×
×

سوق عكاظ… الفيسبوك الأقدم في تاريخ العرب! 1\2

لم تشهد العرب على امتداد التاريخ سوقا كسوق عكاظ… سوق صارت بعد اندثارها في الواقع، أسطورةً يضرب بها المثل.
سوق عكاظ قد لا يماثلها اليوم في الأسطورة سوى الفيسبوك، فهي إلى جانب التجارة التي كان يهب إليها القوم من كل حدب وصوب، كانت فضاء عاما بكل ما للمفهوم من معان.

جاء في لسان العرب: تعكظ القوم تعكظا إذا تحبسوا لينظروا في أمورهم.

وعكظ الشيء يعكظه؛ أي عركه ودعكه. وتعاكظ القوم؛ أي تعاركوا وتفاخروا. وعكاظ سوق للعرب كانوا يتعاكظون فيها.

سميت عكاظ عكاظا، يقول ابن منظور، لأن العرب كانت تجتمع فيها فيعكظ بعضهم بعضا بالمفاخرة.

عكاظ هذه كانت سوقا معروفة لدى لعرب، غير أنها تميزت عن سواها بتبوئها الصدارة بين كل أسواق العرب في “الجاهلية”، رغم أنها كانت قرية تخلو من السكان.

يورد ياقوت الحموي في كتابه “معجم البلدان” عن الأصمعي، أن عكاظ بينها وبين مكة مسيرة ثلاث ليال، في سوق العرب، بالتحديد في مكان يسمى الأثيداء.

ذات الخبر يورده حديثا الأديب المصري مصطفى صادق الرافعي في كتابه “تاريخ آداب العرب”؛ غير أن الأثيداء عنده، مكان يدعى الابتداء.

إجمالا، اختلف أهل الأخبار، على امتداد القرون الماضية، في تحديد الموقع الدقيق لسوق عكاظ. لكن النقاش حوله قد حسم في أيامنا هذه، فسوق عكاظ يقع على بعد 45 كلم على طريق مدينة الطائف، باتجاه مدينة الرياض، عاصمة السعودية[1].

أهم ما تميز به سوق عكاظ أنه كان منتدى أدبيا بأتم معنى الكلمة

المفكر المصري عبد الوهاب عزام، في كتابه “موقع عكاظ”، يؤكد أيضا أنها تقع في طريق أهل اليمن ونجد إلى مكة.

عكاظ، كما قلنا، كانت أعظم أسواق العرب. يقول الرافعي إنها اتخذت سوقا بعد عام الفيل بـ15 عاما؛ أي عام 540م. مصادر أخرى تقول إن تاريخ إقامتها يعود إلى عام 545م.

كانت هذه السوق تجتمع في الأشهر الحرم[2]. يفد الناس إليها آمنين، ويذهبون بعدها إلى سوق مجنة، فسوق ذي المجاز، ثم موسم الحج الأكبر.

جاء في سيرة ابن هشام، في فصل حرب الفجار: “فأتى آت قريشا، فقال: إن البراض قد قتل عروة وهم بالشهر الحرام بعكاظ”.

ويورد أبو الفرج الأصفهاني في “الأغاني” أيضا، أن “معاوية بن عمرو أخا الخنساء وافى عكاظ… فلما خرج وتراجع الناس عن عكاظ… إلخ”.

سوق عكاظ إذن، كانت تجتمع في الأشهر الحرم، والشواهد في مصنفات الإخباريين عديدة، على غير ما ادعى البعض أنه يقام في شوال، فالأخير ليس بشهر حرام لدى العرب، يقول عبد الوهاب عزام.

كان فحول الشعراء يشهدون عكاظ ليتناشدوا مفاخر قبائلهم وأمجادها، ولتصل أشعارهم إلى أكبر عدد من الناس… في هذه السوق كان الشاعر الفحل يخطب بقصيدته والخطيب المصقع بكلمته.

صيت عكاظ كان ذائعا… لكثرة ما يفد إليها الناس وللأمن الذي توفره الأشهر الحرم، كانت العرب تقصد إليها لأمور عديدة: لأمر يريدون إذاعته، من مأثرة في الخير، أو دعوة إلى صلح، أو تعاون إلى أمر جامع، أو استعانة على عمل جليل.

كانوا يقصدون إليها أيضا للمفاخرة أو للمنافرة أو لطلب ثأر… ورغم أنهم يعرفون أن هدفهم يوجد بعكاظ، لا يتعرضون له، حتى يمضي الموسم وتنتهي الأشهر الحرم، فيترصدون له حينذاك ليثأروا منه.

من هذا ما يورده الأصفهاني من أن الناس أصابهم القحط، فكان أن اجتمع زعماء العرب في عكاظ، فتواعدوا وتوافقوا ألا يتغاوروا حتى يخصب الناس.

أما في التجارة، فالعرب كانت تحمل كل شيء من الأرجاء إلى عكاظ، يقول الرافعي، فمن أراد الميرة[3] ذهب إليها، ومن فقد شيئا التمسه في عكاظ لعله يجده في سلعها.

لما قُتل الحارث بن ظالم، يذكر الأصفهاني مثلا، أُخذ سيفه إلى سوق عكاظ ليباع!

عكاظ كانت أعظم أسواق العرب. يقول الرافعي إنها اتخذت سوقا بعد عام الفيل بـ15 عاما؛ أي عام 540م. مصادر أخرى تقول إن تاريخ إقامتها يعود إلى عام 545م.

لكن… أهم ما تميز به سوق عكاظ أنه كان منتدى أدبيا بأتم معنى الكلمة[4].

كان فحول الشعراء يشهدون عكاظ ليتناشدوا مفاخر قبائلهم وأمجادها، ولتصل أشعارهم إلى أكبر عدد من الناس… في هذه السوق كان الشاعر الفحل يخطب بقصيدته والخطيب المصقع بكلمته.

يروي الأصفهاني أن النابغة الذبياني كانت تضرب له قبة من أدم بسوق عكاظ، يجتمع إليه فيها الشعراء، فينشدونه ويحتكمون إليه، وقد أنشده فيها الأعشى والخنساء وحسان.

عمرو بن كلثوم، حين أنشأ طويلته التي يضمها البعض إلى المعلقات؛ “ألا هبي بصحنك”، قام بها خطيبا في عكاظ أول مرة، يورد الرافعي.

في سوق عكاظ إذن، تشكلت نواة النقد العربي القديم؛ فقد كانت ميدانا ملائما للنشاط النقدي، سواء ما يتولاه بالنقد الجمهور الأدبي، أو الشعراء أنفسهم[5].

عكاظ بقيت في الإسلام حتى ثار الخوارج ونهبوها، يقول الرافعي. وتوضح بعض المصادر أنها عاشت نحو 150 عاما، قبل أن تتراجع أهميتها، وأنه أعيد إحياؤها في العصر العباسي لفترة، ثم اندثرت وتحولت إلى مجرد ذكرى في تاريخ العرب.

في الجزء الثاني، نتعرف على أسواق أخرى عرفها العرب قبل الإسلام، إلى جانب سوق عكاظ!

[1]  فايزة بلقاسمي، مذكرة لنيل شهادة الماستر بعنوان “أثر الأسواق الأدبية في إثراء الحركة النقدية… سوق عكاظ نموذجا”، كلية الآداب والفنون، جامعة عبد الحميد بن باديس، الجزائر، 2018.
[2]  ذو القعدة، ذو الحجة، محرم، ورجب.
[3]  مؤونة طعام.
[4]  عن مذكرة فايزة بلقاسمي.
[5]  المصدر ذاته.

لقراءة الجزء الثاني: أسواق العرب قبل الإسلام… أكثر من مجرد أسواق! 2\2

مواضيع قد تهمك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *