×
×

من كندا، عبد الرحمان السعودي يكتب: لعنة أخناشون…

على كرسي الاعتراف في عيادة الطبيب النفسي، وبعد ساعات من النبش في تاريخ الوزير الذي كان صريحا وباح بكل شيء، صمت الطبيب طويلا، ثم رجاه بعد أن طلب منه الأمان أن يتحمل صراحته، وبادره شارحا أن ما حدث له حالة نادرة لكنها مذكورة في كتب الطب، سببها عقدة ذنب كامنة بدأت تتفاعل بداخله منذ وضع مصلحة المواطن تحت حذائه، مما جر عليه غضب الشعب الذي قاطع محطات البنزين التابعة لسعادته.

هل كانت الحكاية شائعة أطلقتها قوى شريرة لإنهاء المستقبل السياسي للرجل؟ أم كانت مجرد لغو مبتذل، من ذلك الذي يتناقله الناس بينهم فشّا لغلّهم وتعويضا عن عجزهم؟ أم هي فعلا واقعة حقيقية تستحق أن تدرج في كتب صدق أولا تصدق؟

لم يشغل الناس أنفسهم بالإجابة عن هذه الأسئلة بقدر انشغالهم بالزمن القياسي الذي انتشرت فيه الحكاية العجيبة التي زلزلت البلاد من أقصاها الى أدناها، وظلت مجهولة المصدر لمدة طويلة، مما أربك الأجهزة الأمنية ووضع سمعتها على المحك، لولا أن تكفلت وشاية حقيرة بالقبض على الفلاح الذي رواها أول مرة لأحد أحفاده وهو يسامره قبل النوم، ويحكي له بثقة الناسك، عن اللعنة التي حققت عدالة السماء.

“كان ياما كان في حديث الزمان… وزير يعرف عند الخاصة بالوزير الأزرق، ويلقب لدى العامة بالوزير الأخضر، لديه حس سياسي تماما كالذي كان لدى يونس شلبي في فيلم “إحنا بتوع الأوتوبيس”، ويمتلك كاريزما خطابية وفصاحة لغوية تذكرك بنفس الممثل في مسرحية “مدرسة المشاغبين”.

لو رأيتَه وهو يبكي بالدموع بين يدي أشهر طبيب للأمراض الجلدية، ويرجوه محاولا تقبيل يديه ليجد له حلا فوريا للّعنة التي حاقت به، لما صدّقتَ أنه أثرى وأقوى وزير في البلاد. “أرجوك يا دكتور…لدي موعد عشاء مع الملك مساء الغد. صدقني، لو دخلت عليه بهذه الرائحة التي تنبعث مني، سيضيع كل ما بنيته في حياتي… مستقبلي ومصيري بين يديك يا دكتور”.

اغرورقت عينا الطبيب بالدموع من قرف الرائحة الشنيعة المنبعثة من المسام الجلدية لجسم الوزير، وغالب ذهوله وهو يوضح لسعادته عدم وجود أي مسببات عضوية لانبعاث الرائحة وعلامات أسف من ليس بيده حيلة بادية على وجهه.

اقرأ أيضا: هشام روزاق يكتب: أخنوش… غايدّينا فين نتربّاو!!

عندما انهار الوزير على أرض العيادة يتمرمد، اضطر أن يمد له حبل الأمل قليلا وينصحه بالذهاب فورا إلى طبيب نفسي متمكن لعله يجد تفسيرا. رجاه الوزير أن يدله على طبيب شريطة ألا تكون لديه أي علاقة بالسياسة، معارضة وأغلبية، وألا يكون من المساندين لحملة المقاطعة.

أجرى الطبيب اتصالاته واعدا إياه بإيجاد طبيب رغم أن الشرط الثاني شبه مستحيل… وقبل أن يستوعب الوزير معنى الجملة الأخيرة، كان الطبيب قد توصل إلى المطلوب؛ طبيب نفسي بارع، بينه وبين السياسة طلاق بائن، متفرغ لأبحاثه وقليل الاختلاط بالآخرين.

قبل خروج الوزير جاريا – بالخاء لا مانع – صوب الأمل، سلم شيكا يحمل عددا مبالغا فيه من الأصفار للطبيب، لكي لا يتناسى سطور القسم الخاصة بكتمان أسرار المرضى.

فهم الطبيب الرسالة، لكن فرحته بالشيك السمين الذي استقر في جيبه نكّد عليها حزنه على ضياع فرصة المنافسة على جائزة نوبل للطب، بدراسة هذه الحالة الفريدة التي عاينها للتو، والتي تصلح موضوع دكتوراه بعنوان “كيف تنبعث رائحة البنزين باستمرار ودون توقف، من المسام الجلدية لجسم آدمي سليم عضويا”.

على كرسي الاعتراف في عيادة الطبيب النفسي، وبعد ساعات من النبش في تاريخ الوزير الذي كان صريحا وباح بكل شيء، صمت الطبيب طويلا، ثم رجاه بعد أن طلب منه الأمان أن يتحمل صراحته، وبادره شارحا أن ما حدث له حالة نادرة لكنها مذكورة في كتب الطب، سببها عقدة ذنب كامنة بدأت تتفاعل بداخله منذ وضع مصلحة المواطن تحت حذائه، مما جر عليه غضب الشعب الذي قاطع محطات البنزين التابعة لسعادته.

وقد زادت حدة الرائحة فور صدور تقارير رسمية تؤكد جشعه الاقتصادي وفشله السياسي، لم يستطيع الوزير أن يصبر طويلا على توصيف الطبيب فقاطعه بحدة: “ما هو الحل يا دكتور؟! موعد العشاء يقترب!!”.

اقرأ أيضا: هشام روزاق يكتب: أخنوش ولشكر… إكشوانات زمن الكفاءة

اقترح عليه الطبيب بسذاجة أن يختلق أي حجة تمكنه من التخلف عن موعد العشاء مع الملك. شهق الوزير وجحظت عيناه وكاد يذكر أهل الطبيب بما لا يليق، لولا أن تذكر أنه جاهل بالسياسة ولا يعلم شيئا عن البند الأول من الضُّستور الخاص بتبعات زلزال الغضبة الملكية… تماسك سريعا وطلب منه حلا منطقيا وعمليا لا حلا انتحاريا. سرعان ما استدرك الطبيب وقال بأن لديه إجراء تطهيريا قد يزيل الرائحة قبل بزوغ الفجر، ليهتف الوزير بكل مافيه من عزم “بشرني يا دكتور… ماذا تنتظر؟”.

طلع الفجر وتبين الخط الأبيض من الخط الأسود، ولم يكتب صاحبنا سطرا واحدا من الاعتراف العلاجي الذي اشترط الطبيب تقديمه إلى الملك لفك اللعنة. يده لم تطاوعه أن يخط حرفا واحدا، وظل لساعات وجها لوجه مع الصفحة البيضاء التي لم يفلح بياضها في أن يذكره بالشيب والكفن.

لكن عقارب الساعة التي تجري أمام ناظريه أفلحت في تذكيره بموعده التاريخي، تسابقها رائحته التي كلما ازدادت نفاذا ازداد معها وضوح صورة الكارثة التي ستحيق به عند دخوله على الملك، سواء باعترافه التطهيري المكتوب أو برائحته البنزينية الفائحة.

الشيطان وسوس إليه أن يختبر حل الطبيب أولا قبل أن يتخذ قراره… كتب فقرة عن تواطؤه للرفع من سعر البنزين لمضاعفة أرباح شركاته على حساب إنهاك جيب المواطن المكافح، واعترف بتفاصيل أدائه السياسي المطبوع بخطايا ذهبت ضحيتها ملايير من أموال الشعب، ليفاجأ بأن الرائحة خفت فورا ويتأكد له صدق الطبيب فيصبح أمام أهم قرار في حياته… وبعد أن صلى صلاة الاستخارة واتخذ قراره التاريخي، أجرى اتصال الطوارئ وتوكل على الله.

اقرأ أيضا: أخنوش؟ قبله… دمر بيرلوسكوني دولة!  

الساعة تشير إلى التاسعة مساء… ولايزال الكرسي المخصص للوزير شاغرا على المائدة الملكية، وفي غياب أي خبر عن سبب التأخير، بدأت تُخط على الفور الأحرف الأولى لبنود الغضبة الملكية.

على متن الطائرة المتوجهة إلى جزيرة الوقواق، توجه الوزير بسرعة تسابقه رائحته إلى الجناح الذي حجزه في أقصى ذيل الطائرة. نجحت المضيفة المرافقة له في التظاهر بأنها لا تشم شيئا، لكن مقاومتها انهارت بعد بضع خطوات واكتفت بلغة الإشارة لإرشاده إلى مكان الجناح لتنفد بأنفها بحثا عن جزيئات الأوكسجين.

التاسعة والربع… خمسة عشر دقيقة كانت كافية لتحرير بنود الغضبة الملكية، تهون إلى جوارها الغضبة الشعبية التي طالت الوزير لعدة شهور، ونصت على عقوبات ستتجاوز حتما تلك التي قد تقررها في حقه مؤسسات دستورية بناء على تحقيقات لبرلمانيين وتقارير لمراقبين دامت لسنوات.

العاشرة مساء… “نداء هام، نداء هام… تم إلغاء الرحلة المتوجهة إلى جزيرة الوقواق… ربان الطائرة وطاقمه أصيبوا بغثيان جراء رائحة بنزين حادة اجتاحت الطائرة فجأة… المرجو من جميع الركاب مغادرة الطائرة… شكرا على تفهمكم.”

عند الإشارة تكون الساعة العاشرة والنصف مساء… هرع أمن المطار لإنزال الراكب الذي رفض المغادرة وأحكم الإغلاق على نفسه داخل مرحاض الطائرة”.

ختم الجد الحكاية بضحكة صافية، واعدا حفيده بأن يروي له في الغد حكاية “لعنة خوفو”، عن القاضي الذي حبس نفسه في غرفته خوفا من جرادة زاݣورية عملاقة قادمة من الريف، يتخيل أنها تنتظر خروجه من بيته لالتهامه.

نام الحفيد قرير العين منشرح الصدر، وحلم بحكايات ملحمية كان فيها هو البطل الذي يحقق عدالة السماء بدلا عن اللعنات.

اقرأ أيضا: حزب دولة… حرب وطن: ثم ماذا بعد أخنوش؟

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *