×
×

القسوة: هل يمكن الحد من الجرائم الفظيعة ودون عقوبات قاسية؟ 3/3

المنظومة القانونية الإنجليزية سبق أن أدانت الإعدام العلني للناس بسبب سرقة الطعام. ثم، في القرن العشرين، كانت الثقافة البريطانية قد رفضت مشهد الإعدام علنا حتى لو كان بسبب تهم أكبر وأسوأ.
لكن، ومع ذلك… ما زال كل من الإعلام والأدب والأفلام يقدم القسوة مقرونة بالإثارة أكثر من أن يُظهر تأثيراتها ونتائجها المُهلكة في الضحايا.

في الجزء الثالث والأخير من هذه القراءة في كتاب “القسوة… شرور الإنسان والعقل البشري”، لمؤلفته، الباحثة البريطانية كاثلين تايلور، نُتابع بعض الاقتراحات التي تقدمها لخفض منسوب القسوة لدى الإنسان ومن ثم الحد من الفظاعات التي يُحدثها في مجتمعه والعالم.

نُذكّر أننا تابعنا في الجزء الأول حديثا عاما عن القسوة، ورأينا أنها مثل أي سلوك إنساني، تنتج عن العقل وتحدث بواسطته… إلا أنها، مع ذلك، تظل مفهوما أخلاقيا لكونها تعتمد على أفكار وتبريرات وضرورات، كما أنّها تُمثل معاناة غير مستحقة للغير.

وقد رأينا في الجزء الثاني أيضا أن وصف شخص ما بالقاسي قد يتلون بالمحاباة أو الانحيازات النفسية أو الاجتماعية؛ الأحكام عنها تختلف باختلاف من يُصدرها. من ثمّ، كان لزاما على العدالة أن تكون عمياء وأن لا تُحابي.

القسوة سلوك طبيعي. لكن…

القسوة سلوك طبيعي… لقد طوّرها البشر كأسلوب للبقاء، تقول كاثلين. قوانين الطبيعة لا تنص على أي مساواة بين البشر على خلاف القوانين الوضعية (حقوق الإنسان).

الجنس البشري نشأ على معاملة العالم دون مساواة… نهتم بأقاربنا ومن نراهم أقوياء في جماعتنا، وبما يتفق ومعتقداتنا؛ ولا نولي الاهتمام مثله للغرباء أو للأفكار التي تتناقض مع ما نعتقده أو لمن هم أقل في المكانة الاجتماعية.

هناك الكثير مما نستطيع فعله كي نمنع ونكبح القسوة إذا تصرفنا فورا وبحزم. لكننا نحتاج إلى الحكمة والشجاعة والإرادة لفعل ذلك، وأن نبذل مجهودا جبارا… دون أن ننتظر جزاءً ملموسا!

هذا الإقصاء تطوّر لأنه كان مُفيدا في زمن ما، فقد أتاح للجماعات كسب المنافسة حول الموارد الضئيلة… لكنه، مع الأسف، ما زال شائعا كأسلوب لحل الصراعات، تقول كاثلين.

يقودنا إقصاء الآخر بطبيعته إلى التفكير في الشر، وفي النهاية إلى السادية[1] كجوهر لا باعتبارها سلوكا.

نحن نرى الشر في الآخرين كصفة في شخصيتهم أو طبيعة مترسخة؛ ولا نعتقد الأمر نفسه إذا تعلق الأمر بنا أو بمن نهتم بهم…

ترى الكاتبة أنه يمكننا، كبشر، أن نفعل أكثر بكثير مما نفعله الآن، لخفض المعاناة التي نسببها لبعضنا البعض إلى الحد الأدنى.

… أن نتوقف مثلا عن ترحيل القسوة إلى الآخرين (مناطق النزاع مثلا)! إقصاء الآخر هو تماما القول: “القسوة تحدث هناك، هم من يرتكبها لا نحن”.

الذي يسمح به هذا، ليس فقط التخلي عن المسؤولية، لكن أيضا التظاهر بأن القسوة غير موجودة إلا إذا حدث وعرفت طريقها إلينا…

… أن نتوقف عن الاستثمار في القسوة؛ في أمور مثل صناعة السلاح والصناعات التي تتولى إعادة الإعمار بعد الحروب.

يُمكن للتعليم أن يقلل من سيطرة المعتقدات الزائفة، فالمعرفة بالحقائق ومعرفة كيف نفكر، سوف تساعدنا في كشف ملايين الأشكال من “الهراء” الذي يقدمه من يستفيدون من إقصاء الآخر.

كيف يمكن للعقوبة أن تردع دون أن تكون قاسية؟

غالبا ما يكون الناس قساة لأن القسوة تبدو أسهل الطرق للتصرف في ظروفهم الخاصة.

قد تكون هناك أسباب قوية لتفادي القسوة. لكن ما يتطلب مجهودا أقل هو تجاهل هذه الأسباب لا مقاومة ضغوط الآخرين.

إذا كنا نود الحد من شيوع السلوك القاسي، وفق الكاتبة، فإننا سنحتاج إلى تغيير ما يحفز القسوة… من السهل قول ذلك، لكنه صعب في التنفيذ، وإن لم يكن مستحيلا.

الأفضل من العقاب، هو الإدماج الاجتماعي للمخطئ في حداثة السن وذلك لأنه قد يمثل وسيلة فعلية وفعالة للتقليص من الجريمة بدلا من العقاب في الكبر (فيما بعد).

تورد كاثلين مثالا من بريطانيا، وتقول إن المنظومة القانونية الإنجليزية سبق أن أدانت الإعدام العلني للناس بسبب سرقة الطعام. ثم، في القرن العشرين، كانت الثقافة البريطانية قد رفضت مشهد الإعدام علنا حتى لو كان بسبب تهم أكبر وأسوأ.

لكن، ومع ذلك… ما زال كل من الإعلام والأدب والأفلام يقدم القسوة مقرونة بالإثارة أكثر من أن يُظهر تأثيراتها ونتائجها المُهلكة في الضحايا.

ترى كاثلين أن هناك اليوم ضعفا في القدرة التنفيذية للمجتمع، سواء من الوالدين أو المنظومة القانونية أو الجيران أو من يشكلون الرأي العام. وقد قلل ذلك، بحسبها، من قيمة “قديمة”؛ هي الربط بين الإيذاء والعقوبة المستحقة بإيذاء مقابل.

تقول: “صرنا نخشى كثيرا تطبيق العقوبة، تحديدا لأننا نعلم أنها من الممكن أن تصبح قسوة، ولذا نقلص العقاب إلى حدود الغرامة أو خدمة المجتمع أو تقييد الحرية”.

الإشكال أنه، مهما كافأنا الناس الطيبين على حسن سلوكهم، لن يتوقف الناس عن ارتكاب الآثام واقتراف السلوك السيئ.

لكي يتحقق ذلك، ينبغي أن يكون ثمة إدراك كابح لدى الفاعل بأن السلوك السيء يُعرّض الفرد للعقاب. حتى تكون العقوبة مؤثرة وفعالة، لا بد أن تردع وأن “تُؤذي”.

على أن هذا الأذى لا ينبغي أن يكون جسديا بالضرورة… ذلك أنه إن لم يكن رادعا، فلن تعدو العقوبة أن تكون نوعا من الرضا والسرور لمن يُنزلها… فقط!

معنى ذلك، توضح الكاتبة، أن الأفضل من العقاب، هو الإدماج الاجتماعي للمخطئ في حداثة السن وذلك لأنه قد يمثل وسيلة فعلية وفعالة للتقليص من الجريمة بدلا من العقاب في الكبر (فيما بعد).

الأطفال، على خلاف الكبار، يتأثرون بإظهار النفور منهم، مثل رفض الوالدين لسلوكهم… تطبيق العقوبات مفيد وناجح حتى إن كان بمجرد الرفض والاعتراض على ما أتوه.

تخلص الكاتبة إلى أن هناك الكثير مما نستطيع فعله كي نمنع ونكبح القسوة إذا تصرفنا فورا وبحزم.

لكننا نحتاج إلى الحكمة والشجاعة والإرادة لفعل ذلك، وأن نبذل مجهودا جبارا… دون أن ننتظر جزاءً ملموسا!

[1]  السادية تعني أن تقسو لأنك تجد في القسوة ومعاناة وألم الضحية مُتعة ولذة.

 

لقراءة الجزء الأول: القسوة: كيف يستطيع الإنسان أن يرتكب الفظاعات؟ 1/3

لقراءة الجزء الثاني: القسوة: بين المجرم السفّاح وطفل يُلقي بالكتاكيت في النار… 2/3

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *