالشكل اللازم، فقد اختزلت في انتماءات القياد وتحالفاتهم وصراعاتهم… إلخ؛ ما يجعلنا نقول إن أغلب الدراسات المعاصرة – رغم التقدم المنهجي والمعرفي- كانت في جزء منها إعادة صياغة، حتى لا نقول اجترارا، لما خلفته المصادر التاريخية.

الواقع يؤكد أنه لا يمكن فهم المخزن أو الدولة، دونما تشريح وحفر في تاريخ وأدوار أعوان السلطة ووضعها في نسقها؛ فهم، وإن كانوا هامشا على أطراف المركز، لكن الأكيد أنهم أحد عوامل توازنه. بصيغة أخرى… إنه الهامش الذي يحفظ توازن المركز.

الجهاز الإداري المحلي

كان التنظيم الإداري المحلي يقوم على الباشاوات في المدن (كلمة باشا كلمة تركية دخلت للمغرب في الفترة السعدية)، والقواد في البوادي؛ وكانت مهامهم تتمثل في تدبير المجال المسند إليهم من طرف السلطان، وفي نفس الوقت، تمثيل الساكنة لدى المخزن أو السلطان (وكان ثمة “جهاز إداري من الأشياخ أو المساعدين يساعده).

هذا الجهاز الإداري “المحلي”، باعتباره بنية اجتماعية أكثر منها سياسية (كما ذهب إلى ذلك عبد الله العروي)، عرف تحت مسمى الظاهرة القايدية؛ حيث أنها كانت تعبيرا عن قوة العلاقات العائلية داخل القبيلة، وتفرعاتها وتمفصلات تشابكاتها.

يصعب تبنى هذا الرأي بشكل مطلق، واختزال “الظاهرة القايدية” في شكل علاقات عائلية وقرابات ومصاهرات. لكن، أيا كان الأمر، فالمؤكد أن القواد والباشوات اعتمدوا على جهاز إداري يضم أعوانا (الشيوخ والمقدمين)، انصبت مجالات عملهم على تأطير الحياة اليومية الساكنة.

في البوادي؛ كان عليهم ضبط وتأطير الأسواق الأسبوعية، ومواسم الأولياء، والشرفاء، وتحديد أوقات الحرث والحصاد، وتنظيم الاستفادة من المياه والمراعي الجماعية، إضافة إلى وظائف أخرى.

نظرا لطبيعة هذه المهام، فقد كان من الطبيعي، أن يتم اختيارهم من العناصر القريبة للسكان، بمباركة الجماعة وشيوخها، أو سكان الحومة؛ فطبيعة المهام كانت تفترض القرب والتراضي… يمكن القول، عموما، إنهم كانوا أقرب لوسطاء منهم إلى أن يكونوا منصبا إداريا… وسطاء بين القواد والباشوات من جهة، وبين الناس من جهة أخرى.

لا تسعفنا النصوص التي بين أيدينا، ولا ما اطلعنا عليه من مراسلات ووثائق ومخطوطات، في الاعتقاد بوجود أدوار أخرى لهذه الفئة. لكن، مع الحماية الفرنسية على المغرب، ستحدث عدة تحولات في تاريخ هذه الفئة… نرصدها في الجزء الثاني من هذا الملف.

 

لقراءة الجزء الثاني: أعوان السلطة: من الخلفاء إلى المقدمية 2\2

 

مقالات قد تهمك

“المخزن”… تاريخ طويل من الأسئلة! (الجزء الأول)

موقع الدين في نظام الحكم بالمغرب: إمارة المؤمنين، حكاية البدايات.. 2/1

هشام روزاق يكتب: من يحكم المغرب؟ … “جهات ما”

نظريات في تاريخ المغرب 1\2

“المخزن”… كيف كان يقر سلطته على المغرب؟ وكيف كان يوازن العلاقة بين السلطان والرعايا؟ (الجزء الثاني)

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *