×
×

من كندا، عبد الرحمان السعودي يكتب: رحيل الحمامة البيضاء…

صارت شابة في الثلاثين، متزوجة وأما لأربعة أطفال، مطلوبة لدى العدالة بتهمة الفسق والفجور وإشاعة الفاحشة. جاءت الطعنة من فيديو تداوله الناس، يعرض لحظات حميمية لها أيام المراهقة. لتنضم الحفيدة إلى نادي “يمامات” القرن الواحد والعشرين، تواجه رعاعا بربطات العنق، غوغاء أغبياء، يرجمونها بهواتف ذكية، ولا تجد عاقلا يكفهم عنها كما حدث مع “يمام” منذ أكثر من ألف عام

عبد الرحمان السعودي

حاولوا بالقوة، بالنقود، بالزحف على البطون. لكنها ظلت مستعصية على الجميع حتى قبلوها كما هي. سلموا بأنها ليست لأحد، وما دامت كذلك فهي للكل. الكل يحميها ويحترمها، الكل يوقر “يمام”، حسناء البلدة، المحرمة المرغوبة.

لا تبوح بسرها الدفين الا لطائر الفردوس، يرمقها كل ليلة من شرفة سماوية، في خلوتها الحميمية رفقة حبيبها وهي تستجيب برقة للغريزة التي حباها خالقها. يزورها فجرا ليغرد فرحا بالحب، ويبارك البسمات والهمسات.

نعق غراب الخراب، زير النساء الحاقد، ووشى بـ”يمام” لدى كهنة المعبد. صدر الحكم، وبُلِّغ الرعاع والغوغاء بالزمان والمكان. حجوا من كل حدب وصوب، وتحلقوا حول المتمنعة “يمام” كما يتحلق الذباب على السكر، يحملون الحجر المقدس ورهن الإشارة للرجم حتى الموت، ليطهروا البلدة من خطيئتها، أو بالأحرى من تمنعها.

هتف العاقل بكل ما فيه من عزم: “من كان منكم بلا خطيئة، فليرمها أولا بحجر”. أسقطت الكلمات المتحدية الحجر من الأيدي على مضض، تفرق الرعاع تباعا وتشتت جمع الغوغاء، وانقلبوا على أعقابهم خاسئين.

رفعت “يمام” رأسها تخاطب السماء، راجية ملتمسة دامعة، ترغب في مكان غير المكان وزمان غير الزمان… فردَت جناحيها وحلقت في صورة حمامة بيضاء، شاهقة البياض، حلقت بعيدا في الفضاء الرحب، حلقت إلى ما لانهاية.

لا تكل الحفيدة من طلب سماع هذه الحكاية كلما زارت بيت جدتها، بل وأطلقت اسم “يمام” على الحمامة البيضاء العملاقة، التي يزين تمثالها الشامخ وسط المدينة. تحييها خلسة بيدها الصغيرة كلما مرت بجوارها، تبتسم وتناجيها بألا خوف عليها، فلا وجود لرعاع أو لغوغاء يجبرونها على الرحيل.

وشاءت سخرية الأقدار، أن تتحول حياة الحفيدة إلى نسخة بشعة من حكاية “يمام”…

صارت شابة في الثلاثين، متزوجة وأما لأربعة أطفال، يسعون بين حجرها والأولى إعدادي، مطلوبة لدى العدالة بتهمة الفسق والفجور وإشاعة الفاحشة. جاءت الطعنة من فيديو تداوله الناس، يعرض لحظات حميمية لها أيام المراهقة. لتنضم الحفيدة إلى نادي “يمامات” القرن الواحد والعشرين، تواجه رعاعا بربطات العنق، غوغاء أغبياء، يرجمونها بهواتف ذكية، ولا تجد عاقلا يكفهم عنها كما حدث مع “يمام” منذ أكثر من ألف عام.

ليلة جلسة الحكم، نام الأبناء بمصير مجهول، وعلى فراش قريب رقدت هي، ويأبى القلق والحيرة المميتين أن تلتقي أهداب جفنيها طوال الليل، حتى تسللت طلائع النور من النافذة إيذانا بحلوم يوم جلسة الحكم. طالعت وجوه أبنائها في حزن والحنان يجري في عينيها الذابلتين، تخشى ألا تعود في المساء لإعداد الأرز الساخن المسكر الذي يحبونه. تمتمت في رجاء صادق، غادرت في هدوء وقلبها يهفو.

لحظة ولوجها إلى قاعة المحكمة، أحاطتها المحاميتان المتطوعتان للدفاع عنها بابتسامات التضامن وتربيتات التطمين، لكن ذلك لم يمنع شعورها بوحدة شديدة موحشة، فقد لفظها كل المقربين، هجرها زوجها، تبرأ منها أهلها، أبعدها الجيران، وتخلت عنها صديقات الطفولة.

بدأت أطوار المحاكمة، ولم تقاوم الرغبة في تصفح وجوه الجالسين على الدكك الخشبية في القاعة، وخيل إليها أن كل الأعين تراقبها بتأفف وحنق، فانزوت وحيدة في عمق القفص، شريدة الذهن، غائبة تماما عن كل ما يجري من حولها، حزينة واجمة، تظن من فرط صمتها أنها خلت من الحياة. وجهها مصفر يحاكي وجوه الموتى، ثقل تنفسها، يبس حلقها، باكية العين دامية القلب. لم يحرك جمود عينيها الغائبتين نحو قاعة المحكمة، سوى ضرب القاضي بمطرقته الخشبية على الطاولة، معلنا أن النطق بالأحكام بعد المداولة آخر الجلسة.

ظلت تخالجها في جنون أسئلة بلا إجابات… كيف أكون الجانية؟ أيحاكمونني ويتركون من صور ونشر الفيديو؟ أيحاسبونني ويتركون من يشهِّر بي؟ أنا من يشيع الفاحشة أم أولئك الذين يتداولون الفيديو؟ كيف يتهمونني بعد كل هذه السنين، بعد أن أصبحت زوجة وأما لأربعة أطفال؟

بعد حوالي ساعتين، دخل القاضي ليتلو الأحكام. التحم وجهها بالقضبان الباردة، سرت في جسمها رجفة، أطرافها تتجمد، دمع، لهيب، طيف أطفالها يشتت كبدها… يتوالى النطق بالأحكام، قواها مبددة، جسدها يتثاقل، تشعر باضمحلال مخيف… وصل القاضي للحكم، عيناها تتسعان، من المؤكد أن قلبها واقف، فنطقها خاطفة للأنفاس:

– براءة…

آآه عميقة مدوية، خلعت روحها من جذورها فهوت على الأرض، ماتت… ماتت فرحا… ماتت قبل أن تسمع بقية نص الحكم فتموت حسرة وعذابا.

– براءة المجتمع والدولة والدين من الجانية. حبس وغرامة ووصمة عار حتى اللحد.

– حضانة الأطفال من حق المجتمع الصالح الذي تداول صور الأم العارية لفضح الجريمة،

– السجن مدى الحياة للزوج في زنزانة العجز عن النسيان والتجاوز،

– عشرة أيام نافذة للمنابر الاعلامية ومواقع التواصل للخوض في عرض الجانية،

– مصادرة الجرائد المنددة بالآثار الاجتماعية والنفسية للحكم، وتسخيرها لمسح شرفات بيوتنا الطاهرة، وزجاج البنايات الحكومية، ونوافذ المحاكم.

رفعت الجلسة.

اقرأ أيضا:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *