×
×

عبد الرحمان السعودي يكتب: فبراير… ضحية “الحزقات” الصديقة  

الأخ على اليمين، غارق في شرب خوذنجال وعينه على سبع بيضات بلْديات مسلوقات مرصوصات أمامه، يفترس الواحدة تلو الأخرى بمنتهى الخشوع ويسبح بحمد من سخر له ذلك. أما الرفيق على اليسار، فمنغمس في التهام الخُبِّيزَة بعد أن خلطها بهريسة وحامض مُصَيَّر يعود إلى الثورة البلشفية.
توقفت الحركة عندما حضر رئيس القطار، لم يصادر الأكل كما توقع الجميع، وتحولت نظرات عدم الفهم إلى نظرات ذهول بعد أن جلس يشاركهم ما يأكلون.

إذا كان ثمة ما سيجعل الشاب “فبراير” يعتزل ركوب القطارات بصفة نهائية، لا يطأها حتى يموت، فسيكون حتما تلك المقالب السخيفة التي يتعرض لها بسبب ركاب غريبي الأطوار، يسوقهم القدر للجلوس إلى جانبه كلما تسلل من الدرجة الثانية للقطار نحو الدرجة المكيفة للتطبيع مع عزلتها النخبوية.

في يوم عيد ميلاده، الموافق لثانى أيام برج الحوت، كان “فبراير” على موعد مع مقلب جديد.

استقل القطار متوجها نحو العاصمة من أجل الاحتجاج على عدم صرف معاش أبيه، لعله يفلح هذه المرة في استرداد حق أسرته والتخفيف من وطأة العيش. آثر الجلوس في الركن الأكثر عزلة وانزواء، ووضع سماعات تصدح بإيقاعات غيوانية يهتف فيها العربي باطما: “فين غادي بيا خويا فين غادي بيا”. على حِجْرِ المقعد المقابل، يرقد كتاب يبدو أن صاحبه هجره، ساكن صامت منكمش، يترقب مصيره الذي سيكون لا محالة سلة مهملات القطار فور الوصول إلى آخر محطة. تحرك القطار دون أن يظهر للكتاب صاحب، دقق “فبراير” في عنوان الكتاب واسم مؤلفه، “ثورات في بلاد العجائب” من تأليف مؤرخ مشهور. انقض على الكتاب بحركة خاطفة واعتبره هدية القطار له في عيد ميلاده.

لم يكن “فبراير” يصدق عينيه وهو يطلع في أحد فصول الكتاب على تفاصيل ثورة جرت أطوارها فوق أرض بلاده، وتلونت بعبقرية أجداده. لكنه سرعان ما توحّد بكل جوارحه مع هذه الأعجوبة الخارقة ومع جوهر فكرتها الجهنمية المجنونة، التي تحققت بفضل سلاح ذاتي سلمي وفتاك، لا يكلف أية خسائر، نتائجه سريعة ومضمونة.

دفن الشاب وجهه بين دفتي الكتاب، يقرأ بشغف الوقائع المدهشة لثورات قادها الأجداد الأوائل في كل بقاع الأرض، ونجحوا في التخلص من جبروت الحكام بسيناريوهات سلمية عجيبة أقرب إلى الأساطير، ولا علاقة لها بتاتا بالمسار التقليدي للثورات عبر التاريخ، حيث يتكبد الثوار وأحفادهم معاناة سيزيف لعشرات، بل لمئات السنين إلى أن تنضج الظروف وتتخلص الثورة من لعنة اللا جدوى فتطرح ثمارها.

لم يكن “فبراير” يصدق عينيه وهو يطلع في أحد فصول الكتاب على تفاصيل ثورة جرت أطوارها فوق أرض بلاده، وتلونت بعبقرية أجداده. لكنه سرعان ما توحّد بكل جوارحه مع هذه الأعجوبة الخارقة ومع جوهر فكرتها الجهنمية المجنونة، التي تحققت بفضل سلاح ذاتي سلمي وفتاك، لا يكلف أية خسائر، نتائجه سريعة ومضمونة، ومنّى الشاب النفس بأن يستلهم أبناء جيله هذه الفكرة العبقرية المجربة بما أنهم استنفذوا كل الطرق من أجل التغيير.

يقول المؤرخ: “… في ذلك العام، بلغ الظلم مداه، حتى أصبح المارة يدفعون ضريبة مقابل المشي تحت ظل أسوار المدينة للاحتماء من لهيب الشمس. بلغ السيل الزبى ووقع مخاض عظيم، اهتزت له البلاد وقلب حال العباد، وخرج الخلق إلى الشوارع والحواري، يلعنون ظلم الوالي وحاشيته الذين طغوا في البلاد وعاثوا في الأرض الفساد. تحصن الوالي بجنده، اشتبكت الأجساد ووقعت مقتلة عظيمة استبسل فيها العوام، وسقط مئات الشهداء العزل وآلاف الجرحى… كاد اليأس يتمكن من النفوس، لولا سطوع نجم ما سمي بـ “جيش الحازِقين” (…). تغلغل في كل أرجاء المعمور وأعاد للناس حماستهم وعمل بعيدا عن أعين البصاصين على فكرة السلاح الفتاك، المعجزة المنسية، النعمة التي أودعها الله في الخلق كافة والفقراء منهم خاصة، سلاح “لحْزَاقْ” – وتعني في القاموس الشعبي الدارج: الغازات التي تخرج من جسم الإنسان -.

انطلقت سحابة خفية نحو الجنود وتسربت عبر الأنوف لتغزو الأجساد، فتساقطوا مغشيا عليهم الواحد تلو الآخر كالذباب… صودرت الأسلحة وعزل الوالي وأخذ كل ذي حق حقه… ومنذ ذلك النصر العظيم، أصبح ينادى على الفقراء في البلاد بـ”الحازِقين”…” .

زحف المسحوقون نحو قصر الوالي يهتفون بلسانهم العامي: ” يها الحازِقون… كلكم محݣورون”. نصف مليون “حَزَّاق” على الأقل يقفون في مواجهة الجند بعد ثلاثة أيام من أكل البيض البلْدي المسلوق المُمَرْمَدِ في الكامون صحبة أطباق البيصارة والخُبِّيزَة، متراصون بنظام وانتظام على قلب “حَزَّاقٍ” واحد، مسلحون بحب الوطن وبالغازات المتراكمة الحبيسة في البطون على مدى ثلاثة أيام بلياليها، يتقدمهم أصحاب الغازات الأخطر فتكا في انتظار إشارة البدء. عند الإشارة استداروا في لحظة واحدة ثم خرّوا ساجدين لمواجهة الظلم بمدافعهم وسط ذهول الوالي وحاشيته وجنده.

وضع كل منهم يده على أنفه، ونادى المنادي من أعلى التل بأعلى طبقات صوته: “أَحْزَااااااااقْ”. طَرْطَرَ الجمع أجمل الألحان، وأفلت كل واحد منهم غازاته الفتاكة من غاره بانتشاء كبير. انطلقت سحابة خفية نحو الجنود وتسربت عبر الأنوف لتغزو الأجساد، فتساقطوا مغشيا عليهم الواحد تلو الآخر كالذباب… صودرت الأسلحة وعزل الوالي وأخذ كل ذي حق حقه… ومنذ ذلك النصر العظيم، أصبح ينادى على الفقراء في البلاد بـ”الحازِقين”…” .

علا صوتُ صافرة القطار فأيقظ الشاب “فبراير”، مما تبين أنها غفوة طالت قليلا بفعل إرهاق السفر الذي اكتنفه. نظر إلى الكتاب الذي بين يديه فلم يجد سطرا واحدا مما توهمه في حلمه. انخرط في نوبة ضحك هستيري، لكن سرعان ما تمالك نفسه حين تنبه أنه لم يعد وحيدا في ركنه، فقد استغل القدر غفوته ليسوق إلى جواره راكبين، أخ ورفيق، ما لبثوا يضعون على الطاولة علبا بلاستيكية تحوي وجبة الغذاء، فأدرك صاحبنا على الفور أن القطار يحيك له مقلبا من جديد.

الأخ على اليمين، غارق في شرب خوذنجال وعينه على سبع بيضات بلْديات مسلوقات مرصوصات أمامه، يفترس الواحدة تلو الأخرى بمنتهى الخشوع ويسبح بحمد من سخر له ذلك. أما الرفيق على اليسار، فمنغمس في التهام الخُبِّيزَة بعد أن خلطها بهريسة وحامض مُصَيَّر يعود إلى الثورة البلشفية. توقفت الحركة عندما حضر رئيس القطار، لم يصادر الأكل كما توقع الجميع، وتحولت نظرات عدم الفهم إلى نظرات ذهول بعد أن جلس يشاركهم ما يأكلون. لم يمر وقت طويل حتى احتبست البطون واجتمع الثلاثة على قلب “حَزَّاقٍ” واحد وأطلقوا مدفعيتهم الفتاكة بانتشاء كبير.

تسربت الغازات الصديقة إلى سائر جسم “فبراير” سببت له دوارا شديدا وحولت حلمه إلى كابوس، فانتابه ضحك كالبكاء.

اقرأ أيضا:

. هشام روزاق يكتب. ذكرى 20 فبراير وبنكيران: زمن “التقاعــس” الاستثنائي

. حركة 20 فبراير وحرية المعتقد

. من كندا، عبد الرحمان السعودي يكتب: لعنة أخناشون…

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *